هموم ثقافية

الـلاهـوتـيـون

 

ما يدعو إليه المتكلمون باسم البنيوية، في العالم العربي اليوم، هو كيف يمكن تقويض الإسلام بشكل نهائي وعاجل، ومن ثم الإعلان عن نهاية الإله الإسلامي، بوصفه المسؤول الأول عما يحدث من دم وإرهاب. وإذا كنا لا نبرئ مثل هؤلاء الحداثيين من سردية هذه الديانة ونصها المقدس، ومن معاجم الدم والتطرف؛ فإن ذلك لا يعني ضرورة تبرئتهم هم أيضًا؛ إذ ثمة جريمة معرفية بالغة الصفاقة يرتكبها بعضهم، وإلا كيف نفسر تناقضهم القائل إن النص القرآني كتب بطريقة تناصية، عبر أخذه من سرديات وديانات وأساطير وأشعار سبقته، ومن ثم يتم إدانة هذا القرآن، بمعزل عن إدانة النصوص التي أرفدها في متونه؟ ومن ثم -أيضًا- يعلو ضجيجهم وحقدهم وأصوليتهم بهدف استئصال الإله الإسلامي؟

لن ندخل في سجال مفرط وعدواني ضد هؤلاء، إذ ندرك مثلهم حجم تعالق النصوص بعضها ببعضٍ، حين نضع النص القرآني تحت مجهر القراءة البنيوية، كما ندرك أنه بمثابة “إعادة قراءة نص لنص آخر”، أو هو محض تداخلات نصية متفاعلة؛ لا سيما إذا وضعنا في اعتبارنا أنه يمثل ديانة، عَرفَت ذاتها من خلال امتدادها لديانات سابقة، ومن ثم قدمت نفسها باعتبارها الأهم والأكثر شمولية والأخيرة، وعليه؛ فإن تفكيكها هنا ينهض من خلال المهمة القائلة بضرورة تقويض أسطورة الأصل. ومثلما يمكن عد ذلك من باب القراءات الصحيحة التي نتبناها، لا يمكن في هذه الحالة مهاجمة الإله الإسلامي وسردية ديانته، بمعزل عن الآلهة الأخرى أو السرديات الدينية التي سبقتها، وأن نحملها وحدها مسؤولية التطرف الديني الذي أنتج في بعض منه تلك الوحوش الإرهابية المفزعة، فهذا يعد نوعًا من الحيف المفرط والغلو القائم على استهجان الهوية.

يمكننا في هذه اللحظة -إزاء قرار يدعو إلى شطب هذا الإله- القفز خطوات إلى الوراء؛ لنبحث عن ماهية الديانات التي سبقت الإسلام، وإدانتها هي الأخرى بإدانة بعض خلفياتها الدموية القائمة على تشغيل النزعة التدميرية، ما دمنا بهذا الشكل ندين الإسلام بإدانة بعض آياته المحرضة على الفتك والدم، وما دمنا بهذا الشكل نراه امتدادًا لنصوص سبقته وتعالقت في متونه، علينا أن ننتبه إلى ضرورة إزاحة المسيحية من طريق عودتنا، فالإله المسيحي مات منذ زمن، أو هكذا قرر المجتمع الغربي، فصله وموته بشكل قاطع ونهائي. لقد “مات ومات معه -أيضًا- كل هؤلاء القتلة”: هكذا دوت تلك الصرخة النيتشوية في أصقاع أوروبا ذات يوم. نحن الآن أمام فرضية نحر إله جديد، وعليه؛ فإنه لن تظل في العالم آلهة غير إله اليهود التوراتي.

يمكن لأحدنا أن يتساءل الآن: ما مصير ذلك الإله اليهودي، بعد موت قرينه المسيحي وبداية احتضار هذا الإسلامي، على يد جملة من الفلاسفة والمفكرين والسياسيين ورجال الدين الذين لم يتورعوا عن اختراع أكفانه، كنوع من ردة الفعل ضد كهنة العصر الجديد؛ حيث يطلون علينا كسفن تجوب أقطار الشرق لتجعل منه مثابة مطبخ للمجازر؟ لا أحد من دعاة البنيوية يتذكر هذا الإله، على ما يبدو، وإنها لمغالطة مضحكة بالغة الازدراء والهشاشة أن يتحدث اليوم مفكرو الحداثة في سياقها العربي، عن ضرورة كنس الإله، وإذا كان وجوبًا قبول هذه الفكرة وتبنيها؛ فإن الأمر سيبدو مدهشًا أمام تجاهل قرينه اليهودي، بوصفه هو الآخر يمثل جسدًا لغويًا وجد اشتغاله في التوراة، كما التلمود وبعض من الكتب الأخرى، تم رفد بعض معانيها وسياقاتها ومضامينها في النص القرآني!

نقرأ عن عاشق الشواء -هذا الإله التوراتي- ما يلي: “ليقربوا لي الشحم والدم”، وندرك بالعودة إلى (سفر اللاويين) أنه كان شغوفًا بذلك، فنقرأ هذه الشذرة “لأن نفس الجسد في الدم، فأنا أعطيتكم إياه على المذبح للتكفير عن نفوسكم؛ لأن الدم يكفر عن النفس”، إنه إله لا شرعية له دون ذبائح ودماء وقرابين، إله شغوف بالمجزرة وطبخ أوصال العجول والضحايا، أما أتباعه فقد أخبرت عنهم (المزامير) كالآتي: “وأهرقوا دمًا زكيا، دم بنيهم وبناتهم الذين ذبحوهم لأصنام كنعان، وتدنست الأرض بالدماء”. لا تكاد السرديات الدينية القديمة برمتها تخلو من معاجم الدم والقربان والعنف والتطرف وقطع الأوصال والتهديد والوعيد، وهي جميعًا لا تعود إلى التوراة أو الأناجيل القانونية وغير القانونية أو القرآن فحسب، وإنما تشترك في أخذها من لغة البدء ومن الأساطير والملاحم القديمة: حينذاك كان يعتقد الإنسان أنه بالدم والعنف وحدهما، سينجو من كل غوائل تحيط به.

إذا كان علينا الآن اتهام الإله الإسلامي وحده، دون غيره من الآلهة الأخرى؛ فهذا محض جنون معرفي وهرطقة كلامية لا أكثر، أما أن يأتي معترض علينا بالقول إن جل الدماء المسفوكة الحالية في العديد من البلدان والأقطار العربية، يتبناها حيوان آدمي مدرب على الفتك يتبنى بدوره الديانة الإسلامية؛ فإن الرد عليه سيكون سهلًا وبسيطًا: هذه الديانة نفسها تبنت معجم الدم القديم، ومثلما يمكن عدّها امتدادًا للأصول الأولى، سيمكن بهذا التصور القول إن تلك الوحوش الآدمية هي الأخرى تمثل امتدادًا -بدورها- لتلك الأصول، ولكن تغيب فيها آثار تلك الأساطير والديانات السابقة للإسلام، وسنحتج مع فيلسوف التفكيك (دريدا)، في معرض حديثه عن تداخل النصوص وتعالق بعضها ببعض، حتى إن النص المنجز “لم يُعد كيانًا منجزًا للكتابة، لم يعد مجرد محتوى مسيج في كتاب أو هوامشه، ولكنه شبكة خلافية، ونسيج من الآثار تشير بطريقة لا نهائية إلى شيء غير نفسها، أي إلى آثار خلافية أخرى. وهكذا فإن النص يتخطى كل الحدود المخصصة له”، وعليه؛ فإن من باب الحتمية أن يتبنى القارئ الأصولي كل تلك الآثار الخلافية التي تبناها النص المنجز، فتعالقت وتداخلت في مواضيعه بشكل سافر أو غير علني.

ليس الإله الإسلامي وحده، في هذه الحالة، المرجعية الأولى للقتلة والإرهابيين. وعلى العكس، صار يمكن القول إنهم قوة استرداد رهيبة لكل السرديات التي تضمنت المعاجم الدموية، وشرعت للعنف والقتل، أو هي مارست فعل الجريمة، أو لنقل إن قوتهم تلك نجحت في جمع كل آثار العنف الإنساني القديم، وأثارتها من جديد، وهنا تسقط كل تلك الغوغاء الحداثية المنادية بشطب الإسلام من الوجود، لأنها هي الأخرى باتت تمثل دينًا استئصاليا حديثًا، وجد إقامته على أنقاض ما سبقه من ديانات.

فلنصرخ، إذن، بالصوت العالي: إذا كنا سنفترض مع أولئك الحداثيين أن مصير هذا الإله الإسلامي لن يتعدى موته، فهل سيفضي ذلك إلى نهاية هذا الرعب الذي يخيّم علينا جميعًا؟ وهل سيفضي إلى صمت تلك الأرواح المعذبة وخلاصها نهائيًا من ذلك الحاكم الطاغية الذي يخدعنا في كل مرة، باسم فصل الدين عن الدولة؟ ألم ندرك بعد أن فكرة العلمانية ما هي إلا الضد النوعي لما سبقها من فكر أسطوري وديني أو هي ضرب من التدين الجديد؟

لقد آن أوان إعادة التفكير في هذا العالم، خارج معسكرات اللاهوتيين القدامى والجدد، فجميعهم، أجل جميعهم، من أكلة لحوم البشر: أومافوجيون جدا!!!

مقالات ذات صلة

إغلاق