هموم ثقافية

أضلاع الكتابة اللامتساوية

 

الكتابة عن الكتابة تكاد تتجاوزها كفعل، من حيث الكم، فكم هي كثيرة تلك الكتابات التي تحتفي بها، أو تتحدث عن فعلها وقوّتها الإغوائية، كما لو أنها كيانٌ قائم بذاته أو شخص يمكن الدخول إلى خصاله وأفعاله ومراميه الظاهرة والمستترة، وبالتالي؛ نحن أمام كائن آخر له من الصفات ما لنا، أو على الأقل، هؤلاء الذين نظروا إليها كأحد آخر شفاف، لا يأتي الحديث معه كآخر ضمن الأنا، وإنما ضمن الموضوع الذي يتجاوز الذات والمرايا التي تعكس وجوهنا. وما حديثنا معها إلا مونولوج باحث عن نقطة متخفية، تتطلب مواجهتها شجاعة مضاعفة. هنا الكتابة أشبه بملاحقة السعادة، بما يرد في مقالٍ لـ جورج بولي عن ستندال؛ إذ يعود المطارد بنجاحات صغيرة، هي ليست السعادة، لكنها التجارب اللذيذة التي منحت الكائن طمأنينة مؤقتة. وفي المحصلة، هي ليست ذاتًا في وجودها، إنما البحث فيها يبدو ذاتًا غائبة أو موجوعة، كما في حالتنا هنا عن الكتابة، وملاحقتها بالحديث عنها -كذات- بدلًا من الكتابة فيها عن مواضيع أخرى، قد تكون السعادة منها، وقد تكون القضايا الجوهرية أو حتى الهامشية أو الشخصية البحتة، التي لا تتعالق –ربما- مع الآخرين، بوصفهم مجموعًا يسند فكرة المحيط، أو الهامش الحقيقي الذي بدوره يسند المتن.

في العملية الرياضية، يمكن القول مثلث متساوي الساقين، ومتساوي الأضلاع، ومختلف الأضلاع، ويمكن القول أثافٍ ثلاثٍ، وأقانيم ثلاثٍ، وأيًا يكن من حال الأضلاع، اختلفت أم تساوت، وأيًا يكن من حال الأثافي، صغرت أم كبرت، كذلك الحال بالنسبة إلى الأقانيم في تبادل الأهميات، فإننا لا نقوى على إهمال الثلاثي هنا كوحدة موضوعية وفاعلة.

وفي العلاقة مع الكتابة، يمكن تبين ثلاثي أهمية، أو ثلاثي شرط، يتغير من شخص منتج إلى آخر، ويمكن لهذا الثلاثي ألا يقتصر على كونه ثلاثيًا، ليتجاوز إلى ما هو أبعد، لكن بما أنني هنا عنونت بـ “أضلاع الكتابة اللامتساوية“؛ سيتوجب ذكر النقاط الثلاثة، بوصفها مهمة من زاوية شخصيةٍ على الأقل، خاصةً إذا نظرت إلى ذلك من مساحةٍ ليست ضيقةٍ وإنما رحبة للغاية؛ إذ هنا ما يرتبط بالثورة والحرب والتشظيات في الثنائيات، والأهم الاستثمار في الأمزجة وانتماءات الإنسان، الحقيقة منها والوهمية، تلك التي يعمل عليها أناسٌ مفلسون، للتدليل على وجودهم وكينونتهم في زمن ديدنه الصراع، وبلا هذا الصراع سيكون الوجود نافلًا وقليل بريقٍ، ولا بد هنا من حجر (الثورة) الكريم المشع، للاحتكاك به، والتموضع من جديدٍ داخل دائرة الضوء والأهمية.

الصدقية:

الكتابة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أي قبل مقولة “أعذب الشعر أكذبه”، تنحاز إلى المجاز، وما الانزياح إلا مفهوم ضابط ودقيق، لما كان كنايةً، وعندما يقول هيدغر بمجانبة المعنى الحقيقي للمفردة، فهو يخلصها من حالتها الوظيفية، لتنفتح بتموضعاتها، على التأويل والرحابة والتأمل، سواء أكان ذلك في الجمالية التي تفترضها هندسة الكتابة وانتظامها في دوالها، أم في الأهداف والفكرة ووسط التلقي الذي ترومه في المعنيين: الواضح، أو الذي قتل بقتل معقولية المفردة. وهنا لا يمكن بحجة قتل السطحي والعام أنْ يتم قتل الصدق أو المعرفة الجوانية، المشكلة أساسًا نتيجة حس أخلاقي، قد يكون ناشئًا من جوهر الإنسان الفاعل والمبدع، الإنسان المتحسس لأهميته وقدرته على البناء لا الهدم، فالهدم من شأن إنسان الحرب، لا من شأن الإنسان الكاتب المتأمل؛ إذ “إن الإنسان لا يستطيع معرفة ما لا يمكن حسابه، أي أن يصونه في حقيقته، إلا انطلاقًا من مساءلة خلاقة وقوية تستمد من فضيلة تأمل أصيل”.

الصدقية الفنية/ الكذب:

تتداخل الثلاث، تصبح المسافات واهنة، فالصدق في المعرفة والتجربة وأصالة تحصلهما، يكاد أن يحضر بقوةٍ في الفنية وشؤونها، وإذا كنا نقول عن التزويق والتنيق وذهاب المفردة إلى غير معقوليتها، فالفني هنا، بالجهد الذي تطلبه، اقتضى احتراقًا والتزامًا ومنعةً أمام العادي، وبالتالي هو خلص المفهوم من السلبية والعماء، وكذلك من “الشعبية” المقتربة من حدود الشعبوبة والأيديولوجيا؛ إذ يكفي لقارئٍ عادي أو كاتبٍ يتسول الثورة -كما يحدث في سوريا تحديدًا- أن يرى في نص يداور موضوعه، أو لعله يموهه، بحيث يقرأ كمادةٍ لها حظوظ في الاستمرار والمداومة والمنعة، بأنه كتابة مطلسمة أو “مقعرة”، كونها تتجاوز قراءاته المتوقفة عند الشعارات والخطابة. الكذب في الاشتغال على الكتابة واردٌ، مرحبٌ به، أما الكذب في جوانية الكتابة ومادتها الخام هو ما يقبل المشاكلة ومساءلة منتجها عن جدواها من عدم جدواها.

الثورة/ القضية:

الثورات -كما يحكى فنًا- “تغير العادات”، وهذا التغير المنسحب على الشعبي بمعناه في الشارع والهتاف والآمال والأحلام، لا بد ينوش بنية الإنسان النفسية والوجدانية، ويجعله -في لحظةٍ تاريخيةٍ- أقرب إلى روحه وروح الآخرين الذين شاركوه الأحلام، وهو بهذا، إذا كان منتجًا إبداعيًا، تنفتح شهيته على القول، وهو قولٌ مختلفٌ في البداية حين لا يحدد الشارع المتحول ماهية من يشغله بالهتاف الذي يقترب من الصرخة، وسرعان ما يحدد كل من هؤلاء زاويته، كذلك يحدد الكاتب زاويته، ويتخلص من وضوح الصرخة في صوته وسلوكه، ويصبح أقرب إلى فكرة خلود فكرته بمعطاها الفني الذي غيمها وجعلها مقروءة في جمالية الكتابة للكتابة أولًا؛ ومن ثم الاشتغال في الكتابة وليس عنها. الكاتب ليس مخبّرًا ولا مخبِرًا (بتشديد الباء وكسرها).

الكتابة توصف كقضية، مثلها مثل قضايا كبرى، جماليتها أنها لا تحتاج الكتابة عنها بوصفها قضية، وهي تجعل الكاتب في حلٍ من ذلك العبء الذي تحمله القضية للإنسان عادة. وما تسول بعضهم الثورات والقضايا، إلا عدم فهمٍ لجوهر الكتابة، الكتابة في قدرتها على القول عن الأشياء مجتمعة، ومحوزة الصدمة والدهشة، وهي رصاصة أخرى تصوّب إلى الدريئة، محققةً إصابةً بالغةً.

مقالات ذات صلة

إغلاق