ترجمات

في غوطة دمشق: الملاجئ مقابر الأحياء

بيروت- (أسوشيتد برس)

في الأسبوعين الماضيين، ودّعت الغوطة الشرقية عددًا كبيرًا من أبنائها: أكثر من 600 شخص. هذا هو العدد التقديري للمدنيين الذين قُتلوا في هجوم الجيش السوري، لاستعادة المنطقة المجاورة للعاصمة دمشق، الواقعة تحت سيطرة المعارضة منذ ما يقرب ست سنوات.

هناك صراخ عال، صرخات مكبوتة لا يسمعها العالم إلا بصعوبة بالغة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن العنف في سورية أصبح شائعًا جدًا، مع تجاهل قرارات وقف إطلاق النار.

نُشرت هذه الصورة في 21 شباط/ فبراير، 2018، في مركز دمشق الإعلامي التابع لمجموعة من الناشطين المناوئين للحكومة السورية، وتظهر فيها امرأة سورية تخبز في ملجأ، وتسعى لحماية عائلتها من الغارات الجوية والقصف الذي تنفذه قوات الحكومة السورية في الغوطة، وهي ضاحية من ضواحي مدينة دمشق، سورية. يختبئ آلاف السوريين في الأقبية والملاجئ تحت الأرض، في أنحاء الغوطة الشرقية، خارج مدينة دمشق، محتمين من الرعب الذي يمطرهم من طائرات الجيش السوري الذي لا يكاد يغادر السماء. (مركز دمشق الإعلامي عبر أسوشيتد برس) الصورة لـ: (أسوشيتد برس).

يحتشد الآلاف في الطوابق السفلية والملاجئ تحت الأرض، في منطقة الغوطة الشرقية مترامية الأطراف، مختبئين من رعب متواصل تمطره طائرات الجيش السوري التي لا تغادر السماء.

تحدثت وكالة (أسوشيتد برس) مع عدد من السكان الذين يعيشون تحت القصف. وقد وصف هؤلاء السكان الظروف غير الصحية في الطوابق السفلية والأقبية الرطبة، حيث يتكدس العشرات، أو حتى المئات أحيانًا، في مأوى واحد، يقضون فيها ساعات وأيامًا كثيرة في النهاية، في خوف دائم من أن تدمر الانفجارات في الخارج ملجأهم. وقد رفضوا مشاركة الصور، خشية أن تتعرض مواقعهم لضربات جوية تستهدف الملاجئ والأنفاق تحت الأرض.

تستعيد معلمة في الثلاثين، وأم لطفل يبلغ من العمر 22 شهرًا، المرة الأولى التي سمعت فيها ضربة جوية هزت الأرض فوق ملجئها قائلة: “لقد تجمدتُ.. كنت مصدومة إلى درجة أنني لم أعرف ما أفعل. هل أهرب؟ وإلى أين؟ هل أبقى مكاني؟ أين أذهب؟ كان أمرًا لا يُحتمل.

وأضافت: “هي ليست مسألة اختيار، فهذا هو المكان الأقرب الذي يعدّ آمنًا، لكنه ليس آمنًا. فالبرميل المتفجر يصيب الملجأ في بعض الأحيان، إما في المدخل أو في الداخل؛ ما يؤدي إلى إصابة أو قتل كثيرين”. ومثل بعض الآخرين الذين تحدثت معهم الوكالة، تحدثت المعلمة شريطة عدم ذكر اسمها، خوفًا من الانتقام في حال بقائها على قيد الحياة، بعد الهجوم.

وغالبًا ما أعربت، مع آخرين، عن الإحباط إزاء صمت العالم تجاه عملية القتل الجماعي التي ستؤدي حتمًا إلى النزوح القسري لمئات الآلاف من سكان الغوطة الشرقية، كما حدث في هجمات مماثلة في أماكن أخرى من سورية.

ظلت قوات المعارضة في الغوطة الشرقية على قيد الحياة لسنوات من الحصار، لكنهم يخضعون الآن لتكتيك عسكري مجرب ومختبر من الحصار، يضاعفه القصف الساحق.

نشرت هذه الصورة في 21 شباط/ فبراير 2018، في مركز دمشق الإعلامي التابع لمجموعة من الناشطين المناوئين لحكومة السورية.

ويبدو أن الحكومة السورية عازمة، بدعم من روسيا، على الاستيلاء على المنطقة، مضيفة ذلك إلى آخر سلسلة من الانتصارات التي عززت بقاء بشار الأسد في السلطة طوال سنوات الصراع السبع.

وقد فشلت الهدنات المقترحة وقرارات وقف إطلاق النار في إيقاف آلة الحرب. ورفض المعارضون السوريون المسلحون الاستسلام، وتعهدوا بالقتال حتى مقتل آخر رجل، دفاعًا عن بلداتهم. لقد صارت الغوطة الشرقية الخصبة، المعروفة ببساتينها وحقولها الخضراء التي تطعم العاصمة وسكانها، جحيمًا على الأرض.

تقول تقارير الأمم المتحدة إن 15 ألف شخص طردوا من منازلهم، في كانون الثاني/ يناير، وإن معظمهم يقبعون في الملاجئ والأنفاق حول الغوطة. ومثلت الأقبية ملاذات آمنة، في المدن والبلدات الأخرى التي تسيطر عليها المعارضة، وتواجه القصف العنيف من القوات الحكومية.

أما في الغوطة المحاصرة منذ عام 2013، والتي قصفتها القوات الحكومية حتى قبل ذلك، فقد بنى المحاصَرون شبكة واسعة من الأنفاق. وقد أنشئت مبان جديدة مزودة بأقبية، غالبًا ما تربط بشبكة الأنفاق.

يقول رجال الإنقاذ إن 18 شخصًا، بينهم نساء وأطفال، قُتلوا في قبو أحد الأبنية، بقصف جوي في بلدة (حزة)، وإن انتشال جثث القتلى من تحت الأنقاض استغرق منهم عشرة أيام.

تعيش المعلمة في (دُوما)، أكبر مدينة في المنطقة، حيث يقطن نحو 120 ألف نسمة، وتعد واحدة من أكثر الجبهات نشاطًا. وقد عبرت عن خوفها على نفسها وعلى أسرتها، من استعادة القوات الحكومية لمدينتها، لكنها تخشى أيضًا من المسلحين الذين يسيطرون على المنطقة، والذين لا يتقبلون سوى القليل من الانتقاد.

أخبرت المعلمة الوكالة، عبر سلسلة من رسائل نصية، سُجل معظمها في أثناء مكوثها مع ابنها في الملجأ: “لا وجود هنا لصوت المدنيين، للأسف. لا يمكننا التحدث عما نفكر به أو الدفاع عن المدنيين. قل لي كيف تركتمونا نصل إلى هذا الحد. كنا نتمكن من تغيير خططنا في وقت مضى، أما الآن، فلا ندري إلى أين نحن ذاهبون”.

ملجؤها الرطب والمزدحم مملوء بالدخان من المدخنين الغاضبين متوتري الأعصاب، وهناك تعيش 70 امرأة بشكل دائم.

طوال ساعات، تطارد المعلمة ابنها المفرط النشاط، جارّة إياه من الدرج الذي يتسلقه للخروج من الملجأ. وقد شاهدَت فتاة تسقط على هذا الدرج، بتأثير القصف خارج الملجأ. وفي ملجأ مجاور قُتلت طفلة بغارة جوية عندما خرجت للتنفس.

أفادت نعمة محسن، التي ترأس المكتب النسائي في (سقبا)، وهي بلدة أخرى في الغوطة الشرقية، أن بعض الملاجئ التي يعيش فيها نحو 350 شخصًا أو أكثر، ليس فيها كهرباء ولا ماء.

تقول نعمة: “في شارعنا، الذي يزيد طوله عن 500 متر، لا يوجد سوى ثلاثة أقبية، يجب أن تؤوي جميع العائلات هناك. ويتبرع السكان المحليون بالمولدات للحصول على بعض الضوء”. وتضيف: “نشعر بأن سجننا ينكمش. كنا في البداية محاصرين في سجن شاسع، اسمه الغوطة الشرقية، أما الآن فنحن محاصرون في ما يشبه المقابر”.

وأشارت نعمة إلى أنها كانت في حالة من الرعب، إزاء كيفية تحمل رفقائها في الملجأ للظروف. تقول، وهي تداري الدموع في عينيها: “إنهم أقوى من الجبال. إننا نعيش 24 ساعة من الرعب في اليوم. فما دامت الطائرات في السماء، يمكن لأي صاروخ أن يصيب أي أحد، في أي مكان”.

“ارتفعت الأسعار كثيرًا” قالت المعلمة، وأضافت أنها تطعم ابنها زيتونًا وأي قطعة متوفرة من الخبز. وفي بعض الأحيان يمكنها أن تُعد بعض المعكرونة. لكنها تختبئ عندما تأكلها؛ لأن كثيرين معها في الملجأ لا يتمكنون من شراء الطعام أو إيجاده.

أفاد بسام أبو بشير، الطبيب في مستشفى (سقبا)، أنه مع تحرك خط الجبهة بعيدًا عن بلدته الأصلية على الحدود الجنوبية للغوطة؛ صار لديه بعض الوقت للذهاب إلى تلك النواحي للبحث عن الحليب والدواء، لتوزيعها على المقيمين في الملجأ. إذ إن مصنع الحليب المحلي كان قد قصف. يقول الطبيب: “كان الذهاب إلى البقالية يستغرق 15 دقيقة. الآن عليك أن تبحث عن الطعام والخبز نحو ثلاث ساعات”.

وتقول بيان ريحان، وهي ناشطة من دوما تبلغ من العمر 31 عامًا: إن رُبّ البندورة أكثر الأطعمة شيوعًا. تركت بيان بيتها بعد سقوط قذيفة هناك، منذ أكثر من أسبوع. ونقلت أسرتها إلى أحد الملاجئ لتعيش بعيدًا عن مكان عملها، حيث كانت توثق الهجمات وتنظم المساعدات لأولئك الذين يعيشون تحت الأرض. “إنه حلم بالنسبة إلي أن أحظى بحمّام” تقول بيان، مع ضحكة خجلة من أنها لم تستحم منذ عشرين يومًا.

تستخدم المعلمة القبو كملجأ مؤقت لبعض الساعات، عندما يكون القصف عنيفًا بشكل استثنائي. وبما أن بيتها يقع في الطابق الأرضي، فهي تزحف متسلقة لتنام هناك متجنبة مع ابنها الهواء السيئ في الملجأ.

في الليلة التي سبقت الهدنة المقترحة من روسيا، نامَت المعلمة في بيتها، في الحمّام. ودعت آخرين للبقاء معها، متوقعة يومًا أهدأ. ولكن مع طلوع الفجر، قصفت المنطقة 10 غارات جوية، وأصيب منزلها بإحدى الشظايا. وهكذا قامت بحملة لتنظيف الملجأ، وأفسحت مجالًا لنفسها وانتقلت.

من دون ماء في الشبكة، ومن دون نظام للنظافة والتطهير “يمكن لذهابك إلى القبو أن يكلفك حياتك”. وهي ساخطة من صمت الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، في مواجهة ما تسميه “نزوحنا القسري”. تقول: “لماذا يجب أن نرغم على مغادرة بيوتنا؟ لماذا يعدّ جلب الحكومة أشخاصًا آخرين للعيش فيها مقبولًا”.

وتضيف: إن السكان لا يريدون الذهاب إلى إدلب، المحافظة التي تسيطر عليها المعارضة في الشمال، حيث تم إخلاء الناس إليها من مناطق أخرى محاصرة. وتدير المحافظةَ مجموعات مرتبطة بتنظيم (القاعدة). “نحن نرفض تلك المجموعات. لمَ علينا العيش معهم، ثم من بعد ذلك تبدأ الحكومة بقصفنا هناك مرة أخرى؟!”.

 

العنوان الأصلي للمادة In Syria’s Ghouta, shelters are tombs for the living
الكاتب سارة الديب  SARAH El Deeb
المصدر News Day- 4 آذار/ مارس 2018
الرابط https://www.newsday.com/news/world/in-syria-s-ghouta-shelters-are-tombs-for-the-living-1.17091128/
المترجم مروان زكريا

 

مقالات ذات صلة

إغلاق