هموم ثقافية

دوافع ومعطيات سلوك الأطفال المستقل

 

توفرت حقائق علمية كثيرة عن الطفولة، إلا أن الاستفادة منها ما زالت محدودةً، والسؤال: لماذا لم نستفد من هذه الحقائق العلمية في توجيه وتربية وتثقيف أطفالنا؟! والسؤال الأهم: من أين نبدأ؟

يجب أن نعرف أولًا من هم الأطفال، ومتى تبدأ مرحلة الطفولة؛ ومتى تنتهي؟ وما هي مراحلها؟ لنستطيع أن نعطي هذه المراحل حقها من الدراسة والانتباه والرعاية.

إن مرحلة الطفولة تختلف من مجتمع لآخر، ففي المجتمعات النامية تتقلص سنوات تلك المرحلة، حسب ظروف العائلة الاقتصادية والثقافية، وفي المجتمعات المتطورة ترتفع.

وقد أجمعت الدراسات العلمية على أن مرحلة الطفولة تمتد من ولادة الطفل حتى يبلغ الثامنة عشرة من عمره، ذكرًا كان أم أنثى، وهذه المرحلة تقسم إلى ثلاث مراحل:

المرحلة الأولى: تمتد من لحظة الولادة حتى السادسة من العمر.

المرحلة الثانية: تمتد من سن السادسة حتى الثانية عشرة من العمر.

المرحلة الثالثة: تمتد من الثانية عشرة حتى الثامنة عشرة.

أي أن كل مرحلة تمتد ست سنوات، وهذا التقسيم يدمج مرحلة المراهقة بين مرحلتين هما: المرحلة الثالثة من الطفولة؛ والمرحلة الأولى من سن الرشد.

ولأن المرحلة الأولى من الطفولة التي تمتد من لحظة الولادة حتى السادسة من العمر، من المراحل المهمة في حياة الإنسان -ذكرًا كان أم أنثى- فإننا يجب أن نبدأ بمعرفة أصول التعامل مع الأطفال في هذه المرحلة، لنأسس عليها ما يليها من مراحل.

من بديهيات القول، أن عالم الطفل متكامل وقائم بذاته، وإن كان يتضمن البذور التي تنقل الطفل إلى عالم الكبار، فإن هذه البديهية -وهي حقيقة علمية لا يدانيها الشك- هي مجرد مقولة، لم تأخذ حقها من الممارسة على أرض الواقع، فالأطفال ما زالوا يعاملون بأسلوب الوصاية التي تأخذ في مفرداتها التربوية شكل الهيمنة، علمًا أن هذه الطريقة التربوية لم تعد تصلح في العصر الراهن.

فالعالم الذي تحوّل إلى قرية صغيرة، غيّر معه كل شيء، حتى طرق ووسائل تربية الأطفال، ولم يعد يحق لأحد أن يتجاهل التحولات التي عصفت بكل الفعاليات الحياتية للإنسان، حتى حق القول إن عالمنا قد أصبح، من نواح كثيرة، عالمًا جديدًا ليس فيه عذر للجهل أو اللامبالاة، ومواكبتنا لهذا العالم لا تكون بالإقبال على كتب الأطفال شراءً؛ ودفعهم إلى القراءة أو متابعتهم دراسيًا، أو تأمين وسائل اللعب والترفيه لهم، كل هذا على درجة من الأهمية، ولكن ثمة ما هو قبل ذلك وبعده، ألا وهو العلاقة التي تربطنا بهم؛ وحدود هذه العلاقة ومفرداتها، فعلاقتنا بأطفالنا هي التي تحدد مستوى التعامل القائم بيننا وبينهم، وأطفالنا بالدرجة الأولى هم نتاج علاقاتنا بهم، وعلاقاتنا بعضنا ببعض أيضًا، فالعلاقة بين الأبوين تشكل بيئة الطفل الاجتماعية الخاصة، ومجمل العلاقات الاجتماعية المحيطة به تشكل البيئة العامة، ولكل من البيئتين تأثيره في حياة الطفل؛ مع اختلاف مستوى ذلك التأثير، فتأثير علاقة الأبوين بعضهما ببعض، غير تأثير علاقتهما بالجيران عليه.

وفي العودة لنوع العلاقة التي تربطنا بالأطفال مباشرةً، علينا أن لا نعكس أولوياتنا على حياتهم، بمعنى أن نكيف مطالبنا مع حاجاتهم وقدراتهم، ويجب أن تحمل هذه المطالب لغةً تتناسب مع قاموسهم اللغوي الخاص، مع الأخذ بالحسبان أننا نتوجه إلى شخص لا إلى فرد، أي إنسان له مقوماته الشخصية المختلفة عنا، وليس نموذجًا مصغرًا أو أقل وعيًا؛ إنه نموذج مختلف عنا نموًا ووعيًا، ونحن حين نكيف مطالبنا مع حاجات الأطفال وقدراتهم؛ نمنح أنفسنا أكثر من سبيل للتواصل معهم والوصول إليهم، وهذا هو المهم.

وهذا لا يحتاج منا إلى ثقافة عالية، يحتاج إلى شعور عال بالمسؤولية؛ إذ لا يمكن أن نطلب من كل الناس، على اختلاف مستوياتهم العلمية والاجتماعية والاقتصادية، أن يثقفوا أنفسهم، ويقرؤوا الكتب المختصة في علم نفس الطفل، ويحضروا الندوات ويتابعوا البرامج التلفزيونية إلى غير ذلك.. ولكننا نستطيع أن نطلب من الجميع -دون استثناء- أن يتحملوا مسؤولياتهم تجاه أطفالهم، ونستطيع -مثلًا- القول إن ضرب الأطفال بقصد تربيتهم يؤذيهم أكثر مما ينفعهم. كيف وصل الباحثون وعلماء نفس الطفل إلى هذه النتيجة؟ تلك مهمة العلماء والباحثين.

دراسة عالم الأطفال من الدراسات المعقدة؛ لأنها تواجه مشكلات منهجية وأخرى موضوعية، حيث لا تزال أدوات البحث في هذا المجال، لا تمتلك الكفاءة في القياس الذي يمكن أن يصل بالنتائج إلى الدقة والتعميم والموضوعية، نظرًا إلى صعوبة إخضاع الأطفال لشروط منهج التجريب، ولعدم قدرة الأطفال على التعبير عن أنفسهم، عندما نحاول الحصول على إجابات، أو عدم قدرتنا على فهم مضمون تعبيراتهم بالدقة المطلوبة. ومن المشكلات الأخرى أن الأطفال يختلفون في ما بينهم، وراثيًا وبيئيًا وثقافيًا، وكل طفل على الإطلاق، يتعرض لدرجة ما من التناقض، بين ما يريد أن يكون وما يستطيع، وكلما كانت الفجوة بين ما هو عليه وما يريد أن يكون ضيقةً؛ كان تقديره لذاته مرتفعًا، وكلما فشل في التقدم بحياته نحو تحقيق أهدافه وقيمه؛ فسيكون احترامه لذاته أقل، لذلك كانت مشاعر الدعم والمساندة التي يلمسها الطفل من والديه والناس المحيطين به ترتفع بنسبة تقييمه لذاته. وقد يصادف الأطفال إعاقةً ما في أثناء تعلمهم أو تلقيهم التربوي، علينا ألا نأخذ هذه الإعاقة على أنها حالة عرضية ونرميها خلف ذاكرتنا.

ثمة حالات مرضية، سببها طبيعة الموضوع الذي يتلقاه الطفل، وهذا ما يدعوه علم نفس الطفل بـ “الإعاقة بالمنهاج”، وسنحاول في مقالات لاحقة أن نبيّن مدلول المفهوم التعليمي في منهاج المعاقين.

مقالات ذات صلة

إغلاق