أدب وفنون

“عازف البيانو من اليرموك”

 

بلغة عفوية بسيطة وصادقة أقرب إلى لغة الموسيقى، يفتتح أيهم أحمد كتابه (عازف البيانو من اليرموك)، متحدثًا عن أكثر التجارب ألمًا خلال حصار المخيم. يروي في افتتاحية الكتاب المعنونة بـ “ثلاثة عصافير” قصة أغنيته “نسيت اسمي” التي كتبها الشاعر الفلسطيني زياد الشريف لزوجته التي توفيت مع جنينها، بعد أن رفض الجنود على حاجز النظام السماح لها بالعبور للولادة في مشافي دمشق، رغم حصولها على تصريح بالخروج. يغمض أيهم عينيه فيمر في خاطره طيف الطفلة زينب التي استشهدت برصاصة، حينما كانت تغني معه برفقة مجموعة من الأطفال في الشارع. لم تشفع لها طفولتها ولا براءة عينيها، عند ذاك القناص الذي قرر سرقة أعوامها الثلاثة عشر ومستقبلها. يتذكر –أيضًا- ضحايا الحصار الذي تمكن الجوع منهم، ولم تكن كراتين الأمم المتحدة الهزيلة قد تمكنت من كسر الحصار، ولو جزئيًا بعد! لا تفارق مخيلته أبدًا جثة صديقه الذي أرداه قناص من الجهة الأخرى للمخيم، بعد أن تقدم قليلًا في البساتين، بحثًا عن الفجل، بعد أن تعفنت معدته من حشائش الأرض التي لم تكن تصلح أساسًا للطعام، لكن لم يبق في تراب المخيم ما يُؤكل سواها. يفتح أيهم عينيه ثانية ليعود لواقعه الآني جالسًا وسط الدمار أمام البيانو، تتأمله أمرأه حزينة جاءت إلى هذا المكان مصادفة، فتوقفت بمواجهته ولسان حالها يقول: “أمجنون هو من يملك قلبًا للموسيقى بعد، والناس تموت جوعًا هنا!؟”.

يرفع أيهم ناظريه، فيرى ثلاثة عصافير لم تهجر سماء المخيم، رغم أنها غدت ملوثة برائحة البارود وغبار الأبنية المدمرة، التي طحنتها البراميل والقذائف، فوق رؤوس ساكنيها. يبتسم أيهم بحرقة وتبدأ أنامله بالعزف للمحاصرين والجوع، تبدأ أنامله بالعزف لأمل بعودة أهل هذا المكان، بالعزف لأمل بمعجزة لا بد أن تكون يومًا.

في كتابه (عازف البيانو من اليرموك) الذي دوّنته ساندرا هيتزل باللغة الألمانية،  ينطلق أيهم من تجربته الذاتية وعلاقته بعائلته، ليحاكي تجربة الإنسان الفلسطيني في مخيم اليرموك بشكل عام، عبر جيلين، جيل النكبة، وذلك من خلال استعراض سريع لطفولة والده الضرير، وعلاقة الأخير بوالديه اللذين حملا معهما مفاتيح بيتهما في فلسطين، وظلا متمسكين بأمل العودة دون النزوع إلى الاستقرار في المكان الجديد، وجيل ما بعد النكبة، الذي حمل هم القضية الفلسطينية، مع شعوره بالاستقرار والانتماء إلى دمشق، بقدر انتمائه إلى القدس، فأصبح اليرموك بالنسبة إليه قدسًا دمشقية، أو دمشق مقدسية، وقد بدا ذلك واضحًا من خلال حديث أيهم نفسه مع والده، فجعل من والده الضرير الذي لم يرَ القدس ولا دمشق سابقًا، حلقة الوصل بين الزمانين والمكانين، من خلال بصيرته وعمق معرفته بما يدور من حوله. أما عن علاقة أيهم بالموسيقى فكانت ثمرة تعلقه بوالده الموسيقي، والذي كان يردد على مسامعه دومًا، أن اللاجئ الفلسطيني ليس بوسعه العودة إلى بلده، ولذلك يجب أن يكون عالميًا، وذلك بالتمايُز من خلال أداء ما لا يستطيع الآخرون أداءه بسهولة.

تدور أحداث الكتاب بين أماكن مختلفة أهمها المخيم، وثلاثة أزمنة رئيسية، تتخللها أوقات مختلفة، جعل عنصرها الأهم زمن الحصار. يبدأ أيهم دراسة الموسيقى في المعهد العربي بدمشق، وعلى الرغم من تشجيع والديه له، فإن ذلك لم يكن سهلًا لشاب فقير في مقتبل العمر، في بلد محكوم بالفساد والتمييز الطبقي، فلطالما نُظِر إلى الموسيقا على أنها دليل على النخبوية وصنعة الأغنياء. يصف أيهم أوساطًا اجتماعية مختلفة في سورية ما قبل الثورة، مقارنًا بين حاله كابن حي شعبي يستخدم الدراجة الهوائية في طريقه للمعهد، وحال زملائه القادمين من الأحياء الراقية في دمشق، توصلهم سيارات فاخرة. يضيف إلى ذلك إهمال بعض المدرسين له على اعتباره غريبًا في صفوفهم، ما يضطر أيهم، فيما بعد، إلى مغادرة المعهد والالتحاق بكلية التربية الموسيقية في جامعة البعث في حمص. وفي السنة الثانية من الثورة السورية، يتوقف عن الدراسة بعد أن أصبح الطريق الدولي الذي يربط دمشق بحمص خطرًا.

لم يمضِ على زواج أيهم الكثير، وهو بانتظار مولوده الأول، فيتفرغ للعمل مع والده في صناعة الآلات الموسيقية، وتعليم العزف لبعض الطلبة.

يقع مخيم اليرموك تحت حصار خانق من قوات الأسد، بعد أن قصفته سابقًا؛ فيضطر معظم سكانه إلى الرحيل عنه، ويبقى أيهم مع عائلته، ليختبر مع آلاف المدنيين أحد أعنف حروب الأسد ضد الإنسان الذي رفع بوجههم شعار “الجوع أو الركوع”.

في زمن الحصار، يصبح الإنسان أكثر عاطفة وهشاشة، ويتجه إلى اللامبالاة في مواجهة العجز والألم الناتج عنه. يزداد المحب للخير خيرًا، وفي المقابل تزداد انتهازية الطامعين، ما يجعل الإنسان -بطبعه الفطري- أسيرًا للتناقضات: يفضّل الغير تارةً، ويسعى للنجاة بأناه تارةً أخرى، غير عابئ بمن حوله، يستسلم لليأس ليلًا، ويتفاءل بأشعة الشمس صباحًا.. في زمن الحصار يغدو الإنسان محكومًا بالحاجة وغريزة البقاء، فيبدي جاهزية لفعل أي شيء، كي لا يواجه مصير ذاك المسن الذي مات جوعًا، أو ليقي طفله مصير الرضيع الذي لم تجد له أمه ما تسد به الرمق لترضعه فتوفي، لكن من جهة أخرى، الحاجة إلى السكينة الداخلية والطمأنينة، تستدعي الإيثار في بعض الأحيان.

لم يجد أيهم ما يواجه به وجع الحصار وتناقضات المرحلة سوى الموسيقى وتأمل أعين الصغار، رغم القصف والقنص واضطراره إلى أكل القطط والكلاب وما نتج عنها من أمراض، إضافة إلى موت العشرات جوعًا وكل المآسي التي واجهها أيهم إلى جانب المدنيين أثناء الحصار، ظلت الموسيقى هي النَفَس الوحيد الذي أبقى أيهم على قيد الأمل، طوال فترة الحصار، إلى أن اقتحمت (داعش) المخيم، وقطعت ذلك النفس عنه، حينما أحرق أحد مسلحيها البيانو أمام عينيه. يشعر أيهم بخطر الاختناق ويقرر الهرب، ليس خارج المخيم فحسب، إنما خارج سورية.

في رحلة الهرب خارج المخيم، ينتقل أيهم من السرد الروائي العام إلى السرد الذاتي، للحديث عن صراعه الخاص في مواجهة الموت، عبر رحلة محفوفة بالمخاطر، تعج بفوضى مكانية وزمانية، وتعبر عن حالة الرعب والقلق التي تفرضها الأحداث المختلفة والمتوقعة على الراوي، فلم يكن لدى أيهم أي ثقة بالمهرّب الذي وصفه بـ “تاجر البشر”، رغم تعهد الأخير بنقله أمنًا خارج المخيم، ثم خارج سورية إلى تركيا. وكما كان متوقعًا يُعتقل أيهم مع زوجته وطفليه اللذين كانا برفقته، على أحد حواجز النظام في مدينة حمص، ثم يخرجون مصادفة بعد أيام، فيتخذ قرارًا بإعادة عائلته إلى دمشق، ويكمل ما أسماه “طريق الموت” بمفرده، فيعبر مناطق النزاع المختلفة في الطريق إلى الشمال السوري، وفيما بعد، تصبح رحلته إلى ألمانيا شبيهة برحلة عشرات آلاف الشباب السوري، الذين عبروا كل تلك المخاطر في رحلة البحث عن حياة، بعد أن غزا الموت بلادهم.

مقالات ذات صلة

إغلاق