تحقيقات وتقارير سياسية

إشكاليات البعث والموروث الطائفي

 

يعتبر بعض البعثيين المتمسكين بمبادئهم، والذين ينخرط قسم منهم في تنظيمات تابعة لاسمه، وإن كانت مختلفة، أن مشكل البعث، أو إشكاله الرئيس، في نظام حافظ الأسد الذي دمّره عن سابق إصرار وترصّد، وهناك من يُرجع ما جرى إلى “مؤامرة كونية”، قادتها دول كبيرة “على رأسها الولايات المتحدة والصهيونية العالمية”، بالنظر إلى ما شكّله البعث من مخاطر عليهما، ومن محاولات لتوحيد الأمة، وحمله لمشروع نهضوي، حداثي، وهناك من يعترف ببعض الإشكالات البنيوية من منطلق الحاجة إلى المراجعة والتطوير، وهناك، أيضًا، من يقر بالدور السلبي للمؤسسة العسكرية التي استخدمته واجهة، أو تركت بصماتها الخاصة فيه، فأبعدته عن المبادئ والأهداف، وحتى الوسائل التي كان يؤمن بها لتحقيق المراد، وهناك قسم يعيد بعض المشاكل إلى غزو الانتهازية، والطائفية، وإلى إشكالات الحكم.

الحقيقة أن أزمة البعث، شأن جميع الأحزاب التي انتمت -بهذه المسافة أو تلك- إلى حركات التحرر الوطني والقومي، أزمة بنيوية وتطبيقية مختلطة، وقد برزت جلية عبر الحكم، بغض النظر، هنا، عن طريقة الوصول، وعن المضامين التي انتهجت باغتيال الديمقراطية، واجتثاث الآخر، والتفرّد، والأحادية والشمولية.

التطبيق والممارسة قبل وبعد انقلاب الأسد:

في سورية، ومن خلال قرار حل الحزب، بناء على شروط عبد الناصر لإقامة الوحدة، عانى الحزب التمزق، والتشتت والتيه، وخسر عددًا كبيرًا من قياداته وإطاراته وأعضائه في المدن، وهو الذي كان يعاني أصلًا من ضعف وجوده في المدن، خاصة دمشق وحلب، وغلبة أبناء الريف فيه، ومنهم عدد كبير من “أبناء الأقليات الإسلامية” الذين وجدوا فيه تعبيرًا عن أوضاعهم وطموحاتهم، ومجالًا لتحقيق الاندماج في مجتمع متنوع الديانات والمذاهب.

يجب الاعتراف أن البعث قبل الوحدة كان يُعاني أزمات داخلية، وخلافات واضحة بين الأساتذة الثلاث: عفلق والبيطار والحوارني، وبخاصة مع الحوراني، بعد عملية الاندماج التي حصلت بين البعث العربي والاشتراكي العربي، حين كان “البعث العربي” أقرب إلى النخبوية وبعيدًا عن القاعدة الشعبية، وعن الشعبوية، وحتى التعامل مع العسكر والانقلابات التي عرفتها سورية بالتتابع، وكان أقرب إلى حالة ثقافية دعوية وديمقراطية اختلاطية، وردت في دستور التأسيس، وتحديد مفهوم الانقلاب، والقبول باللانتخابات والبرلمان، بينما كان الحوراني يعتمد على قاعدة شعبية عريضة، فيها نسبة كبيرة من أبناء الأقليات على العموم، ومن الطائفة العلوية بوجه الخصوص، لانتشاره في محافظة حماة وريفها الذي تتواجد فيه أعداد كبيرة من الأقليات غير السنية، وكان على علاقة وثيقة بمجموعة واسعة من الضباط، وبخاصة الحموية الذين كان لعديد منهم دور بارز في قيام الانقلابات العسكرية والقضاء على بعضها، عدا عن مسائل خلافية متعددة برزت في الممارسة، وأثناء قيام الوحدة مع مصر، التي أرست لانفكاك تلك العلاقة نهائيًا مع حدوث الانفصال وتأييده من قبل الحوراني، ومشاركته فيه، بينما رفضه عفلق، والحزب القومي، وتردد البيطار ثم عاد للحزب.

ضعف وتشتت تنظيم البعث في سورية، ووجوده قويًا في العراق، أدّى باللجنة العسكرية إلى قبول تغطية ما تخطط له من قبل القيادة القومية، خاصة أن تنظيم العراق هو الذي كلف برعاية التنظيم في سورية، الذي كان هزيلًا ومشتتًا وبأعداد لا تتجاوز 500 عضو، عند قيام حركة 8 آذار/ مارس 1963، والأهم من ذلك عدم وجود برنامج للعمل ما بعد الحكم، وبروز فراغات كبيرة في أمّات القضايا التي وضعها أهدافًا رئيسة، كالوحدة، والعروبة، والأمة ومفهومها، ومضمونها؛ فأصبح الاعتماد على المؤسسة العسكرية رئيسًا، لمواجهة الأطراف الأخرى التي شاركت في الانقلاب في ما يشبه الجبهة المؤقتة، خاصة بين البعثيين العسكر والناصريين، واللجوء إلى عدد من المستقلين لتقديمهم في الواجهة نظرًا إلى الحاجة إلى رتبهم، ودورهم في الأيام الأولى للانقلاب.

سيتعزز دور المؤسسة العسكرية مع مواجهة الناصرين الذين قاموا بمحاولة انقلابية صبيحة 18 وفشلت، بل سحقت، واشتعال الخلاف مع عبد الناصر، ثم سقوط الحكم في العراق في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1963 على يد العسكر الذين اقتحموا المؤتمر القطري، وقاموا بالسيطرة عليه وطرد القيادة القطرية المنتخبة، وتسفير بعض رموزها القوية إلى الخارج، واللجوء إلى عبد السلام عارف -غير البعثي- ليكون الرئيس، وقد نجح بعد زمن قصير في طرد وإبعاد واحتواء البعثيين، والتفرّد بالحكم.

الفجوات الكبيرة التي ظهرت مع الحكم في النظرية والتطبيق، ووهج الاتحاد السوفيتي، وشدة تأثيره على مجموع حركات التحرر الوطني وعلى النظم المحسوبة عليها ضمن انقسام العالم إلى معسكرين (رغم محاولات إقامة ما يعرف بعدم الانحياز لبناء طريق ثالث) أدّى ذلك إلى نمو ما يعرف بالتوجه اليساري الذي نجح في المؤتمر القومي السادس 1964 في صياغة ما يُعرف بـ “بعض المنطلقات النظرية”، كتمهيد لإنشاء نظرية ثورية للبعث، والتي اعتبرت، لدى البعض، خروجًا على المبادئ، وتمايزات البعث العروبية، واقترابًا وتقرّبًا من الماركسية والسوفييت بشكل استنساخي، وباتفاق بين القيادة القومية واللجنة العسكرية، تمّت تصفية ذلك الاتجاه الذي اتهم بالطفولة اليسارية، في حين ظلّت بعض المنطلقات موجودة، وإن سعت المقدمة التي كتبها الأمين العام ميشيل عفلق لنسفها، وقد اعتبرها اليساريون اللاحقون إنجازًا مهمًا، وتحولًا نوعيًا باتجاه الفكر الثوري، والنظرية الماركسية، وهي الوثيقة الوحيدة التي لم ينجز غيرها، رغم تشكيل لجان لصياغة ما يعرف بالتقرير العقائدي ووجود بعض المحاولات التي كان البعض يعدّها تراجعًا كبيرًا عنها، وأقرب إلى الفكر اليميني والغيبي.

لقد اندمجت خصائص البنية العسكرية بالسائد في المنظومة الاشتراكية، لإنتاج تركيبة أحادية تتصف بالحكم الشمولي، وبتعظيم دور الحزب، ونفي الآخر السياسي، واستبدال الحريات الفردية والعامة، بما يعرف بالديمقراطية الشعبية التي هي نوع من تعليب المجتمع في منظمات، يقودها الحزب الحاكم ويسيطر عليها، ويحدّ من استقلاليتها ومهنيتها، وكرهان على قولبة المجتمع وفق مشيئة الحزب، واستخدام القرارات الفوقية بديلًا للتشاركية الشعبية. وهي التركيبة التي كانت تنوخ بالتناقضات والتعقيدات الناجمة عن الحكم والمسافات بين النظرية والتطبيق، وبين المبادئ ومقتضيات السلطة.

حين وقعت الهزيمة الحزيرانية بتلك الطريقة؛ تهاوت معها الأفكار والشعارات عن الحزب القائد، والجيش العقائدي، وتحرير فلسطين، والأحادية في الحكم.. ورغم أن كل المعطيات كانت تؤكد وجوب المراجعة الجذرية باتجاه اعتبار المرحلة بعد احتلال “إسرائيل” لكامل فلسطين وللجولان السوري، مرحلة تحرر وطني وقومي، تقتضي توسيع قاعدة المشاركة الشعبية والسياسية، وإقامة جبهة مع القوى السياسية، فإن العقل السائد، الأقلوي بتركيبته، رفض ذلك في ما يعرف بالهروب للأمام، وبطرح مزيد من الشعارات النارية الثورية، كـ “الكفاح المسلح” و”حرب التحرير الشعبية” والعمل الفدائي الذي لا شكّ أنه دعمه بقوة، وشارك فيه عبر إجبار البعثيين على اتباع ما يعرف بـ “دورات الممارسة الفدائية”.

هذه الشعارات بدت بعيدة عن الواقع، ولا يمكن تحقيقها، خاصة مع بروز التكتل العسكري، الطائفي بقيادة وزير الدفاع، ونجاحه في استنزاف تلك الشعارات، وفي تشكيل مركز قوة رئيس كان يقود الحكم عمليًا، وصولًا إلى الانقلاب الشامل في ما يُعرف بـ “الحركة التصحيحية”.

إشكاليات البعث النظرية:

كانت ولادة البعث وسط موج نهضوي عربي عام، وصعود الاتجاهات القومية في العالم. كانت فكرة الإحياء العربي، ردًا على قرون الانحطاط والاحتلال والتجزئة والتخلف، تجد مؤيدين لها في مشرق الوطن العربي ومغربه، وكانت بلاد الشام موطنًا وركيزة رئيسة، والشيء الطبيعي أن تتصف الدعوات القومية بالاندفاع والحماس وردّة الفعل؛ لأنها انطلقت من موقع الدفاع ضد واقع مفروض، ومن صناعة قوى خارجية بالأساس، وهذا الوضع أو الظرف وسم جلّ الدعوات القومية، وحتى المشاريع النهضوية التي تبلورت بحدود ما، بصفتين سلبيتين:

1 – الانطلاق من ردّة الفعل على واقع مصنّع، أو مركّب، وليس عبر إنشاء أو صياغة مشروع خاص من وضع طبيعي، والفرق كبير بين أفكار واتجاهات تؤثر فيها ردات الفعل، وبين خلافها، حيث إن السلبية هي السمة العامة، والغالبة، والسلبية عامة هنا، إن كان في الانفعال والتشدد، أو تجاوز الواقع، أو في تضخيم العامل الخارجي، أو في النظرة إلى الآخر المخالف، وإن كان وطنيًا لكن يحمل أفكارًا مغايرة.

2 – هذا الأمر قاد إلى تغليب الإرادوية، والرغبوية على الوقائع، ومحاولة قسر الأمور لتوليف شيء يتناسب وإيمان أولئك الرواد، ثم الحركات السياسية التي كان البعث أبرزها.

وعلى هذا الأساس، لم تعترف تلك النخب المؤسسة بالتمايزات القطرية، ولا بوجود مكونات قومية ومذهبية متعددة غير عربية، ولا تشعر أنها من أصول عربية، ويمكن سحب الأمر على المفهوم النظري – الفكري للأمة، والوطن الواحد، والوحدة.

ونجد في صلب هذه الأفكار تغليب الدور الخارجي، وإرجاع التجزئة إليه، وإلى مؤامرة قام بها فجزّأ وشتت بلدان الوطن العربي، في حين أن عوامل داخلية كثيرة كانت فاعلة في صناعة وترسيم التجزئة، ومن ضمنها المسارات التاريخية، وما عرفته من تكوينات أقرب إلى الدول المستقلة، والكيانات المتمايزة في عدد من الأقطار العربية.

من موقع ردّة الفعل، وبالانتقال من فكرة الإحياء إلى البعث، وللمناسبة هما فكرتان من أصول متقاربة، وفيهما كثير من الغيبية والإرادوية والقسر؛ نلاحظ موقع الماضوية واختلاطاتها بشيء من حداثوية غير واضحة المعالم والحدود، فلا هي علمانية تمامًا، مثلًا، ولا هي دينية، أو قومية صرفة، ولربط الماضي بالحاضر، واستحضار دور العرب وتاريخهم، والنفخ به، والرسالة الإسلامية وما قامت به، حدثت تلك التوليفة الاختلاطية غير المتجانسة، بل المتناقضة بين مفردات ووقائع ليست منسجمة. هنا تضخيم لدور تاريخي، بل ما فوق تاريخي للعرب قبل الإسلام وبعده، وهنا أيضًا النصّ على رسالة خالدة لأولئك العرب، لا تعرف الغياب ولا الضمور ولا الموت عبر مسارات التاريخ والأمم.

بالتدقيق بماهية الرسالة الخالدة، والمقصود منها؛ يحدث الاختلاط بين العروبة والإسلام، وعلى سبيل التحديد: هل تلك الرسالة عربية صرفة لا علاقة لها بالأديان عمومًا، وبالدين الإسلامي خصوصًا، وبالتالي هي مستمرة، متجددة، حيّة في الزمان والمكان، وهي التي أوجدت الأديان واستخدمتها، خاصة الدين الإسلامي؟ أم أنها خليط عربي إسلامي يركز على الدور القيادي للعرب في إنشاء تلك الحضارة المترامية؟ وأين هي حدود الدين الإسلامي مثلًا، وتمايزاته عن العرب، بل علاقاته بغير العرب، خاصة تلك الدول والإمبراطوريات والدول التي قامت باسم الإسلام، وحكمت المنطقة قرونًا، مثل الإمبراطورية العثمانية؟

النظرة شبه العلمانية إلى الحياة والدين تتعارض والموقف ذاك من الإسلام وموقعه ودوره، ولإيجاد نوع من التوافق، أو الترقيع، حصلت تلك التوليفة التي كانت تغلّب دور العرب بشكل عام، وتتناقض عند الحديث عن الإسلام: بنية ودورًا، والعلاقة بينه وبين الحداثة والعلمانية. ولئن حاول مؤسس البعث الرئيس الأستاذ ميشيل عفلق، ولوج تلك الإشكالية بعدد من المقالات لتمجيد الإسلام ودوره، وتبيان علاقته الحميمة الملتصقة بالعروبة؛ فإن تلك الكتابات هي توفيقية أولًا، ولم تكن مقبولة من عدد مهم من النخب البعثية التي كانت أقرب إلى العلمانية وتحييد، أو إبعاد، الدين عن السياسة.

كانت قضية الأمة العربية الواحدة ووحدتها أهم مبررات قيام البعث وانتشاره، قبل تنامي الأفكار والاتجاهات اليسارية والاشتراكية فيه، وتغلبها بعد الوصول إلى الحكم.

البعث الذي تأثر -بلا شك- بالنزعات والاتجاهات القومية في أوروبا، خاصة في ألمانيا وإيطاليا، وعبر الثورات البرجوازية التي قامت في عدد من دول أوروبا بتحقيق وحدتها القومية، أو وحدة السوق فيها، وتغليبها على الاتجاهات الأخرى، أو احتواء تلك الاتجاهات فيها… انطلق مما اعتبره بديهات وحقائق لا تقبل التشكيك، عن وجود أمة عربية واحدة، وعن الأصول لها، ومحاولة إسباغ العروبة على إثنيات أخرى تعتبر أنها سابقة، أو موازية، أو مخالفة للعرب كالبربر، أو الأمازيغ في بلدان المغرب العربي، والأفارقة في عدد من دول الشمال الأفريقي العربي، والأقباط في مصر، وعديد المكونات التاريخية والوافدة في المشرق، كالسريان الآثوريين، والأكراد، والتركمان وغيرهم. يمكن القول إن عملية من المسخ، أو القسر حصلت، مترافقة مع عدم الاعتراف الفعلي بوجودها، وبالتالي بحقوقها القومية.

يمكن، عبر هذا التموضع الفكري، تناول مفهوم الوحدة التي تأسست نظريًا على العقيدة نفسها بأن العرب -جميعهم- أمة واحدة، ومن أرومة واحدة، وإن اختلفت الأمكنة، وتاريخ الهجرات، فلم تؤخذ بالاعتبار التباينات والتفاوتات بين شعوب الأمة، وهي سابقة، للمناسبة، على الاحتلالات الأجنبية، والتجزئة، وعلى قيام الدولة القطرية التي أسهمت في تعزيز تلك التفاوتات وموضعتها وترسيمها.

رغم التطورات المخالفة لتلك البنية المعرفية، وتكشّف فجوات كبيرة فيها، فإن البعث لم يستطع عبر مؤسساته الرسمية، ولا من خلال مفكريه، أخذها بالاعتبار، وكان الخوف من الزحزحة والتّهم المعلبة سمة عامة، ناهيك عن وجود المتشددين، والعنصريين العرب الذين كانوا يرفضون أي اعتراف -مثلًا- بوجود شعوب عربية وليس شعبًا واحدًا، وبالأصول القومية غير العربية لعدد كبير من المواطنين القاطنين في الوطن العربي، بشكل تاريخي أو وافد.

هنا يجب التطرق إلى ذلك الخلط الملتبس، والجاهل أحيانًا، الذي حصل بين مفهوم الأمة والحركة القومية، واعتبار الأخيرة نتاجًا طبيعيًا، متلازمًا لا حالة سياسية متحولة، وخاضعة للمتغيرات، وطالما أن الحركة القومية تعاملت مع الحكم، ووصلت إليه، فقد حاولت امتطاء الأمة بذلك المفهوم، وإعدام الحياة الديمقراطية الفردية والعامة، وبالتالي الحقوق الطبيعية للجميع: العرب وغير العرب، وممارسة سياسة اتصفت في كثير المراحل بالعنصرية والتشدد تحت رايات الحزب الواحد القائد، وحرق المراحل، والعنف الثوري.. في حين أن الإخفاق في حل الإشكالات الداخلية، والخارجية: مواجهة الاغتصاب الصهيوني لفلسطين، ومواجهة بنى التخلف، ومن ضمنها الطائفية السياسية وتوظيفها.. والعجز عن تحقيق أية خطوات وحدوية، بعد فشل الوحدة السورية المصرية، كان له الأثر الأكبر في الضعضعة البنيوية، ثم في استغلال الأسد لهذه المركبات، في انقلابه وديمومة حكمه.

الطائفية – الأسد والحصاد:

خلاف كبير كان -وما يزال- بين البعثيين الذين عارضوا انقلاب الأسد، و”البعث القومي” أيضًا، حول الطائفية وموضعاتها في الجيش والحكم والحزب، وهل جاءت في سياق طبيعي لا علاقة له بأي تخطيط مسبق، أو هي توظيف ممنهج من قبل قياديين بعثيين كانوا في أعلى المواقع العسكرية والحزبية؟ أم هي نتاج فعل منظم لم يكن عفويًا، أدّى إلى ما يشبه السيطرة على مفاصل الحكم والجيش، وظهر ذلك جليًا، ووقحًا مع انقلاب الأسد، وفي السنوات اللاحقة عبر عقود حكمه الأسود؟

في اللوحة الظاهرة -الطبيعية- عرف البعث انتشارًا واسعًا بين أبناء الريف، وكان عاديًا أن يكون العلويون ثقلًا فيه، خاصة بعد الوحدة مع مصر، وحلّ الحزب بموافقة قيادته، حين التحق عدد كبير من البعثيين، من المدن، بالتنظيم الناصري: الاتحاد القومي، ثم الاتحاد الاشتراكي، ثم في عدد من التنظيمات الناصرية؛ ما زاد نسبة أبناء الريف في البعث على الصعيد المدني، بينما انخرطت أعداد كبيرة من أبناء الطائفة في الجيش برتب مختلفة: ضباط وصف ضباط، وتموضع ذلك بعد هزيمة الجيوش العربية في فلسطين 1948، وقرار زيادة عدد الجيش، وفتح الأبواب واسعة لدخول الكليات الحربية من جميع الفئات السورية، مع ملاحظة أنه في تلك الفترة لم يكن متاحًا للجميع التعليم والحصول على الثانوية العامة إلا لأبناء الطبقة الوسطى والصغيرة، والميسورة نسبيًا، وأبناء الوجهاء، بما يلقي ظلالًا حول ثقافة وتأثر معظم هؤلاء في البيئة التي نشؤوا فيها.

بعد الثامن من آذار/ مارس، وبدء عمليات التسريح الواسعة لعدد من الضباط التي بدأت باعتبارهم انفصاليين، ثم الناصريين بعد محاولتهم الانقلابية، في 18 تموز/ يونيو 1963، وخروج، أو إخراج معظم الضباط المستقلين أصحاب الرتب الكبيرة، اتخذت قرارات بدعوة مئات ضباط الاحتياط، وتثبيتهم كضباط عاملين، ومعظمهم من البعثيين، وفيهم نسبة كبيرة من العلويين؛ الأمر الذي أحدث خللًا في التوازنات داخل الجيش، وإطلاق ما يعرف بـ “حكم، أو حكومة عدس”، بين فئات شعبية واسعة، والتي تعني: علويين ودروز وإسماعليين.

في حركة 23 شباط/ فبراير 1966، سرّحت وأبعدت وسجنت أعداد كبيرة من الضباط غير العلويين الذين حُسبوا على القيادة “التاريخية” أو على الرئيس أمين الحافظ، وكان من بينهم نسبة كبيرة من ضباط سلمية، ومن السنة، وتوالت عمليات التسريح مع محاولة سليم حاطوم الانقلابية 8 أيلول/ سبتمبر 1966، حين حاول احتجاز الأمين العام ـ رئيس الدولة، والأمين العام المساعد، اللواء صلاح جديد، وعدد من القيادة القطرية، تقاطعًا مع ترتيب تحرك الجبهة في عمل انقلابي لم ينجح، فسرّح عدد من الضباط الدروز، وكذا الأمر حين اتهام اللواء أحمد سويداني -رئيس الأركان السابق- بتسريح عدد من الضباط الأقرباء والمقرّبين، وهم من السنة، بينما لم يجر تسريح عدد ملحوظ من الضباط المحسوبين على اللواء محمد عمران، حين إبعاده، وهذه التسريحات أحدثت خللًا واضحًا في بنية الجيش وتوازناته، ودفعت كثيرًا من البعثيين (قسم منهم في مواقع قيادية) إلى تناول هذه الظاهرة المخالفة لأسس البعث ومبادئه وشعاراته، لكن لم تلجأ القيادة إلى مناقشة هذا الوضع المخل رسميًا.

عمليًا، هناك كثير ممن ساهم بتوظيف هذه الظاهرة لصالحه الشخصي، تقوية لمركزه وموقعه، وتثبيتًا لوضعه، وكان الأسد أكثر وأبرز من استغل هذا التموضع لتشكيل تكتله العسكري، ثم القيام بانقلابه في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970.

لقد أشار العقيد عبد الكريم الجندي في وصيته الشهيرة إلى استغلال “عديد الرفاق” لأوضاع مرضية مخالفة لأهداف الحزب لصالحهم الخاص، وكان واضحًا جدًا باتهام حافظ الأسد بالارتباط والعمالة، وبأنه مشبوه. والأحداث العلنية تنبئ أن الأسد، خاصة بعد هزيمة حزيران، راح يعمل بوسائل مختلفة لتجميع الضباط حوله، والاستقواء بهم في مواجهة قيادة الحزب، وبينهم عدد مهم من العلويين، وتموضعت بشكل علني تلك التواجدات العلوية الفاقعة، في المفاصل المهمة في الجيش والأجهزة الأمنية والمؤسسات الحيوية، وكانت أعداد المرشحين للكلية الحربية تعكس خللًا مريعًا في رجحان وجود العلويين، بما يفوق نسبتهم بأضعاف.

إن الفشل في مواجهة موروث التخلف، خاصة ذلك المتعلق باستخدام المذهبية، وغيرها من العلاقات ما دون الوطنية، أدّى إلى تقويتها، ومزاحمتها بقوة لجوهر الوحدة الوطنية والشعارات المرفوعة، وقد عمل الأسد -عبر النظام الذي أقامه- على استخدامها لإدامة حكمه، والذهاب بها مسافات هددت جوهر العلاقات الاجتماعية، والتوازنات والتناغمات التي كانت قائمة بين الأطياف السورية، بما وضع البعث -الضحية- في مرمى الاتهامات القاسية، وإلباسه مسؤولية حكمٍ لا دور كبيرًا له فيه.

كان السؤال الموضوعي يطرح نفسه بعيدًا عن كل الشعارات اليسارية والعلمانية، و”الكليشيهات” المرفوعة: إلى أي مدى تخلّصت تلك القيادات والنخب من موروثها الطائفي؟ وهل هي متجاوزة فعلًا للطائفية أم أنها في داخلها خليطة متشابكة، ومعقدة من أفكار واتجاهات متعددة ظاهرها متطور وحداثي، وباطنها مخالف لذلك بدرجات، وكانت تبرز تلك الحالة الأقرب للازدواجية، في الامتحانات والأزمات، حين ترجح لدى العديد ارتباطات طائفية وعشائرية تخالف تمامًا المعلن، وهو ما جعل البعث بموضع الاتهام الخطير، في هذا الجانب وسواه، خاصة أن الطاغية الأسد، وهو يشيد نظامًا فئويًا أقلويًا وفرديًا، عمل بتنهيج على بعث وتقوية النزوعات الطائفية وإشاعتها في عموم المجتمع السوري.

من هنا، يمكن الحديث عن مواصفات معينة للفكر الأقلوي الذي لا يجد سبيلًا لتحقيق مصالحه سوى الاستناد إلى العنف والقمع، لأن انتخابات شرعية لن توصله إلى أي موقع، بينما استخدام القوة، واللجوء إلى العلاقات ما قبل حداثية، يمكن أن تكون سبيله، تمامًا كما فعل الطاغية الأسد بالبعث والحكم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

إغلاق