قضايا المجتمع

ظاهرة سرقة العيادات وشبكة الكهرباء في الرقة.. الفاعل معروف

 

تشهد مدينة الرقة، منذ أسبوعين، سلسلة متواصلة من سرقات من نوع جديد، يُضاف إلى صور أخرى من السرقة شهدتها المدينة من قبل ولم تكد تنقطع، تركزت على سرقة محتويات البيوت التي فرَّ سكانها، قبل أو أثناء معركة السيطرة على المدينة، بين تنظيم (داعش) وميليشيات (قسد)، والتي انتهت بانسحاب (داعش). أما سلسلة السرقات الجديدة، فتركزت على سرقة عيادات الأطباء ومحوّلات وأسلاك شبكة الطاقة الكهربائية.

ذكر ناشطون محليون اللصوص بالاسم، والأطباء الذين سُرقت عياداتهم، ومواقع هذه العيادات، كما حددوا المواقع والحارات التي سُرقت محولاتها الكهربائية وأجزاء من شبكة تمديدات الطاقة الكهربائية فيها. ينتمي اللصوص “المعفشون” إلى استخبارات (قسد) وجهاز الأمن الداخلي فيها، إضافة إلى شخصين محليين متعاملين مع هذا الجهاز، وهما بالأصل متخصصان في تخزين وتصريف المسروقات؛ إذ إنهما أدارا عمليات مماثلة، في وقت سابق، بالتعاون مع عناصر في تنظيم (داعش)، في أثناء سيطرة التنظيم على المدينة بين عامي 2013 و2017. وأشار الناشطون إلى أن المعدات والتجهيزات الطبية تُخزن في مستودع تابع لميليشيات (قسد) في منطقة السكن الشبابي، شرق مدينة الرقة، فيما يتم تخزين المحولات الكهربائية والأسلاك والكابلات في حي (الفلوجة)، وهو حي مستحدث عمرانًا واسمًا يقع إلى الشمال من المدينة.

عمليات التعفيش هذه تتم بصورة ممنهجة، وبرعاية من قوى الأمر الواقع: ميليشيات (قسد)، والأرجح أنها تصب في نطاق عملية أوسع تستهدف دعم اقتصاد حرب ميليشيا (وحدات حماية الشعب) الكردية؛ إذ يلاحظ سكان المنطقة أن حصائل المواد والمعدات والأجهزة المعفشة من مدينة الرقة وريفها تذهب إلى مناطق أخرى، تحت سيطرة ميليشيا وحدات الحماية، وبوجه خاص إلى رأس العين ومنبج، حيث فتحت هذه الوحدات أسواقًا لتصريف المسروقات، يديرها بعض عناصرها والمتعاملين معها. كما أن عمليات التعفيش تجري في حارات خطرة تقع في منتصف المدينة، حيث لم يجر بعد نزع الألغام منها، كما تمنع ميليشيات الوحدات السكانَ من الدخول إليها.

وبينما ما تزال وتيرة عودة سكان المدينة، ولا سيّما الأحياء الطرفية في شرق المدينة وغربها وشمالها، إليها بطيئة، فإن ما شُكِّل من مجالس ومكاتب لإدارة المدينة وإعمارها يبدو عاجزًا وأشبه بهياكل دعائية فارغة، أمام حجم الدمار الذي لحق بالمدينة وحجم العمل المطلوب لإعادتها إلى الحياة في المستقبل المنظور. إلا أن هذه المجالس وأعضاء مكاتبها لا يكاد أحدهم يغيب عن المشاركة في المسيرات المنددة بالحكومة التركية أو النظام السوري، في الفترة الأخيرة بوجه خاص، وتلك المؤيدة لسياسة (حزب العمال الكردستاني) التركي وذراعه في سورية (حزب الاتحاد الديمقراطي) الكردي.

وتحت خرائب الرقة، ما تزال تتكشف جوانب من مأساة سكان هذه المدينة، حيث لا يمضي يوم واحد من دون اكتشاف المزيد من جثث السكان المدنيين تحت ركام بيوتهم. كما لا تزال الألغام المزروعة في جنباتها تأخذ حصتها من أرواح الأهالي التواقين للعودة إلى منازلهم. إحدى السيدات الرقيات عادت قبل يومين إلى المدينة، لتستطلع حال منزل أسرتها، فوجدته ركامًا وقد “دخل فيه صاروخان محملان بالفوسفور الأبيض. عرفنا أن البيت ضُرب بالفوسفور الأبيض من شكل احتراق ما تبقى من جدرانه؛ فالناس هنا أصبحت تميز بين أنواع الأسلحة المُستخدمة: صواريخ فراغية، صواريخ أو قذائف فوسفورية، وقذائف هاون وغيرها”. وكان التحالف الدولي قد اعترف في 12 حزيران/ يونيو 2017 باستخدامه الفوسفور الأبيض في حربه ضد تنظيم (داعش)، لكنه زعم في بيان له أنه استخدم “طلقات الفوسفور الأبيض للتعيين والإخفاء والتعليم بطريقة تراعي بشكل كامل الآثار الجانبية على المدنيين والمباني المدنية”، إلّا أن شهادة هذه السيدة تُشير إلى أن استخدام هذا السلاح المحرم دوليًا جرى على نطاق واسع، وأنه استهدف مناطق مأهولة بالسكان في قلب مدينة الرقة.

سياسيًا، أصدر مايسمى “المجلس التنفيذي في إقليم الجزيرة”، في 2 آذار/ مارس 2018، بيانًا يتضمن “دعوة للنازحين والمهاجرين للعودة إلى ديارهم”، قال فيه إن: “الإرهاب المنتشر المتوحش الممنهج للقوى الإرهابية دفع بقسم عزيز وغال من أبناء شعبنا، ممن وجد في ظروفه آنذاك ضرورة النزوح إلى أجزاء أخرى من كردستان ودول مجاورة، ليكونوا هناك أيضًا بين أهلهم وإخوتهم الكرد… وإن المقاومة المستمرة التي تدخل سنتها السابعة في (روج آفا) والتي خاضها أبناؤكم، ولا يزالون مستمرين فيها، قد أسفرت وتسفر عن نتائج عظيمة وحققت انتصارات كبيرة، وتمكنت من خلق ساحات تمكننا من تقاسم الحياة معًا، في قرانا وبيوتنا ومدننا”. وختم المجلس بيانه بالقول: “إننا في المجلس التنفيذي لإقليم الجزيرة، في الوقت الذي نوجه لأبناء شعبنا هذا النداء ونعلن رغبتنا في عودتهم، نعلن أيضًا استعدادنا لتسهيل إجراءات العودة وتأمين مستلزماتها، وتقديم الدعم اللازم لضمان وصولهم بسلام”. وكان رياض درار، أحد الرؤساء الرمزيين الذين عينهم (حزب الاتحاد الديمقراطي) كواجهة عربية، قد نشر هذه “الدعوة” على صفحته في (فيسبوك)، قبل أن يتنبه -بفعل تعليقات على البيان- إلى أنه موجه إلى الأكراد عمومًا، حتى الأكراد غير السوريين، ليسارع إلى حذفه من منشوراته.

والأرجح أن دعوة الأكراد إلى سورية تأتي في مسعى لجذب أكبر عدد ممكن من الشباب والرجال القادرين على حمل السلاح، مع اتساع رقعة الأراضي التي تُسيطر عليها “وحدات حماية الشعب” الكردية والنقص البشري الناتج عن هذا التمدد، وبخاصة بعد فتح تركيا و”الجيش الحر” جبهة واسعة، في منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق