تحقيقات وتقارير سياسية

“اللاورقة”.. وما لها وما عليها

 

تثير “اللاورقة” نقاشات متعددة الوجوه، إن كان لجهة خلفياتها وموقعها، أو لما تضمنته من نقاط حول الحل السياسي من وجهة نظر الموقعين عليها، خاصة الولايات المتحدة الأميركية، التي تُطلّ، للمرة الأولى، بعد غياب طويل بوجهة نظر تحاول القول: إننا هنا، وإننا موجودون. في حين يرى البعض أن “اللاورقة” تتقاطع مع جوهر المشروع الروسي.

قبيل انعقاد لقاء سوتشي بأيام، اجتمعت دول خمس: الولايات المتحدة الأميركية، بريطانيا، فرنسا، السعودية، والأردن في باريس، وأصدرت ما يُعرف بـ “اللاورقة”، وهو مصطلح جديد دخل عالم المسألة السورية من عدة أبواب، وسبق لدي ميستورا أن تقدم بعدة أفكار وأوراق كان يطلق عليها “اللاورقة”.

قيل إن السبب الرئيس في التوقيت إبلاغ، أو إفهام، الروس أنهم ليسوا وحدهم من يقبض على الملف السوري، وأن دورهم مهما طغى يجب أن يبقى في حدود غير مسموح تجاوزها، وبالوقت نفسه لم يُرد هؤلاء إغضاب الروس حتى النهاية، فتقاطعوا معهم في نقاط جوهرية، واختلفوا في أخرى.

التوافق واضح في تجاوز ما يعرف بالمرحلة الانتقالية، وتشكيل هيئة الحكم الانتقالي، حيث يتوافق الطرفان على محورين، أو سلتين، هما: الدستور والانتخابات، وبما يعني تجاوزًا للقرار الأممي 2254 الذي وافقوا عليه، وربما التفكير بصياغة قرار جديد.

الخلاف في مضمون الدستور، وما يعرف بالبيئة الآمنة والملائمة. فـ “اللاورقة” تقرن الدستور بتضمينه مجموعة من الشروط والقواعد الدستورية التي تنزع من الرئيس صلاحيات رئيسة تتناول السلطة التنفيذية، حيث يمنع عليه تسمية رئيس الحكومة والوزراء وإقالتهم، وعدم صلاحياته في حل مجلس الشعب، ولا في ترؤس مجلس القضاء الأعلى، أي نزع أهم صلاحياته، هذه المحددات ربما تكون إيجابية، طالما هي تتعلق بسلطات قائمة، أو بما يعني قابلية فوز المجرم بشار بالانتخابات القادمة، بينما هي في حالات التعميم، وجعلها قاعدة دستورية، تخصّ صلاحيات الرئيس، وطبيعة النظام الذي يبدو أنه أقرب للبرلماني، بينما يرى كثيرون أن الحالة السورية وما وصلت إليه من تمزقات داخلية، ومن تواجد كانتونات، ونزوعات إثنية وغيرها، تحتاج إلى نظام رئاسي، أو شبه رئاسي، على قاعدة لامركزية إدارية واسعة، وليس ما جاء في الورقة من إشارات تفيد بالتوجه نحو النظام الفيدرالي، وإقامة ما جرى الحديث عنه من “حكومات الأقاليم”، بينما المشروع الروسي الذي لقي تأييدًا تركيًا يصرّ على وحدة سورية الجغرافية والسياسية، وفق نظام اللامركزية الإدارية، ويقال إن لتركيا دورها الكبير في تكريس هذه الصيغة.

لم تتناول “اللاورقة” صراحة المرحلة الانتقالية، ولا تشكيل هيئة الحكم الانتقالي، وهذا، كما ذكرنا، يبدو أنه بات محط توافق بين الدول، خاصة أميركا وروسيا، لكنها تناولت، ضمن عنوان “البيئة الآمنة والملائمة”، وجوب إنجاز مجموعة من الخطوات الضرورية التي لها علاقة مباشرة بمرحلة الانتقال، كـ “إصلاح الأجهزة الأمنية”، ومؤسسة الجيش، وتوفير عوامل الثقة التي تمهد الأجواء لإجراء انتخابات شفافة ونزيهة.

هنا، على صعيد الانتخابات، تتضمن الورقة عددًا من الإجراءات الصارمة التي تتجاوز المراقبة إلى الإشراف المباشر من قبل الأمم المتحدة على الانتخابات بكل مراحلها، ودعوة السوريين جميعًا حتى النازحين وغيرهم، للمشاركة فيها، وإعلان النتائج من قبل الأمم المتحدة، والتأسيس لنظام ذي صدقية، يمثل كافة مكونات الشعب السوري.

بيان باريس، أو “اللاورقة” الخماسية، يمكن اعتباره دخول تلك الدول، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، على خط المسألة السورية بحركية جديدة، ومحاولة تحجيم الدور الروسي، وهو الأمر الذي يتصاعد عبر حركة دبلوماسية متواترة، يقودها وزير الخارجية الأميركي، كلقائه الطويل مع وفد هيئة المفاوضات السورية والذي اعتبر إيجابيًا، وفي الوقت نفسه، فإن السعي لإشراك كل من تركيا وألمانيا ومصر في هذا الجهد الجماعي يعتبر قوة إضافية لهذه الأطراف، وثقلًا جديدًا يمكن أن يكون رافعة لزحزحة مفاوضات جنيف من مواقعها الفاشلة إلى قابلية الدخول في عملية مفاوضات مباشرة، وممارسة ضغط حثيث على النظام لإجباره على القبول بالمفاوضات.

مع ذلك، لا بد على وفد المفاوضات أن يبذل كل الجهد والضغط؛ للشروع في مناقشة بنود المرحلة الانتقالية، كسلة مستقلة معروفة البنود والأسس، بالتوازي مع نقاش بقية السلال، وعدم الموافقة على اعتبارها منتهية بمجرد إنجاز سلة الدستور والانتخابات؛ لأن الخوف كبير من دحرجات قوية، تؤدي إلى الإطاحة بجوهر القرار 2254، ناهيك عن بيان (جنيف 1) الذي تمسكنا به، واعتبرناه استناد الحل السياسي، خاصة لجهة تشكيل هيئة الحكم الانتقالي بصلاحيات تنفيذية كاملة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق