قضايا المجتمع

جريمة “أبو مروان”

 

أثار تسجيل فيديو، بثه شخصٌ يُدعى (أبو مروان)، ردات فعلٍ عنيفةٍ. ففي هذا التسجيل، يصرِّح أبو مروان أنه قد قام للتو بطعن زوجته عدة طعنات، وتركها من دون أن يعرف إن كانت قد ماتت أم لا. وقد كانت الدماء تنزف من يده، إضافة إلى وجود آثار دماء على وجهه. وقد حاول أبو مروان تبرير جريمته التي اقترفها، بحضور أطفاله الصغار، بحججٍ واهيةٍ لا يقبلها أي عقلٍ أو خلقٍ قويمٍ. وعلى الرغم من عدم معرفتنا بكثير من التفاصيل المهمة، فإنه بناءً على ما قاله أبو مروان، وعلى ردات الفعل الأولية على هذا القول/ الفعل، يمكن القول: إن هذا الفعل ينبغي أن يلقى بالتأكيد أكبر وأقوى إدانة ممكنة، مع ضرورة توجيه الاهتمام الأكبر إلى الزوجة الضحية، وإلى أطفالها الذين كانوا في “مسرح الجريمة”. ومن الضروري التشديد على أن التنديد الأولي أو المباشر، بالمجرم وبجريمته، ينبغي أن يتناول هذا الشخص وفعلته، قبل أو أكثر من تركيزه على كون المجرم رجلًا أو سوريًّا أو لاجئًا أو مسلمًا، أو حلبيًّا… إلخ؛ لأنَّ كل تجاهلٍ لشخص المجرم وفعلته، من أجل التركيز على ثقافة المجرم أو مجتمعه أو تربيته أو بلده أو دينه أو طائفته… إلخ، هو -بدرجةٍ أو بأخرى- تبريرٌ، مباشرٌ أو غير مباشرٍ، لفعله الإجرامي، بغض النظر عن قصد من يقوم بذلك. فتحميل المجرم مسؤولية جريمته بالكامل هو خطوةٌ أولى ضروريةٌ، وأساسٌ لا غنى عنه، قبل بحث أسباب هذه الظاهرة وعواملها الأخرى عمومًا.

بعد هذا التنديد الأولي والمباشر، وعلى أساسه؛ يمكن الحديث عن كون المجرم ضحية أوضاعٍ ثقافية/ مجتمعية، تربط شرف الرجل بطاعة المرأة له وتجعل من خروجها عن طاعته مسًّا بكرامته أو شرفه، وعارًا يلحق به ولا يستطيع معه أن يعيش إلا مطأطئ الرأس. في مثل هذه الثقافة/ المجتمع تسود قيم “العيب”، ويضطر المرء غالبًا إلى الخضوع لها، بغض النظر عن قناعته أو عدم قناعته بها. وعلى الرغم من اجتماعية أو مجتمعية “ثقافة العيب”، فإنها قد تتغلغل في نفوس الأفراد، وتصبح مبادئ موجهةً، ليس إلى مشاعرهم وتفكيرهم وقيمهم فحسب، بل إلى سلوكهم وتفاعلهم مع المحيط أيضًا. وهذا ما يوضِّح سبب التزام كثيرين بقيم “ثقافة العيب”، على الرغم من وجودهم شبه الكامل خارج الوسط الاجتماعي والثقافي المتبني لها.

لا ينبغي للبعد الثقافي/ الاجتماعي للجريمة أن يجعلنا نستسهل رد الجريمة إلى الثقافة السورية و/أو الإسلامية و/أو العربية إلخ، بـ “أل التعريف” وتفسيرها بها. فلا شك أن ثمة بُعدًا ثقافيًا ما في الجريمة، لكن ذلك لا يسمح لنا بتعميم الحكم على الثقافات المذكورة أو غيرها بالكامل، وتجاهل وجود أبعاد مضادة لذلك البعد في تلك الثقافات وفي غيرها بدرجاتٍ متفاوتةٍ. ويتأكد البعد الثقافي للجريمة من محاولة “أبو مروان” تبرير فعلته واعتباره درسًا لأخريات.. إلخ. فمحاولة التبرير تلك تبين اعتقاد المجرم بأن ثمة من قد يتفهم فعلته. وإن بروز بعض الأصوات المتفهمة لتلك الجريمة أو المبررة لها، تبين أن (أبو مروان) كان “على حق” في اعتقاده، وبأن ثمة بعدًا ثقافيًّا مجتمعيًّا يمكن أن يتقبل أو يتفهم هذه الجريمة أو يقلل من مدى سوئها. في المقابل، إن التنديد الواسع نسبيًّا بهذه الجريمة بين السوريين يظهر أن “ثقافتنا” تتضمن بعدًا آخر، قد لا يقل قوةً وانتشارًا عن البعد المتفهم للجريمة، بل يمكن المجازفة بالقول إن ثمة مؤشرات كثيرة على أنه أقوى على الأرجح.

إن التشديد على تعددية أبعاد “ثقافتنا” (وأي ثقافة أخرى) لا يهدف -أو لا ينبغي أن يهدف- إلى مماهاة الذات بأحد الأبعاد (الإيجابية)، ومماهاة آخرين بأبعاد أخرى (سلبية). وإنما يهدف إلى التخفيف من لوم الذات (المجتمعية/ الثقافية) ورفض شكل الجلد الذاتي أو العنصرية الذاتية الذي قد يتخذه هذا اللوم. في المقابل، لا ينبغي أن تتم موازاة الحديث عن تعدد أبعاد ثقافتنا مع الحديث عن تعددية مناطقية أو دينية أو طائفية أو اقتصادية، بحيث تتم المطابقة بين الطرفين، ويتم التنفيس عن العنصرية الذاتية، أو التعبير عنها، في صيغة مناطقية أو دينية أو طائفية أو اقتصادية… إلخ. فكثيرًا ما نتبرأ من البعد الثقافي المدان، برده إلى خصوصية دينية أو ثقافية أو طائفية أو اقتصادية لا تخصنا، بما يسمح لنا بالقول إننا بريئون منها، ونحن قادرون بسهولة على إدانتها وإدانة الثقافة والدين والمجتمع أو الجماعة.. إلخ المرتبطين بها.

وينبغي، لتجنب الثقافوية (النظرة التي ترى في “الثقافة” المنبع الأساسي للشرور)، أن يترافق، في هذا السياق، مع تجنب “النسوية السطحية” التي ترى في الرجل، بوصفه ماهيةً أو طبيعةً أو جنسًا، عدوًّا طبيعيًّا لها. وهذا التجنب الأخير هو الوجه الآخر لضرورة تبني النسوية، بوصفها رؤيةً وممارسةً ترفض التمييز السلبي الذي تتعرض له الأنثى لمجرد كونها أنثى. فينبغي لنا أن نكون جميعًا، ذكورًا وإناثًا، نسويين، أو أن نتخذ موقفًا نسويًّا واضحًا ضد كل تمييزٍ بين الجنسين، وضد كل هيمنةٍ أو أفضليةٍ مزعومةٍ لجنسِ على آخر. ولا حاجة إلى التشديد على أن متبني الموقف النسوي والموقف المضاد لها ينتمون إلى كلا الجنسين.

قام البعض بتسمية الجريمة بـ “جريمة شرف”، على الرغم من انعدام صلة الشرف بها، بأي معنى من المعاني المعقولة. وفي كل الأحوال، هذه الجريمة لا علاقة لها بجريمة الشرف، لا بالمعنى القانوني، ولا حتى بالمعنى الاجتماعي الشائع عمومًا. وعلى الرغم من انعدام صلة هذه الجريمة بالشرف، بأي من معانيه المعقولة الممكنة، فإن المناقشات التي تضمنتها الردود على الجريمة يمكن أن توفر فرصة لإبراز “لا شرف جريمة الشرف”، وبأنها -أو يجب أن تكون- جريمة مثل أي جريمة قتل أخرى، بالمعنى القانوني والأخلاقي للكلمة.

يمكن محاولة فهم جريمة (أبو مروان) أو تحليلها من زاوية قيمة “الكرامة” أو بالأحرى انعدامها. إن من يفكر بالشرف لتسويغ هذه الجريمة وتفهمها، فضلًا عن ممارساتها، هو شخص لم يرتق إلى مستوى الإعلاء من شأن الكرامة الإنسانية، وجعلها المعيار الأول في التعامل مع الآخر. وانعدام الكرامة، بوصفها معيارًا آخر في التعبير عن أنفسنا والتعامل مع الآخرين، هو مسألة ثقافية مجتمعية، لكنها ذات أساس سياسي تسلطي قوي. فمن السهل المقارنة بين (أبو مروان) وبشار الأسد “أبو حافظ”، من حيث إن كلا الطرفين رفض قبول تمرد من كانوا خاضعين لسلطته أو خروجهم عن أو على سلطته، وكلاهما يعتقد أن من حقه الاحتفاظ بخضوع الآخرين له، واستخدام كل القوة المفرطة الممكنة في سبيل ذلك.

ما العمل لتجنب تكرار هذه الظاهرة/ الجريمة؟ لا يبدو أن مثل هذه الجرائم ستنتهي قريبًا، خصوصًا إذا قمنا بوضعها ضمن إطار العنف السائد المرتكب ضد الزوجات أو الفتيات والنساء عمومًا، في مختلف المجتمعات والثقافات، بدرجاتٍ متفاوتةٍ. لكن في إطار الفهم الخاص لهذه الحالة، وبعدها الثقافي المحدد، يمكن التفكير في بعض الأمور التي يمكن وينبغي القيام بها. وفي مجتمعنا السوري (في سورية)، يصعب الحديث عن أي حلولٍ جذرية، في الوضع الحالي، لأن هذه الحلول تقتضي وجود دولة قانونٍ تقوم بعملها في التربية، وفي سن القوانين وتطبيقها، بما يصون كرامة كل المواطنين بدون تمييزٍ. ويصعب، لا بل يستحيل تصور وجود هكذا دولة سورية، في ظل وجود النظام أو التنظيم السوري الحاكم حاليًّا أو حتى بعد رحيله المنشود بسنواتٍ طويلةٍ. ولهذا السبب ولغيره، سأركز حديثي التالي عن دول اللجوء أو النزوح الأوروبية، عمومًا. ففي هذه الدول، ثمة قوانين “متقدمة” في هذا الخصوص، وثمة سيادة للقانون عمومًا، ونظام تربوي ممتاز، في هذا الخصوص. لكن التناغم الإيجابي الكامل للسوريين، في بلاد النزوح الأوروبية، مع ذلك، في خصوص مسائل الشرف عمومًا، يتطلب، في بعض الأحيان، وفي حالات كثيرةٍ، وقتًا ليس قصيرًا.

إن محاولات الزوجة مناقشة الطلاق أو الفراق أو ممارسته، في ألمانيا أو غيرها من بلاد النزوح الأوروبية، ينبغي غالبًا أن تتم في حذرٍ شديدٍ؛ ويصح ذلك على كل الأمور المتعلقة بذلك، كالحضانة ورعاية الأطفال وما شابه. فهذه الأمور ذات حساسية هائلة، ويمكن أن تثير غضب الزوج وانفعالاته القوية إلى درجة مخيفةٍ، قد تصل إلى حد ممارسة العنف الجسدي. ولهذا ينبغي الاستعانة بالمؤسسات الألمانية المختصة، في هذا المجال، منذ لحظة اتخاذ القرار إلى ما بعد النهاية. وما أقصده بما بعد النهاية هو مرحلة ما بعد الطلاق أو البت في خصوص رعاية الأولاد وماشابه. فليس نادرًا او مستغربًا أن يعتبر الزوج أن طلب الزوجة الطلاق والحصول عليه هو مسٌّ برجولته أو “بزلوميته”، ويمكن أن يتحين الفرص للانتقام ولرد الاعتبار لهذه “الرجولة” ولحرمان المرأة من حقوقها ومكتسباتها القانونية. وينطبق الأمر ذاته على حالة حضانة الأطفال. وقد كنت شاهدًا على أكثر من قصةٍ، قام فيها الرجل بالتوسل إلى زوجته من أجل العودة إليه، وقطع الوعود الخلبية بأنه سيكون “مثلما تريد وأكثر”. لكن كان ذلك في بعض الأحيان، من أجل تحقيق مآرب أخرى، كالهرب بالأولاد أو تهريبهم إلى بلد آخر وعدم العودة بهم إلى حيث تقيم الأم ذات الحق برعاية الأطفال.

إن غياب أو تغييب كثيرٍ من الحقوق في مجتمعاتنا التي تنهمك سلطاتها السياسية في القضاء على أي إمكانية لإنشاء دولة المواطنة وما تعنيه من سيادةٍ للقانون والمساواة بين المواطنين ومراعاة كراماتهم وحقوقهم وواجباته، هو عاملٌ أساس ينبغي أخذه بعين الاعتبار، في أي محاولةٍ لفهم “فعلة” (أبو مروان)، وفي أي سعيٍّ للتقليل من حدوثه وتكراره، قدر المستطاع. يضاف إلى ذلك عدم وعي بعض النساء بحقوقهن أو عدم قدرتهن على ممارسة تلك الحقوق. ولهذا ينبغي توعية كل النساء بحقوقهن وبالإمكانات الفعلية لمساعدتهن من قبل السلطات والمؤسسات الأخرى. كما ينبغي لهذه المؤسسات، في بعض الأحيان، التدخل والحد من قدرة بعض الأشخاص على إلحاق الأذى بالآخرين وعدم انتظار وقوع الجريمة.

إن مناقشة جريمة (أبو مروان) وتبيان لا مقبوليتها ولا معقوليتها الأخلاقية والدينية والاجتماعية/ الثقافية والقانونية، والتنديد بها، والتصدي لأسبابها مؤسساتيًّا واجتماعيًّا، كل ذلك أمرٌ بالغ الأهمية في أي بحثٍ جادٍّ عن سبل التخلص من أمثال هذه الجرائم، أو التقليل منها، قدر المستطاع. وعلى الرغم من أن جريمة (أبو مروان) أثارت حزنًا وغضبًا شديدين لدى كثيرٍ من الأشخاص، يمكن للمرء أن يجد بعض العزاء والسلوى في ردة الفعل هذه، على أمل أن يسهم ذلك في تمجيد ذكرى الضحية، وتقليل فرص تكرار حصول جرائم مماثلة في المستقبل.

لقد رأى أبو مروان في جريمته رسالةً إلى كل النساء الأخريات، وينبغي أن يعرف أبو مروان وأمثاله نتيجة رسالته هذه، ورد الفعل المجتمعي والمؤسساتي عليه. فرد الفعل هذا يمكن أن يوجِّه إلى (أبو مروان) وأمثاله رسالة بأن فعلتكم لن يتم تقبلها أو حتى قبولها، وأنها مدانة بكل المعايير الأخلاقية، ناهيك عن القانونية. و”من حق المجرم علينا أن تتم معاقبته”، كما قال هيغل بحقٍّ. وإحقاق هذا الحق هو عاملٌ مؤسِّسٌ ومفعِّل لكثيرٍ من الحقوق الأخرى.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق