ترجمات

كيف خسر نتنياهو معركته في سورية

سمح رئيس الوزراء الإسرائيلي، العاجز عن تخيل سورية من دون الأسد، لإيران بالترسخ فيها، معتمدًا على روسيا لاحتواء تهديد كهذا.

 

نتنياهو، رجل ذو رؤية، في القدس. تشرين الثاني/ نوفمبر 2018.

 

يوجد رئيس الوزراء الإسرائيلي في السلطة منذ عام 2009، وذلك بعد أن كان قد أدار الحكومة بين عامي 1996 و1999؛ ما يعني أنه يتحمل المسؤولية الكاملة عن سياسة الدولة العبرية، في مواجهة الثورات الديمقراطية التي هزت العالم العربي منذ 2011. ولكن نتنياهو كان قد اختار، بشكل منهجي، لعب ورقة الديكتاتور العربي ضد شعبه، مراهنًا، من بين أمور أخرى، على بقاء الأسد في السلطة في سورية. ولكن هذا الخيار الاستراتيجي الذي تم تبنيه لغياب أي خيار آخر، قد قاد إلى هشاشة غير مسبوقة لـ (إسرائيل) على حدودها الشمالية.

هوس البرنامج الكيمياوي

لم يكن أمام (إسرائيل) إلا أن تهنئ نفسها، بالهدوء الذي ساد منذ عام 1974، على أرض الجولان السوري المحتل قبل ذلك بسبع سنوات. راقب نظام الأسد، تحت قيادة الأب حافظ، ومن بعده منذ عام 2000 الابن بشار، بصرامة، وقف إطلاق النار المتفق عليه تحت رعاية الأمم المتحدة، والذي تشرف عليه قوة تابعة لها. كما قمعت (إسرائيل) بعنف استفزازات بشار الأسد النقطيّة، بين شهري أيار/ مايو، وحزيران/ يونيو من عام 2011، والتي قام بها محاولًا صرف الانتباه عن الاحتجاجات المتنامية في بلده؛ ما أعاد الأمور في الجولان إلى وضعها السابق. قاد ذلك الاستقرار الملحوظ نتنياهو وحكومته إلى اعتماد كرت الأسد في سورية، عوضًا عن القفز في المجهول الثوري.

تصاعد هذا الاتجاه المؤيد للأسد، بشكل مخالف للتوقعات، مع التدخل المتزايد لـ (حزب الله) اللبناني إلى جانب الدكتاتور السوري؛ حيث اعتقد نتنياهو بالفعل أن انغماس الميليشيا الموالية لإيران في الصراع السوري سيُلهيها عن (إسرائيل)، ويُخرجها منهكة بشكل محسوس. كما استمر الجيش الإسرائيلي، على أي حال، بضرب عمليات نقل الأسلحة من سورية إلى لبنان، والتي كانت من الممكن أن تقوي إمكانات (حزب الله) بشكل ملحوظ. وفي الوقت نفسه، دافع نتنياهو، بنجاح، أمام أوباما ضد تسليم أي صواريخ (أرض-جو) إلى الثورة السورية، معللًا ذلك بإمكانية استخدامها يومًا ما ضد الطيران الإسرائيلي. وبذلك يكون “بيبي” قد ساهم بشكل غير مباشر في سيطرة نظام الأسد الجوية المطلقة في سورية، وما نجم عنها من نتائج كارثية، نعرفها، على الشعب السوري.

بالمقابل، كان نتنياهو شديد الاهتمام ببرنامج نظام الأسد الكيمياوي؛ فعندما قصف النظام ضواحي دمشق بغاز السارين، في آب/ أغسطس 2013، وضع نتنياهو في المقدمة ضرورة تفكيك تلك الترسانة النووية، عوضًا عن الرد بتوجيه ضربة للأسد. وكان ذلك الموقف الذي اتخذه باراك أوباما، في نهاية الأمر، في إطار اتفاق لنزع السلاح الكيمياوي من سورية، برعاية مشتركة مع فلاديمير بوتين. أدى الخرق الواضح لذلك الاتفاق في نيسان/ أبريل 2017، عند قصف السارين الجوي لخان شيخون، إلى قيام نتنياهو بتصعيد تهديده بانتقام إسرائيلي؛ وبهدف تجنب تصعيد كهذا، قرر دونالد ترامب القيام بغارة محدودة ضد القاعدة التي انطلقت منها الطائرات التي نفذت الهجوم بالأسلحة الكيمياوية.

السراب الروسي

كانت ردة فعل نتنياهو تميل إلى تأييد التدخل الروسي المباشر في سورية، بداية من أيلول/ سبتمبر 2015؛ حيث أوهم نفسه بقدرة الكرملين على كبح جماح نظام الأسد بشكل فعلي، ولجم نيّات إيران التوسعية بالدرجة الأولى. لقد بالغ “بيبي” بالتأكيد في تقدير نوعية العلاقة الشخصية التي أنشأها مع بوتين، خلال العديد من اللقاءات الثنائية، كما ساد الوهم ذاته عند أفيغدور ليبرمان (وزير الدفاع)، منذ أيار/ مايو 2016، والذي غذت جذوره المولدافية تعاطفًا خاصًا تجاه الكرملين، رافقه تأكيد الحصول على أصوات الناخبين ذوي الأصول الروسية في (إسرائيل). وسمحت ترتيبات معقدة بين عسكريين إسرائيليين وروس، لكلا الطرفين، بتوجيه ضرباته الجوية في سورية، من دون حصول توتر بين الجيشين.

مع ذلك، كان واضحًا قيام (حزب الله)، والذي كان على الخطوط الأمامية لمعارك تدمر وحلب وغيرها، بتعزيزٍ ملحوظ لترسانته العسكرية، في الوقت الذي عملت فيه إيران بدأب على تأسيس استمرارية إقليمية، لم يسبق لها مثيل، بين أراضيها والبحر المتوسط. أما بالنسبة إلى نظام الأسد، فقد سمح طواعية لجهاديي (داعش) بالانغراس، في حوض اليرموك الواقع في المثلث الاستراتيجي، بين سورية والأردن و(إسرائيل). كان الثوار السوريون الطرف الوحيد المصمم على مواجهة (داعش)، ولكن خذلان إدارة ترامب لهم، باسم التسويات الحاصلة على أرض الواقع مع نظام الأسد، تركهم منزوعي السلاح، بالمعنى الحرفي للكلمة.

عندما صحا نتنياهو، متأخرًا، من وهمه الروسي، في صيف عام 2017، كانت إيران والميليشيات التابعة لها، قد أسست وقائع صلبة الأساس على المسرح السوري. حاول “بيبي”، من دون جدوى، مناشدة بوتين فرض احترام “خطوط حمراء” جديدة، تتعلق بالانغراس الإيراني في سورية، إضافة إلى القيود المفروضة مسبقًا على (حزب الله)، ولكن جواب الكرملين الجاف كان مفاده أن تلك المطالب الإسرائيلية كان مفرطة. وجميعنا يعرف ما حدث بعدها: دخول طائرة الاستطلاع الإيرانية إلى (إسرائيل)، بتاريخ 10 شباط/ فبراير 2018، والغارة الجوية الإسرائيلية على قاعدة (ت-4) القريبة من تدمر، حيث انطلقت طائرة الاستطلاع، ولكن الجواب القوي من دفاع الأسد الجوي أدى إلى إسقاط طائرة (إف-16) في (إسرائيل) نفسها.

اكتفى بوتين، الذي تلقى اتصالًا طارئًا من نتنياهو، بالتحذير من مواجهة “خطيرة على العالم بأكمله”. كما هددت موسكو بالتحذير من ردة فعلها، في حال تعرض قواتها في سورية للأذى؛ الأمر الذي أجبر (إسرائيل) على الحد من توجيه سلسلة ثانية من الضربات، كانتقام على سقوط طائرة (إف-16) هذه المرة. وقام “بيبي”، المحاط بالقضايا القانونية بشكل جدي، بتحمل نتيجة ما حدث عبر مضاعفة غطرسته، وليست مسؤوليته عن ذلك الإضعاف الملموس لبيئة (إسرائيل) الأمنية بأقل وضوحًا؛ حيث يجب العودة بالزمن إلى عام 1982 لإيجاد آخر حادثة إسقاط طائرة إسرائيلية عبر الدفاعات السورية.

حتى من وجهة نظر (إسرائيل)، فإن الحفاظ على الأسد في السلطة -وهو الذي اعتقد بشكل خاطئ أنه ضامن للاستقرار- يفاقم مخاطر الصراع والتصعيد.

 

عنوان المادة الأصلي بالفرنسيّة اسم الكاتب بالعربية والفرنسيّة مصدر المادة أو مكان نشرها الأصلي مكان النشر الثاني تاريخ النشر رابط المادة اسم المترجم

Comment Nétanyahou a perdu sa bataille de Syrie

جان بيير فيليو

Jean-Pierre Filiu

 مدونة جردية اللوموند 18 شباط/ فبراير 2018  

http://filiu.blog.lemonde.fr/2018/02/18/comment-netanyahou-a-perdu-sa-bataille-de-syrie/

 

 أنس عيسى

 

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق