أدب وفنون

أسقطنا الطائرة

 

إضاءة المنزل خافتة، أثاثه البسيط والمساحات المدروسة وفق أحدث الأبحاث النفسية، يعمل عمل المهدئات فيروض النفس؛ والأصدقاء قد توزعوا فيه باسترخاء يتبادلون أحاديثهم المكرورة، على أنغام موسيقى المجوز والطبل الصوفية، التي تتردد في أرجاء المنزل.

على كرسيين هوائيين في زاوية الصالون، يجلس العلّامة عمر الخيام، كبير علماء الجمعية السورية للفضاء “ج. ف. س”. أول إنسان يطأ أرض القمر، وقبالته رجل خمسيني أحمر الوجه، هو علّامة الفلسفة في جامعة كركميش الكبرى، إنه ابن تيمية الذي اعتنق فلسفة روحانية قروسطية تدعى الشيوعية، بعد أن اكتشف مخطوطًا لكتاب اسمه (رأس) لرجل يدعى كارل مارس، مات قبل أكثر من ألفي عام…

على كرسي من كراسي الطاولة المنخفضة تجلس العلّامة في علوم الاجتماع ماري العجمي، تحمل كأس نبيذ بدأ يميل في يدها، وهي تستمع بانتباه إلى نظرية جديدة لـ عبد القاهر الجرجاني، يُرجِع فيها أصل اللغة إلى الخوف الذي خلفه عصر الانقراض الأول للإنسان، وليس إلى بنيته البيولوجية كما هي الفكرة السائدة.

أصوات ضحكات شباب المنتخب الوطني لرمي الحصى، كانت تصل من “البلكون” كانفجارات صوتية مكبوتة، هذا ما فكر فيه البحّاثة في “السمعبصريات” ابن الهيثم، وهو يصغي إلى طرفة تلقيها شريكته في الأبحاث والحياة، “المدام” زرقاء اليمامة الحائزة على جائزة نَوفَل للفيزياق…

من المطبخ، تتعالى ضحكات الشاعرة الكبيرة تماضر الخنساء، على نكات علّامة الأدب السوري ومخترع نظرية “عروض الشعر وبحوره “كَلِيل الفراهيدي” صاحب البيت والضيافة.. الجميع يعرف بعلاقة الاثنين الغرامية، والجميع يعرف أنهما سيختفيان في إحدى الغرف بعد بضع ساعات، حين تدخل السنة الجديدة، كما يفعلان كل عام.

وحده ابن خلدون، كان يقف وحيدًا قرب مكتبة تكسو جدران الصالون، راشفًا قليلًا من الويسكي، بين الحين والآخر، ماجًا من سيجارته مع كل رشفة، وهو يفكر في مخطوط إلكتروني قرأه قبل فترة، بعنوان “أسقطنا الطائرة“. ثمة نظرية بدأت تتكون في عقل البحاثة العلامة الأستاذ ابن خلدون، مستشار الدولة للشؤون الاستشارية: إنهم مجانين. هذا ما توصل إليه، فالرجل المختص بتاريخ سوريا ما قبل الانقراض الأول للإنسان، كاد يفقد عقله، وهو يحاول اكتشاف معنى كلمة “النصر” لدى أجداده السوريين.

بدأت مشكلته مع هذه الكلمة حين كان طالبًا، فكلمة “النصر”، حسب القواميس الحديثة، تعني ما تقوم به الجيوش السورية على امتداد “الجالاكسي”، تواجه أعداءً فتهزمهم، تقتل بيادقهم وتستولي على كواكبهم، أو تلحق بهم من الخسائر أكثر مما يلحقوه بها. هذا ما ورد في القاموس المدوِّر. ويبدو أن الكلمة كانت تحمل المعنى نفسه، منذ أكثر من أربعة آلاف عام، حسب العلامة الجرجاني، ولكن ثمة اهتزازًا لهذا المعنى في مرحلة تاريخية، تسمى عصر انحطاط الإنسان السوري قبل الانقراض، والمقال الذي قرأه ابن خلدون “أسقطنا الطائرة” جعله يتأكد بأن سوريي ما قبل الانقراض الأول للإنسان كانوا مجانين، طبعًا مجانين، لقد قرأ ابن خلدون أن هؤلاء السوريين وجدوا أنفسهم منتصرين، حين لم تفلح دولة تدعى “إزرايل”، باحتلال كل الأراضي التي كانت تنوي احتلالها؛ بل اكتفت بجزء منها، ثم ضاق معنى النصر، حين احتلت هذه الدولة نفسها أجزاء جديدة، ولكن أقل مساحة هذه المرة، بل إنهم خرجوا متظاهرين يحتفلون بقائد نصرهم ذاك، ويسمى “عبد النصر”، بعدها خاضوا حربًا طويلة نسبيًا مع تلك الدولة، وكادوا يخسرون عاصمتهم كما يقال، لكنهم لم يخسروها، لذلك عمت احتفالات النصر، وتماثيل النصر، وقلاع النصر، وساحات النصر، حتى قيل إن سورية عُرفت يومها بـ “سوريا التشرينين”؛ ذلك أن تلك الحرب خيضت في شهر تشرين، أما لماذا اعتبرا تشرينين وليس تشرينًا واحدًا، فذلك أمر لا زال غامضًا، فالوثائق حول تلك المرحلة نادرة. وبعد تلك الحرب ولسنوات عديدة قامت “إزرايل” بمهاجمة سورية مرات ومرات دون رادع، حتى جاء يوم وأسقط فيه السوريون طائرة إزرايلية، فاعتبروا ذلك نصرًا مجيدًا. لقد وصل الأمر بهم أن اعتبروا مجرد إسقاط طائرة لعدوهم نصرًا، فمن يصدق أن هذا ممكن، إلا إذا كان مجنونًا؟!

بينما كان ابن خلدون يدوّر هذه الأفكار في رأسه، اقترب منه عمر الخيام ساحبًا ابن تيمية من يده، وقد تعتع السكر كليهما، وقف الخيام مترنحًا أمام ابن خلدون وأشار إلى ابن تيمية، ثم قال بلسان ثقيل:

–     “قلّو يا حضرة المستشار، فهمو.

–     شو القصة؟”

فقال ابن تيمية غاضبًا:

–     “يا زلمة قال مجنون يحكي وعاقل يسمع، هاد المسطول عم يقول إنو كتاب “رأس” مستحيل يكون كاتبو شخص واحد، بالتالي مستحيل يكون لكارل مارس.

–     أنا مو هيك قلت، قلت إنو: كتاب كبير وفيه تعدد لغوي وعلمي وتاريخي والذي منو متل كتاب “راس” مستحيل يكون كاتبو كارلك لحالو.

–     شو يا مستشار؟! إقتلو؟!

–     له يا رفيق ابن تيمية، حَكي رفيقك الخيام منطقي جدًا.

–     ولك منطقي شو إنت التاني؟!! إنت بتعرف الفرق بين ألمانيا وبروسيا شي؟ بتعرف إذا كارل بروسي ولا ألماني؟

–     لا والله، بدك تعذر جهلي.”

ثم سقط ابن تيمية مغشيًا عليه، فيما قهقه الخيام وهو يقول لابن خلدون:

–     “مبارح الطبري طلع بنظرية جديدة منشان يدايقو، قلّو عالأغلب اللي كاتب كتاب “راس” مرا، وبعصور ما قبل الانقراض الأول للإنسان. كانوا النسوان ممنوعات من الكتابة، فسمّت حالها باسم كارل مارس لتقدر تنشر الكتاب”.

ثم سقط الثاني مغشيًا عليه هو الآخر، راقبهما ابن خلدون مبتسمًا، وقد نام كل منهما على جزء من الآخر، ثم اتجه إلى غرفة المكتب في منزل صديقه الفراهيدي، ليدون آخر استنتاجاته عن “أسقطنا الطائرة”، وهو يشعر بأنه حقق نصرًا حقيقيًا لتاريخ بلاده.

ملاحظة: حين دخل ابن خلدون لم يجد كَلِيل الفراهيدي وتماضر الخنساء يمارسان الجنس في المكتب، كما قد يعتقد البعض! بل وجد منتخب رمي الحصى يلعبون لعبة “جرأة أم حقيقة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق