تحقيقات وتقارير سياسية

المرأة السورية يوم للاحتفاء وأيام لـ “العار”

بما أن فصائل اليسار العربي درجَت -كعادتها- على أن تحتفي بيوم المرأة العالمي، في الثامن من آذار/ مارس من كل عام، كتقليد حضاري وإنساني، لتؤكد على دور المرأة العربية التاريخي والنضالي، وبما أنها لا تمتلك (الفصائل والتجمعات اليسارية) سوى صياغة بيانات متهالكة، خصوصًا في مرحلة الثورات العربية؛ فإن المرأة السورية وقضيتها ومعاناتها هي من يستحق التضامن معه في مناسبة كتلك. توقظ هذه المناسبات بيانات عجز الأحزاب والشخصيات، من سباتها، حتى ترتفع فخامة تعظيم المرأة ودورها “التاريخي”، بقفز مستمر عن وقائع وفواجع تخص من يُحتفى بها.

المرأة السورية التي تُهان وتُذل وتُقتل وتُعتقل، من أجل الكرامة ورغيف الخبز وقطرة الحليب، لا تحتاج إلى بيانات تضامن تزيد سخافة من يدّعي وقوفه إلى جانبها، وهو يراقب صباح مساء إذلالها حتى الموت. فهل تعي بيانات الاحتفاء بيوم المرأة، أن في سورية نساء سوريات وفلسطينيات غير النساء الموجودات، في أدبيات النضال التاريخي خارج حدود الوطن؟ أم أن الاحتفاء بيوم المرأة، بشعاراته الطنانة والرنانة، يُؤمن لعقلها وضميرها وتاريخها هروبًا من موقف لا تتحمل به وزر قضية ملحّة وضرورية، ارتبطت بوشائج وثيقة بالتاريخ النضالي للمرأة العربية، السورية والفلسطينية، في أيام مجدها، وصولًا إلى حالتها الراهنة في المعتقلات، وفي مخيمات النزوح ومراكز الإيواء.

تفتش فصائل البيانات عن امرأة بمقاسها، لا تشوش عليها تارةً بأنها تُحاصر وتُجوّع وتُعتقل وتُقتل، وتارةً أخرى، بأنها تدفع بمشهد تزاحمها وانفعالها على معابر الإذلال، أمام شاشات العالم كله، إلى صدارة المشهد الذي أسقط مسبقًا كل حروف البيانات الجبانة. هي المرأة السورية التي نافست، في صبرها وحلمها وصمودها بوجه أعتى جلاد عرفته البشرية في عصرنا. من المؤسف أن دوائر سياسية وثقافية، كان منبرها “قضية المرأة وتحررها”، شككت دومًا في عصر الثورة السورية بالمرأة الحرة وقضيتها، لتزيح عن عاتقها واجب التضامن والتآزر لدفع العدوان ورفع الظلم عنها. المرأة السورية مفجوعة -ككل السوريين- على فلذة كبدها أو حبيبها أو أخيها، هي المسفوحة والمغتصبة في زنازين الطاغية، ليس لها أو لغيرها من السوريين صفحة أساسية، من كتب التضامن معها أو الاحتفاء بنضالها.

سطّرت المرأة السورية، خلال أعوام الثورة، جماليات الصبر والصمود، فكل السوريين في ميادين مواجهة السفاح، خلفهم أمهات أو زوجات، فلذات أكباد أو حبيبات، منهم من قضى نحبه، ومنهم نفر كثير لم يزل يمد السوريين، بكل أسباب القوة والمناعة. لم تعد المرأة السورية، في عصرها الثائر على طاغية، تنتظر معرفة قدرها، من خلال بيانات الاحتفاء بها، فهي جديرة أن تلتفت حول نفسها، لتعرف الإنسان الذي حاول تشويهه السفاح والطاغية.

يليق بالمرأة السورية، في غوطة دمشق وحلب وحمص وحماة ودرعا ودير الزور والرقة، وفي كل حي وزقاق، وتجمع ومركز إيواء، داخل سورية أو خارجها، لا تعترف به بيانات ومواقف النخب العربية، أن نحفظ لها إرثها الأخلاقي والإنساني والنضالي، الذي يُعَبّد ويُمهد، بصبرها وحزنها وخرافتها، ما يعتقد البعض أنه صمود مستحيل في وجه الطاغية، وهي معان لن تدركها لعثمة الصغار. في صورة المرأة السورية ويومها، ترقد كل الوجوه المضطهدة التي تمد الإنسان السوري، بكل أبعاد الاستمرار بالثورة التي تشتق منها صورة الإنسان في سورية المستقبل.

للمرأة داخل سورية وفي المنافي، خزان تزويدنا بكل معاني الثبات والحنان والاستمرار. فيض من المشاعر ونبض القلوب، للمرأة المتحررة من رؤى حزبية وفقهية، ومن “الفذلكات” التحليلية الضيقة كل التقدير والاحترام، والمجد للمرأة الأم الشهيدة والأسيرة بالاستبداد، والحية الباقية على بعض من كرامة سقطت، عند كثيرين ممن امتهنوا اجترار العار، في كل سنوات الذل.

Author

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق