تحقيقات وتقارير سياسية

لماذا فشلت النخب السياسية السورية؟

 

فشلت النخب السياسية السورية، منذ نحو ثماني سنوات حتى الآن، في قيادة الثورة السورية، ثورة الحرية والكرامة، كما فشلت قبل ذلك، في مراحل طويلة من تاريخ سورية الحديث، في الإمساك بدفة السياسة في الواقع السوري، ومما لا شك فيه أنها لا تتحمل وحدها مسؤولية مباشرة لما آلت إليه أوضاع السوريين، فالاستبداد والقمع، والعسكريتاريا التي سادت في العقود المنصرمة، وسيادة الدولة الأمنية على كل شيء، كلها أمور ساهمت بشكل مباشر في إلغاء السياسة من المجتمع، كما ساهمت في تحجيم دور النخبة النظيفة والشريفة، لتحل محلها نخب انتهازية وصولية. والحقيقة أن كل ذلك وعوامل أخرى ساهمت في إيصال الواقع السوري إلى ما هو عليه اليوم، بكل تأكيد. عن هذه المسألة، طرحنا السؤال على شخصيات فكرية وسياسية وأساتذة جامعات، لنقف على آرائهم في أسباب فشل هذه النخب؟ وماذا ستترك من نتائج؟

خضر زكريا، أستاذ علم الاجتماع في جامعات الدوحة، قال لـ (جيرون): “قامت الثورة السورية بشكل عفوي، كنتيجة لتراكم الفساد واستفحال الاستبداد؛ ما أدى إلى تعاظم نقمة الشعب على النظام الحاكم. وما إن نشبت ثورات الربيع العربي في تونس ومصر؛ حتى وجد السوريون أن أمامهم فرصة للمطالبة بالحرية والكرامة، فبدأت الاحتجاجات وتوسعت حتى شملت جميع أنحاء سورية، دون أن تتكون قيادة فاعلة للحراك الثوري. كانت النخب السورية مقموعة في السجون أو مشتتة أو مشردة في بقاع الأرض المختلفة، طوال أكثر من أربعين عامًا من حكم آل الأسد. ولذا لم يكن من السهل تكوين قيادة موحدة وكفؤة للثورة. فضلًا عن عوامل أخرى عديدة، تمثلت في الوحشية التي واجه بها النظام الشعب الثائر، وفي تدخل قوى متطرفة، سواء من إيران وميليشياتها، أم ممن جاؤوا من أماكن أخرى عديدة باسم الدفاع عن الإسلام”. وتابع: “عملت القوى الدولية الكبرى وبعض القوى الإقليمية على استغلال الوضع الناجم عن الثورة السورية، لتحقيق مكاسب سياسية أو استراتيجية في المنطقة، بمحاولة جذب بعض النخب السورية بالوعود والإغراءات المختلفة، لكن الشعب السوري، ونخبه السياسية، يتعلم من التجربة، والثورة السورية ماضية نحو تحقيق أهدافها رغم كل العقبات والصعوبات. الثورات الكبرى، كالثورة السورية، تنتصر في النهاية. هكذا يعلمنا التاريخ”.

أما الباحث وأستاذ علم الاجتماع طلال مصطفى فقد قال لـ (جيرون): “توقفت النخب السياسية السورية عن القيام بدورها السياسي الفاعل، إثر انقلاب البعث 1963، إذ اتجه البعث باتجاه تجربة الدول الاشتراكية، ولا سيما الاتحاد السوفيتي، الدولة التي لا تؤمن بوجود النخب السياسية والتعددية الحزبية، حيث الحكم لدكتاتورية البروليتارية، الطبقة التي تمثل مصالح أغلبية المواطنين، مع أنه على أرض الواقع، ظهرت طبقة أصحاب الامتيازات الكبرى التي تحظى بها الأطر العليا للحزب والدولة، الشيء الذي يجعلها طبقة مستقلة عن الطبقات الاجتماعية الأخرى، وهذا ما حصل في سورية، وبخاصة بعد انقلاب الأسد الأب عام 1970، حيث أصبح حزب البعث، الحزبَ القائد للدولة والمجتمع بقوة القانون، من خلال دستور عام 1973 في المادة الثامنة التي تتنافى مع أبسط المبادئ الديمقراطية، حيث أصبح المواطن السوري غير البعثي من الدرجة الثانية، فهو محروم من النشاط السياسي، ومن حق الترشح للعديد من المناصب، ابتداء من منصب رئيس الجمهورية إلى قائد فرقة في طلائع البعث، ومارس سياسة الاحتواء للأحزاب السياسية في تلك المرحلة؛ إما ترغيبًا أو ترهيبًا، فأبدع لهم (الجبهة الوطنية التقدمية)، حيث تحولت أحزابها إلى منظمات سياسية رديفة لحزب البعث”. وأضاف: “بعد موت الأسد الأب؛ كانت النخب السياسية قد أزيحت من الساحة السياسية، إما بالسجون أو بالصمت خشية الاعتقال، أي أصبحت سورية متصحرة سياسيًا من النخب السياسية السورية، لذلك سارت عملية التوريث بخطى طبيعية، من قبل حثالة من السوريين السياسيين الفاسدين، في الدوائر العليا للنظام السياسي (أعضاء مجلس الشعب وأعضاء القيادة القطرية). وجاءت الثورة السورية عام 2011 لتكشف نتائج هذا الغياب المطلق للنخب السياسية في سورية، حيث كان عماد الثورة الشباب السوري الذي ينقصه الخبرة في العمل السياسي، غير المؤطر في أحزاب سياسية سابقًا، لذلك كان من السهولة توجيه البعض منهم باتجاه تنظيمات أصولية مسلحة من قبل النظام وأطراف خارجية، بعيدة عن أهداف الثورة، بالانتقال من نظام الاستبداد نحو نظام ديمقراطي تعددي”. ثم قال: “كشفت الثورة عن التشوهات السياسية والأخلاقية، لبعض  الشخصيات التي صدرت نفسها، كنخب سياسية معارضة وقادة للثورة، فلم تستطع الخروج من كونها شخصيات تسلطية بالجوهر فكرًا وممارسة، لم تستطع الخروج من عباءة ثقافة النظام الاستبدادية، ينقصها الخبرة والالتزام والصدقية، فقد تبين أن أغلب الهيئات السياسية التي تشكلت، على أثر الثورة، ينقصها الكوادر السياسية الفاعلة والمؤثرة في المجتمع، المؤهلة سياسيًا وإداريًا وتنظيميًا لممارسة المعارضة السياسية وقيادة الثورة، وهذا الأمر طبيعي، في ظل تصحر سياسي من النخب والأحزاب السياسية، مدة خمسين عامًا من حكم البعث. أثبتت تجربة الثورة السورية عام 2011 الحاجةَ الماسة إلى ضرورة تبلور النخب السياسية المتعددة والمتنوعة اجتماعيًا وسياسيًا، لبناء الديمقراطية والسير باتجاه بناء مجتمع تعايشي ومتنوع سياسيًا واجتماعيًا، يحافظ على السلم الاجتماعي، من خلال الحكم التداولي للسلطة السياسية.

هذه النخب السياسية السورية لا يمكن أن تنجح في مهماتها ووظائفها، إلا إذا كانت نخبًا مثقفة ومبدعة، تحمل في برامجها المصلحة الوطنية السورية، قبل المصلحة الشخصية، بمعنى آخر: لا يمكن للنخب السياسية أن تكسب قيمتها الاجتماعية، إلا إذا كانت بوصلتها سورية أولًا”.

الكاتب أيمن أبو هاشم قال لـ (جيرون): “هناك مشروعية في القول إن النخب السياسية فشلت في قيادة الثورة السورية. وأتفق أكثر مع من يرى أن هذه النخب لم تسع أصلًا على نحو جدي، ليكون لها دور أساسي في قيادة الثورة، ومن يتصدر مؤسسات الثورة والمعارضة هم أشخاص يفتقرون إلى مواصفات قيادية تؤهلهم للعب هذا الدور، وأسباب هذه الأزمة عديدة، لكن من أهمها: الإرث التقليدي الذي ورثته هذه النخب من أنظمة الاستبداد قبل الثورة، كنخب كانت تعتقد بأن ما تملكه من أدوات سابقة في معارضة النظام يصلح تبنيه والعمل بموجبه في زمن الثورة، ولأنها ركزت كعادتها على خطاب سياسي وإعلامي، دون البحث في كيفية إيصاله والتفاعل حوله، مع الفئات المتلقية لهذا الخطاب، بمعنى أوضح: غاب البرنامج العملي التثويري ضمن رؤية مؤسساتية واضحة، حتى المؤسسات التي قامت في زمن الثورة لم تعكس المضامين الديمقراطية في علائقها الداخلية، وبقيت تعبّر عن نزعات النخب المسيطرة على قرارها، ولم تخرج من دائرة التجريب والارتجال والخشية من التغيير”. ويرى أبو هاشم أن “المشكلة في عقلية النخب نفسها، وفي استمرار أمراضها من انغلاق فكري وإيديولوجي، وإعلاء الانتماءات الحزبية والمصالح الشخصية، على مهام تطوير مشروع وطني يعبر عن المصلحة الوطنية العليا ومهام الثورة، وفي مقدمتها إسقاط النظام، وخلق البدائل القادرة على إعادة بناء الدولة الوطنية. واليوم الشعب السوري الذي ضحى بالكثير، ولا يزال، هو من يتحمل نتائج فشل هذه النخب، وقد أصبحت أزمة الثقة بينه وبينها كبيرة، وهذا لا يعني تجاهل أثر تدويل وأقلمة الصراع على هذه العلاقة، ولكن تعقيدات الصراع كشفت بدورها هشاشة النخب وفواتها، على صعيد بناء وتطوير العامل الذاتي، وهذا يتطلب بحثًا جديًا في إعادة تعريف مفهوم النخبة، وتعريف دورها ومسؤولياتها في ظل الأوضاع والتحديات الراهنة.

الكاتب والباحث السوري منير شحود قال لـ (جيرون): “اجتمعت العديد من العوامل في تلك الصدفة التاريخية أو الانفجار المفاجئ الذي جعل من الحدث السوري استثنائيًا، بقدر ما هو مأسوي، ومنها موضوع فشل النخب في تبني أهداف الثورة وقيادتها؛ بسبب الموت السياسي للمجتمع، وعدم وجود معارضة وطنية مدعومة شعبيًا جراء القمع المتواصل، كانت الكوادر المعارضة مجرد أشخاص مناضلين غير ممأسسين، بل على هيئة جماعات لها قادتها، كنسخ مصغرة عن النظام ذاته، وكانوا بعيدين عن الثورة بالفعل، وبالتالي غير مؤهلين لقيادتها وهي في أمس الحاجة إليهم، لا بل أنهم صاروا عبئًا عليها ويتغنون بها فقط، لتوصلهم إلى كراسي السلطة. أما المؤسسات التي شكلها هؤلاء، فقد كانت مغتربة عن أرض الواقع ووجدت ضالتها في الاحتضان الإقليمي خاصة، وأضحت مرتهنة -وما زالت- لمصالح هذه الدول”.

وأضاف شحود: “بسبب القمع وتوجيه ثقل المعارضة نحو الخارج؛ تم ملء الفراغ من القاع الشعبي الحاضن للثورة ذاته، وصار القادة هم (زكرتاوية) الحارات الشعبية، وقد أخذوا بشعارات الأسلمة والدعم المالي، فمن لم تفسده هذه أفسدته تلك. في هذه الأثناء، غابت شعارات الثورة وصارت أرض سورية مسرحًا لحرب متعددة الأطراف، تنتظر توافقات دولية متعثرة. الحديث الآن عن النخب صار ترفًا، ولا بد من وقف الحرب حتى تعود الحياة للمجتمع، وتتوفر حرية التعبير عن الرأي، وما يستتبع ذلك من ظهور كوادر قيادية ذات طبيعة مختلفة ومن أجيال جديدة.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق