قضايا المجتمع

سياسة “الحصار والتجويع والاستسلام” في المرحلة المقبلة من الحرب السورية

تُظهر هجمات الرئيس السوري بشار الأسد على الغوطة الشرقية خطته لتعزيز السلطة في جميع أنحاء البلاد. الضربات الجوية، نيران المدفعية، القنابل العنقودية والبراميل المتفجرة.. هذا هو ما واجهه نحو 400 ألف شخص في الغوطة الشرقية -وهي ضاحية قرب العاصمة السورية دمشق- على مدى الأسبوعين الماضيين. وقد صعّدت القوات السورية بشكل كبير هجماتها، على المنطقة المحاصرة منذ نحو خمس سنوات، والتي يسيطر عليها في الغالب الثوار الذين عارضوا لمدة خمس سنوات حكمَ الرئيس بشار الأسد. وأكد مراقبون في حقوق الإنسان إصابة آلاف المدنيين، ومقتل أكثر من 500 شخص، بينهم 120 طفلًا، خلال الهجمة، ووصفوا ذلك بأنه “أحد أكثر الأمور دموية، في الحرب الأهلية السورية المستمرة منذ ثماني سنوات”.

إن الهجوم يسلط الضوء على حقيقة قاتمة حول الوضع الحالي للحرب وهي: الأسد هو المنتصر. وقد وجه تركيزه الآن لاستعادة الأجزاء التي خسرها من البلاد. إن استعادة الغوطة الشرقية -وهي منطقة تقع على بعد 6 أميال فقط من دمشق- ستكون السبب الأساس لإجبار الثوار المتواجدين في المنطقة على الاستسلام مرة واحدة، وإلى الأبد. ويبدو أن تكثيف القتال قد بدأ.

أصدر مجلس الأمن الدولي، يوم السبت الماضي، قرارًا يدعو إلى وقف إطلاق النار لمدة 30 يومًا في سورية. وبعد يومين، تقدم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي تدعم قواته نظام الأسد وهو السبب الرئيس لبقاء النظام السوري، بطلب “توقف إنساني” لمدة خمس ساعات يوميًا في القتال، حتى يتمكن المدنيون في الغوطة الشرقية من الفرار من المناطق المستهدفة.

تقول جنيفر كافاريلا، الخبيرة السورية في معهد دراسة الحرب: إن الأسد يحاول “استعادة كل متر من الأراضي السورية”. وقد فعل ذلك من خلال قيادة حملة وحشية في جميع أنحاء البلاد، إحداها التي تواجهها الغوطة الشرقية الآن. وقالت في مقابلة: إن النظام يقود “حملة الحصار والجوع والاستسلام”، منذ سنوات.

وهذا يعني عمليًا أن حكومة الأسد تكثف غاراتها على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، بطريقة تجعل حياة السكان المدنيين غير ممكنة. وتعمد قوات الأسد إلى تدمير المستشفيات والمدارس والأسواق وحتى المساجد، لذلك يكاد يكون من المستحيل على غير المقاتلين أن يأكلوا وجبات منتظمة، أو أن يتلقوا العناية الطبية، أو أن يصلوا إلى ذلك إن أرادوا.

اتّبع الأسد هذا السيناريو في مدينة حلب، بمساعدة روسية وإيرانية، حيث استطاع استعادة السيطرة على المدينة في كانون الأول/ ديسمبر 2016 بعد شهور من الهجمات الوحشية. وتحول المد في صالح النظام، بعد فرض الحصار على المدينة التي كانت واحدة من أكبر وأكثر المدن حيوية في سورية، كما قطع المواد الغذائية والإمدادات الطبية عن نحو 320 ألف شخص. كما أطلق الأسد حملة لتدمير المرافق الطبية بشكل ممنهج، في المناطق التي يسيطر عليها الثوار من المدينة؛ ما أسفر عن مقتل أو إصابة العديد من الأطباء والممرضات الذين كانوا هناك.

وما زال الأسد يواصل استخدام هذه الاستراتيجية اليوم؛ بعد أن وجد أنها فعالة! فالثوار الذين لا يملكون الطعام أو العناية الطبية يفقدون الإرادة أو القدرة على القتال بسرعة، وغالبًا ما يبدأ المدنيون في المناطق المحاصرة بالتعاون مع الحكومة، بهدف إنهاء الحملة فقط. وليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن الأسد سيغير مساره في الغوطة الشرقية.

قالت شانا كيرشنر، الخبيرة في الشؤون السورية في كلية أليغيني: “من الواضح أن النظام السوري قد اتخذ قراره بالبقاء في السلطة، مهما بلغت التكاليف”. وأضافت: “بمجرد أن ذهب النظام في هذا المسار؛ فمن المستبعد جدًا أن يقوم بتعديل قراره”.

الأسد يضع الآن كل تركيزه على الغوطة الشرقية

يجدر التأكيد مجددًا أن النظام حاول منذ سنوات إعادة الغوطة الشرقية تحت جناحه، ويُقال إنه ارتكب جرائم حرب للقيام بذلك. في 21 آب/ أغسطس 2013، على سبيل المثال، شنت قوات النظام هجومًا بالأسلحة الكيمياوية على الغوطة الشرقية؛ أدى إلى مقتل مئات الرجال والنساء والأطفال. وكان واحدًا من أكبر وأفظع الهجمات في الحرب السورية في ذلك الوقت. ومنذ ذلك الحين، واصل الأسد ببطء وبخبث حصار المنطقة.

وكما أخبرتني كافريلا، لم يتمكن الأسد من التغلب على الغوطة الشرقية حتى الآن، لأنه لا يملك عددًا كافيًا من الجنود؛ حيث إن الأسد فقد العديد من قواته خلال سنوات من المواجهة، ولهذا السبب لم يحشد النظام حتى الآن القوات البرية اللازمة، لإجبار حشود الغوطة الشرقية على الاستسلام.

وقالت البروفيسورة في جامعة جونز هوبكنز كارلين: “قد تغيرت الظروف منذ ذلك الحين، الآن يتمتع الأسد برفاهية التركيز أكثر على الجماعات المعارضة المختلفة؛ لأن (داعش) لم تعد تشكل مشكلة عسكرية بالنسبة إلى النظام”. وتذكر أن (داعش) سيطرت على معظم شمال سورية وشرقها. لكن بعد ذلك بعامين، قضت قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة بشكل فعال على ما يسمى “الخلافة” الإرهابية في سورية (والعراق).

وقد أتاح، على نحو ملموس، زوال (داعش) التي كانت تشكل تهديدًا على السكان المدنيين في ذلك الوقت، الوقتَ الكافي للقوات الموالية للنظام للتركيز على الغوطة الشرقية.

وقال “سهيل الحسن” قائد قوات “النمور” الداعمة للأسد، في تسجيل مصور في تاريخ 19 شباط/ فبراير: “إني أعدكم بتلقينهم درسًا في القتال والنار، قولوا لهم لن تجدوا مغيثًا. وإن لقيتموه، فسيتم إنقاذكم بالزيت المغلي.. سيتم إنقاذكم بالنار والدم”.

من الصعب قياس كمية الدمار التي حصلت على الأرض هناك، منذ بدء القتال؛ لأن من الصعب، في ظل هذه الظروف، نقلَ ما يحدث هناك، ولكن المؤشرات المبكرة تشير إلى أنه دمار هائل ويزداد سوءًا.

على سبيل المثال، استهدفت الطائرات الحربية السورية عشرات المستشفيات؛ ما دفع منظمة (أطباء بلا حدود) إلى التصريح يوم السبت بأن قدرة المنطقة على تقديم الرعاية الصحية المطلوبة في أيامها الأخيرة. ولا تستطيع بعض قوافل المساعدات دخول المنطقة لتقديم المساعدات، بسبب الخطر.

كما ادعى ناشطون معارضون للأسد أن النظام استخدم أسلحة كيمياوية، وبخاصة غاز الكلور، في الهجمات الأخيرة التي قتلت طفلًا، يوم الأحد. وقد فتحت منظمة حظر الأسلحة الكيمياوية -وهي الوكالة الدولية لمراقبة الأسلحة الكيمياوية- تحقيقًا في هذا الهجوم. لكن الجمعية الطبية السورية ادّعت، في 25 شباط/ فبراير، أن بعض مرضاهم “يعانون من أعراض تشير إلى تعرضهم لعناصر كيمياوية”.

وهذا أحد الأسباب في مطالبة زعماء العالم بإنهاء سفك الدماء. وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، يوم الأحد: إن “الغوطة الشرقية لا يمكن أن تنتظر، حان الوقت لوقف هذا الجحيم على الأرض”. والمشكلة هي أن ليس هناك مؤشرات إلى أن هذه الظروف الجهنمية سوف تخفف في أي وقت قريب.

من المرجح أن يزداد الوضع سوءًا

نهاية الأسبوع الماضي، ظهر سبب إخفاق السياسة حتى في إيقاف المذبحة في سورية؛ إذ استغرق الأمر ثلاثة أيام لإصدار الأمم المتحدة قرارًا، يدعو إلى وقف إطلاق النار لمدة شهر واحد في الغوطة الشرقية، بسبب الاعتراضات الروسية. وكان ممثل موسكو قد استخدم حق الفيتو في البداية على القرار في 22 شباط/ فبراير، قائلًا إن التقارير التي تتحدث عن وقوع خسائر واسعة النطاق بين المدنيين ليست سوى “ذهان جماعي”. وبدلًا من ذلك، اقترحت روسيا تعديلات تسمح لها وللقوات السورية، بمواصلة استهداف الجماعات المناهضة للأسد.

بيد أن قرار مجلس الأمن الدولي صدر دون تغيير تقريبًا، في 25 شباط/ فبراير. ويطالب “جميع الأطراف بوقف الأعمال العدائية دون تأخير”، ويسمح بتقديم مساعدات طارئة وإجلاء الجرحى.

لكن يبدو أن القرار لم يكن أكثر من كلمات في هذه المرحلة. حيث استأنفت الطائرات السورية قصف الغوطة الشرقية، بعد ساعات من التصويت، وفق ما أكدت جماعات حقوق الإنسان. وعلى الرغم من ذلك، قال بعضهم إن القرار حسن الظروف قليلًا على الأرض. وقال محمد عادل، وهو شاب في المنطقة لصحيفة (نيويورك تايمز) يوم الثلاثاء: إن “القصف أهدأ من قبل فعلًا، لكن لا يزال هناك قصف”.

أثار بعض الخبراء الذين تحدثت إليهم إمكانية قيام أميركا بضربة محدودة على سورية، لمعاقبة الأسد على الهجمات. فقد فعلت الولايات المتحدة شيئًا مشابهًا في نيسان/ أبريل 2017، وأطلقت 59 صاروخ (توماهوك) ردًا على هجوم الأسد الكيمياوي الذي أسفر عن مقتل نحو 85 شخصًا.

وقال الخبراء: إن رؤية صور الأطفال القتلى قد تجبر الرئيس دونالد ترامب على الضرب الآن. واستخدمت السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة نيكي هالي تلك الصور، بعد تصويت قرار الأمم المتحدة، كوسيلة لإدانة سورية وروسيا على أعمالهما. وقالت: “كم عدد الأمهات اللواتي فقدن أطفالهن في هذا القصف؟ وكم عدد الصور التي علينا مشاهدتها لآباء يعانقون أطفالهم القتلى؟”.

ولا يوجد حاليًا أي مؤشر عام على أن ترامب يدرس استخدام القوة. ولم يرد البيت الأبيض والبنتاغون على أسئلتنا، حول الضربات المحتملة ضد الأهداف السورية. وليس من الواضح ما هي الخيارات الأخرى المتاحة -إن وجدت- للمساعدة في وقف إراقة الدماء. وقال كيرشنر: “ليس هناك أي إرادة فعلية لأي تدابير قوية لوقف القتال”. وأضاف: “إن المستقبل قاتم جدًا بالنسبة إلى سورية”.

………………………………………..

عنوان المقالة الأصلي: “Siege, starve, and surrender”: inside the next phase of the Syrian civil war

الموقع: فوكس VOX

كاتب المقال: Alex Ward

تاريخ النشر: 28 شباط/ فبراير

رابط المقال:  https://www.vox.com/2018/2/28/17057736/syria-eastern-ghouta-attack-assad

مقالات ذات صلة

إغلاق