تحقيقات وتقارير سياسية

صمود الغوطة وأهميته للثورة السورية

يستمر الحلف الروسي-الإيراني في قصف الغوطة الشرقية، ضاربًا عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة، ومنها قرار مجلس الأمن الأخير 2401 القاضي بوقف إطلاق النار، مستخدمًا كل أنواع الأسلحة المتوفرة لديه حتى المحرمة دوليًا، شاملًا كل التجمعات البشرية فيها، من مدارس ومشافي وأسواق، وعارضًا على أهل الغوطة خيارين: إما أن تنسحبوا وتُسلّموا أسلحتكم، أو يستمر القصف، على اعتبار أن كل من سيبقي بعد فتح ممرات آمنة هم إرهابيون.

عدة أسباب تدفع روسيا للاستمرار في عمليتها الوحشية في الغوطة، في هذا الوقت، يمكن ذكر عدة أسباب من أهمها: فشل مؤتمر سوتشي، الذي حاولت روسيا من خلاله وضع شروطها لأي حل سياسي في سورية مستقبلًا، خاصة في جنيف، وقرب الانتخابات الروسية، التي يريد بوتين أن يحمل في جعبته إليها أنه بطل السلام في سورية، إضافة إلى ما حققته روسيا من تدخلها في سورية، وهو تجربة أسلحتها الجديدة، وما ستحصل عليه من مكاسب اقتصادية وسياسية تجنيها بعد نجاح تدخلها، يضاف إلى ذلك تأكيدها لحليفيها: إيران وتركيا، أنها التي تقود عملية التدخل في سورية لحماية نظام بشار الأسد، وكذلك تدخّل الولايات المتحدة في الأزمة السورية وسيطرتها على شرق الفرات، وخوف روسيا من امتداد نفوذها لمناطق أخرى، ومنها محيط دمشق، ومساهمتها في إفشال مؤتمر سوتشي، عبر ما عُرف بـ “اللا ورقة” التي قدمتها قبله، والضربة العسكرية قرب دير الزور.

إن حسم قضية الغوطة بهذه السرعة يُحقق عدة أهداف لروسيا، فهو يزيل خطر وجود معارضة مسلحة هي الأقرب من دمشق والأخطر على النظام الذي تحميه، ويفسح المجال لتهجير سكان الغوطة، وإحلال عناصر شيعية داعمة للنظام محلهم، كما حصل في داريا والزبداني وغيرها، وهذا ما يُحقق رغبة حليفتها إيران أساسًا، ويثبّت المصالحات التي أجرتها في عدة مناطق، خوفًا من أن يسبب استمرار القتال الارتداد عنها، كما أنه يفتح المجال لاستكمال سيطرة النظام على باقي المناطق في إدلب والجنوب.

أول ردة فعل من داخل الغوطة ومن المعارضة السياسية، كانت رفض الخطة الروسية بالوقف الجزئي لإطلاق النار، وما يتوقع أن يُسببه من تهجير لسكان الغوطة الشرقية، والمطالبة بالتنفيذ الكامل لقرار مجلس الأمن، لكن يبقى التساؤل: هل يمكن لسكان الغوطة أن يصمدوا في ظل الحصار الطويل والقصف المستمر، وما هي الشروط التي تساعدهم على الصمود؟

إن صمود الغوطة مرهون أساسًا بموقف سكانها وفصائلها المقاتلة، المتمثل بتعزيز وحدتهم الداخلية، بين الفصائل أو بينها وبين المدنيين الذين استطاعوا الصمود طوال سنوات خمس من الحصار، ومرهون باتفاق قوى المعارضة السياسية على موقف موحد تجاه ما يجري، لدعم سكان الغوطة بكل الوسائل الممكنة، ومرهون أيضًا بموقف الرأي العام العالمي الذي يدين السياسة الروسية والإيرانية التي تستهدف المدنيين، وأيضًا بموقف عربي واضح ضد ما يجري في سورية.

إن الأسباب الداخلية لعدم تحقيق الثورة السورية لأهدافها حتى الآن، رغم جسامة التضحيات التي قدمها الشعب ويقدمها، تعود أولًا إلى عدم تبني قواها موقفًا ثابتًا وموحدًا ومستقلًا تجاه سورية المستقبل، نتيجة الصراع على المكاسب الفئوية والحزبية، وتعود أيضًا إلى عدم استطاعة جماهيرها الثبات في أماكن سكناهم، بسبب إخضاعهم لعمليات التهجير التي مورست ضدهم.

إن العودة إلى التجربة الفلسطينية، والتجربة السورية في الجولان، تُظهر أن الصراع على امتلاك المكان، الأرض، والبقاء فيها، هو عنصر أساس للصمود، وللحفاظ على القضية حية في أذهان الرأي العام المحلي والعالمي، انتظارًا لظروف أفضل للنضال. إن إصرار سكان الغوطة على البقاء في أرضهم، تحت أي شروط، هو المقدمة لإفشال خطة الترحيل التي يعتمد عليها الروس والإيرانيون للسيطرة على الأرض واحتواء المعارضة، ويمكن أن يكون مقدمة لوضع الثورة السورية على الطريق الصحيح، باعتبارها ثورة شعب في سبيل حريته وكرامته، ضد الاستبداد الداخلي والاحتلال الأجنبي.

إن صمود الشعب السوري طوال سبع سنوات، وتحمّله كل أصناف القهر والوحشية التي تُمارسها ضده قوى الاحتلال المتعددة، وإن استطاعت التغلب عليه مرحليًا، سيُبقي جذوة النضال حية فيه، ويدفعه باستمرار إلى تحقيق طموحاته في حياة حرة كريمة.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق