أدب وفنون

من حمار إلى مدير عام

 

قرر أبو حامد أن يذهب إلى المدينة لشراء لوازم العيد. فعقد جلسة مشاورات مع أم حامد، وكتب قائمة بالمشتريات التي ينبغي ابتياعها، ثم مضى إلى حاصل القمح، فعبأ كيسًا ليشتري بثمنه ما يريد، وبات ليلته جاهزًا. وفي صباح اليوم التالي نهض باكرًا وحمّل كيس القمح على ظهر حماره بوعرقوب، وانطلق يمنّي نفسه أن يصل إلى المدينة، دون أن تعترض طريقه إحدى العصابات المسلحة التي انتشرت هذه الأيام، في طول البلاد وعرضها. وبعد مسير أكثر من ثلاث ساعات، أصبح على مشارف الحاجز الذي يتولّى تفتيش الداخلين إلى المدينة والخارجين منها، بغية التأكد من انتماءاتهم الوطنية. تفحص أوراقه التي عليه أن يبرزها إلى الجنود على الحاجز لإثبات حسن نيته، فأسقط في يده؛ إذ لم تكن الهوية الشخصية بين الأوراق، وعلى ذلك؛ لا يمكنه الدخول إلى المدينة دونها. وهكذا تنحى جانبًا بالقرب من الحاجز، وعقد جلسة مشاورات مع حماره “بوعرقوب”:

– والله إنها ورطة يا “بوعرقوب”. ماذا سأفعل الآن؟ أنت حمار تستطيع المرور دون مساءلة، أما أنا فكيف يمكنني أن أمرّ؟ لو كنت حمارًا مثلك لهان الأمر، لكنني للأسف عليَّ أن أبرز هويتي. لا أدري ما جدوى هذه الإجراءات.

كان “بوعرقوب” في هذه الأثناء يهرس بعض الأعشاب النابتة على جانبي الطريق غير عابئ بهموم صاحبه المستجدة، وحين رآه أبو حامد على هذه الحال من اللامبالاة، تابع قوله:

– كأنك لست معي يا “بوعرقوب”، وكأن الأمر لا يعنيك.

في هذه الأثناء، دخلت ذبابة خيل تحت ذيل الحمار وقرصته، فرفس رفسة قويّة أدّت إلى وقوع الكيس عن ظهره، فأدرك أبو حامد أن عليه أن يترك حماره هنا بحراسة الكيس، وأن يعود إلى الضيعة لجلب هويته. فقال لحماره:

– اسمع يا “بوعرقوب”. لن أتأخر كثيرًا، عليك أن تبقى هنا وعيناك عشرة على عشرة. أولاد الحرام كثر، ربما غافلوك وسرقوا الكيس، وعندئذ لن نتمكن من شراء ثياب للأولاد وحلويات العيد. أنت هنا بجانب الحاجر في مأمن من اللصوص والعصابات المسلحة. فإذا شعرت بشيء؛ فما عليك إلا أن تستنجد بجنود الحاجز، وسوف يخفّون لنجدتك سريعًا. ومضى مسرعًا تاركًا “بوعرقوب” في حراسة الكيس.

………..

كان جنود الحاجز يراقبون أبا حامد، فما إن انصرف حتى أخذوا الكيس وأمسكوا بالحمار، وبعد مداولات فيما بينهم، عقدوا العزم على بيع القمح، أما الحمار فقد أشار أحدهم بذبحه وسلخه، مؤكدًا لزملائه أن لحم الحمير يدفع الخمول والكسل، ويجعلهم في حالة تيقظ كامل تساعدهم على القيام بمهماتهم خير قيام.

وحين أحضر أبو حامد هويته وعاد؛ وجد أن حماره والكيس في خبر كان، فتبادر إلى ذهنه أن يسأل أحد جنود الحاجر عن الحمار، ولما رآه العسكري على هذه الحال من السذاجة، قال له:

– حمارك الصليبي الأبيض؟ قال له: أجل. قال له العسكري:

– لقد أصبح حمارك بقدرة قادر مدير عام مؤسسة الأعلاف. استغرب أبو حامد. قال:

– كيف حدث ذلك!؟

– لقد أحيل المدير السابق إلى التقاعد، وأخذوا يبحثون عمن يحلّ محله، فأعجبتهم هيئة حمارك الصليبي، وتوسموا فيه خيرًا، وعينوه في المنصب الجديد.

دخلت القصة في رأس أبي حامد، فتوجه من ساعته إلى مؤسسة الأعلاف، ودخل مكتب المدير العام ملهوفًا. فسأله رئيس المكتب عن غرضه وسبب لهفته، فأوضح له أنه جاء يسترد حماره. ذهل رئيس المكتب:

– أي حمار؟

– الحمار الذي في الداخل.

– عن أي حمار تتحدث؟

– لا تلف وتدور، لقد عيّنوا حماري “بوعرقوب” مديرًا عامًا لمؤسسة الأعلاف، من دون موافقتي، وأنا الآن بصدد استرداده، فلا يمكنني الاستغناء عنه.

وجدها رئيس المكتب فرصة للتفكّه، فدخل إلى المدير العام يخبره بقصة هذا المجنون، فأمر المدير العام بإدخاله. وما إن دخل أبو حامد إلى مكتب المدير العام، ورآه يتصدر مكتبه حتى بادره:

– ما شاء الله عليك. سبحان من علمك الجلوس على الكرسي وراء المكاتب. فقال له المدير العام:

– سبحانه تعالى. هل تعرفني أنت من قبل؟ قال أبو حامد:

– وتتجاهلني؟! هكذا بمجرد أن أصبحت مدير عام، نسيت الصحبة يا “بوعرقوب”؟ نسيت العلف الذي كنت أقدمه لك مع كمية وافرة من العليق؟ فأجابه المدير العام:

– اشرح لي القصة من بدايتها حتى أفهم. فقال أبو حامد:

– هل نسيت، عندما تركتك جانب الحاجز مع كيس القمح، وذهبتُ كي أحضر الهوية؟ وأوصيتك أن تكون عيناك عشرة على عشرة، لكيلا يسرقوا كيس القمح من بين يديك؟ لقد استغلوا غيابك وسرقوا الكيس، انبسطت؟ فقال له المدير العام:

– لا والله، لم أنس. لقد تذكرت. كلامك صحيح. أنا حمارك الذي كنت، ولكنني سأدفع لك الآن  ثمن حمارك وثمن القمح. فلم تعد تعجبني هذه “الحمرنة”.

مقالات ذات صلة

إغلاق