تحقيقات وتقارير سياسية

في ذكرى الوحدة.. الغائبة

كنا في مقتبل العمر، والدنيا غير الدنيا اللاحقة، ذلك الموج الوحدوي الصاعد الذي يكتسح القلوب والعقول، وكأن الأهداف الكبرى بين الأيدي، كأن الأمة التي وجدت نفسها ممزقة ومجزّأة بشكل عجيب تستفيق على وقع جديد، كانت الزعامة الناصرية رأس الحربة، وبيت القصيد، وكان البعث موّارًا بالحماس والاندفاع، والشعب يلتفّ حول ما يقوم به الرئيس عبد الناصر من خطوات لمواجهة المستعمر القديم وبقاياه، فكان تأميم قناة السويس، وفتح ملفات النفوذ الغربي وتواجداته في بلادنا، من الجزائر إلى اليمن، وعديد المناطق، وفلسطين الراية الأكبر، والعنوان.. حالة لم يشهدها الوطن العربي لا من قبل ولا من بعد.

على أرضية مواجهة العدوان الثلاثي، وصمود النظام المصري، والتفاف ملايين العرب حوله.. كانت تلك النقلة النوعية قيام الوحدة الاندماجية بين سورية ومصر، وتدشينها رسميًا في الثاني والعشرين من شباط/ فبراير لعام 1958.

قيل، وكُتب الكثير في حيثيات تلك الوحدة، وأسسها، وفي موقف عبد الناصر الذي لم يكن متحمسًا كثيرًا لوحدة اندماجية، بل حتى البعث الذي كان يضع الوحدة في مقدمة أهدافه لم يكن يعتقد أن الظروف مواتية لوحدة اندماجية، فكان المطروح وحدة اتحادية، عبر خطوات متتالية.. لكن العسكر السوريين هم من فرض قيامها، حين استقل نحو 22 ضابطًا قوميًا، كثيرٌ منهم من المحسوبين على البعث، طائرةً خاصةً دون موافقة وزارة الدفاع، أو رئيس الجمهورية، بهدف لقاء عبد الناصر، والضغط عليه للقبول بالوحدة الفورية.

كانوا مشبعين بالحماس والاندفاع؛ فاستجابوا لجميع شروط وملاحظات عبد الناصر، ومنها عدم تدخل الجيش بالسياسة، وعودة الضباط إلى ثكناتهم، وحل جميع الأحزاب السياسية، فوافقوا، وكان قبول عبد الناصر، فحزب البعث، والبرلمان السوري الذي كان البعثيون يمثلون ثقلًا ضاربًا فيه، وبرئاسة أكرم الحوراني، أحد ثلاثي قيادة البعث التاريخية، وجلّ الأحزاب والفعاليات السورية، في ما يمكن اعتباره عرسًا شعبيًا خارقًا، تمثل بتلك الحشود المليونية التي كانت تستقبل عبد الناصر في أثناء زيارته لبعض المحافظات، وكثيرها يتزاحم لحمل سيارته، وللسلام عليه، ومصافحته، وهو يسحرهم بخطاباته، وشخصيته.

كثيرة الملاحظات التي رافقت تلك الخطوة، والتي برزت كسلبيات فور الانتقال من الحلم إلى الواقع.

إنّ حل الأحزاب، والاستعاضة عنها بتنظيم فوقي جرى الإعلان عنه بقرار من قيادة الوحدة -الاتحاد القومي- كان نهاية لتلك الحياة السياسية الفاعلة في سورية، ولدور الأحزاب في حماية الوحدة، وكشف الأخطاء، والعمل على تصويبها، فقد غزت الانتهازية والنفعية تنظيم الاتحاد القومي، واستبدل التنافس بين الأحزاب، والمعارضة بالصوت الواحد، ضمن مقولة “تحالف قوى الشعب العامل”، ووصلت إلى مواقع القيادة شخصيات متسلقة ضمن خليطة غير منسجمة، كثير منها غير مؤمن بالوحدة أصلًا.

تبع ذلك، أو في أساس النظام الذي قام، إلغاء الحياة الديمقراطية العامة والفردية، وتكريس الأحادية والشمولية، ونظام البيروقراطية بسماته العسكرية ومفرزاته التراتبية الفوقية، والتركيز على الأجهزة الأمنية، والإدارة المعيّنة من قبل الرئاسة الفردية.

إن إلغاء الحياة الديمقراطية العامة، ومصادرة الحريات الفردية تحت مسميات أخرى، كانت منقولة من السائد في التجربة السوفيتية حول النظام المركزي، الشمولي، ووحدة القرار، والقيادة، ودمج السلطات التنفيذية والتشريعية وإلحاقها بالقائد، الحاكم، جمّدت الحياة السياسية في سورية التي شهدت تطورات كبيرة في ظل النظام الديمقراطي الذي عاشته بعد الاستقلال، وأبرز فجوات الممارسة، وعديد التناقضات التي كان زخم الاندفاع يغطيها، ولا يراعي آثارها، ومفاعيلها. ثم الخلاف والقطيعة مع البعث، وملاحقة الشيوعيين، والعمل على تصفية تنظيمهم بعد إعلان معارضتهم للوحدة الاندماجية، فاعتقال كثير من البعثيين، وما عرفه البعث من صراعات داخلية، وتناقضات كان لها أثرها في المرحلة اللاحقة، حين وصل بانقلاب عسكري إلى الحكم.

لم يراعِ نظام الوحدة التفاوتات القطرية بين البلدين، وعديد الاختلافات البنيوية التي راحت تظهر وتتضخم في التجربة والممارسة، وعبر التركيز على ما يعرف بـ “هيمنة المصريين” على الحكم و”الإقليم الشمالي”، وإبعاد الضباط القوميين من سورية إلى مصر، خوفًا من تأثيرهم وحركتهم، الأمر الذي خلق أرضية مناسبة للانقضاض على تلك الخطوة التاريخية، ووأدها.

لقد تضافرت مجموعة العوامل الداخلية لنظام الوحدة بتلك الخارجية لقيام الانفصال، حيث لا يمكن التخفيف من آثار التآمر الخارجي الذي نظر بعدائية شديدة لتلك الوحدة، ومفاعيل نجاحها على صعيد توحيد أقطار الوطن العربي، ومجابهة الصهيونية وكيانها الاغتصابي في فلسطين، والنفوذ الغربي ومحاولاته إلحاق عدد من البلدان العربية بالمحاور والأحلاف التي طرحتها الولايات المتحدة الأميركية -وريث الاستعمار القديم- والتي قاومها عبد الناصر، والقوى القومية بكل فاعلية، عدا عن مواقف الأنظمة العربية القطرية التي ارتعبت من وجود زعامة قومية بديلة لها، ويمكن أن تطيح بها.. فتجمّعت تلك العوامل الداخلية والخارجية لقيام الانفصال في 28 أيلول/ سبتمبر 1961.

كان الانفصال حركة عسكرية هزيلة، قادها من كانوا في بطانة الحكم عسكريًا وفي الاتحاد القومي، وضمن المقربين من المشير عبد الحكيم عامر -نائب رئيس الجمهورية، والمكلف بالملف السوري- دون أن تجد تلك الحركة مقاومة قوية من الوحدويين الذين كانوا كثرًا، عسكريًا ومدنيًا، لكنهم متفرقون، ولا قرار لهم.

بغض النظر عن مدى نضوج تلك الوحدة الاندماجية، وتوفر عوامل نجاحها، وعن التسرّع والاندفاع، أو أثر النظام الشمولي الأحادي في القضاء عليها، ومجموع السلبيات التي رافقتها، فإنه مع نهايتها لم تقم للوحدة قائمة من أيامها، على العكس من ذلك؛ فالنظم القطرية التي ترسّخت بعد الانفصال، وتدشين ما يعرف بـ “عصر الردة” في مصر، بعد الرحيل المفاجئ للزعيم عبد الناصر، وانقلاب الأسد “التصحيحي”، قد شطبت الوحدة من جدول الأعمال فعليًا، وحوّلت الشعار إلى وسيلة تثبيت الأنظمة، وإلى استخدام الشعار تكتيكًا فيما بينها، لتمرير صفقات وسياسات معادية في العمق لأهداف الأمة وقضاياها الرئيسة. ولهذا فمشاريع الاتحاد الثلاثي، والرباعي، وبعض الأشكال التي قامت، كـ “الاتحاد المغاربي” بين بلدان المغرب العربي، و”مجلس التعاون العربي” الذي شمل العراق ومصر والأردن واليمن، جميعها آلت إلى الفشل والتذرية، ولعل “مجلس التعاون الخليجي” هو الوحيد الذي استمر حتى الآن، رغم الأزمة العميقة التي يشهدها منذ أشهر، بفعل ما يعرف بالخلاف مع قطر، وعجزه، بالأساس، عن تطوير عمله عبر خطوات تكاملية.

اليوم، ومن خلال ثورات الربيع العربي وما أبرزته من نزوعات داخل كل بلد، وقوة الثورات المضادة التي تعمل على تشويه تلك الثورات ووأدها، وتحميلها مسؤولية حالة التشتت التي يعيشها الوطني العربي، والمخاطر الحقيقية في تقسيم البلدان القائمة، أو تشظيها على أكثر من أساس، ليس العامل المذهبي والعرقي والتكويني سوى بعض إفرازاتها، فإن الوحدة العربية بأبسط صورها، بما فيها أشكال تنسيقية أو توحيدية على صعيد الاقتصاد، وغيره.. باتت حلمًا بعيد المنال، ويصطدم أساسًا بهشاشة معظم الأنظمة القائمة، وعجزها عن حل إشكالاتها الداخلية، ناهيك عن صدقيتها الوحدوية، ومدى تبعيتها، وارتهان قرارها الوطني.

هنا تحضر فلسطين الضحية الأكبر لهذه التحولات، ولفشل النظام العربي في إسناد حقوق الشعب الفلسطيني، ولو بالحد الأدنى الذي كرسته مجموعة قرارات الشرعية الدولية، كالدولة المستقلة وعاصمتها القدس، وما تواجهه القدس من تهويد شامل.

مع ذلك، ومع وعي هذه المتغيرات، ومخاطر التحديات القائمة على الكيانات القائمة، وقابلية عدد منها للانفجارات الداخلية، وللعب بأوضاعها، فإن الأمة العربية التي عرفت في تاريخها المديد أشكالًا مختلفة من الاحتلالات، والتشظي، ستكون قادرة على تجاوز المفتعل من أزمات مفروضة، والانتصار على عوامل الضعف، والتمزق فيها؛ لأن ذلك يستجيب لمقومات الحياة فيها، ولإرادة الأغلبية الساحقة من شعوبها.

الأكيد أن تكريس الديمقراطية، نظامًا وحياة وعلاقات، واحترام الإنسان وحريته في التعبير والرأي، واختيار ممثليه، ونظامه عبر انتخابات نزيهة، وتكريس حقوق مختلف المكونات الإثنية والدينية والمذهبية وغيرها، سينقل الأمة من حال التشظي إلى التفكير بالمصالح العليا لها، وهي التي تستوجب أشكالًا من الاتحادات التي تلبي حاجاتها للتطور، وتلبية مصالح شعوبها.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق