تحقيقات وتقارير سياسية

سورية بين خالد العظم وجمال عبد الناصر: ستون عامًا على الوحدة

في 22 شباط/ فبراير 1958، تراكض العسكر السوريون ووراءهم السياسيون اللاهثون إلى القاهرة؛ ليطلبوا من النجم العربي الصاعد يومذاك جمال عبد الناصر أن يحكمهم، في وحدة اندماجية وحّدت الحكومتين والبرلمانين والجيشين، ولكنها لم توحّد الشعبَين. اليوم، بعد ستين عامًا، لا يزال سؤال الوحدة قائمًا: لماذا رمى قادة سورية في ذلك الحين أنفسهم في أحضان دكتاتور، كانوا يعرفون سلفًا أنه سيلغي الأحزاب السياسية والدستور السوري والصحافة السورية، ويعطي الكلمة العليا للمكتب الثاني بدل البرلمان.

يرى القوميون أن الوحدة تحققت، لأنها مطلب جماهيري للشعبين العربيين في البلدين. أما الماركسيون فقد طوروا نظرية، مفادها أن البورجوازية السورية سارعت برمي نفسها في أحضان الرئيس المصري جمال عبد الناصر، خوفًا من تزايد خطر الشيوعية في سورية. على أن ثمة من يرى أن سبب الوحدة كان في مكان آخر، لدى رجل وديع، مسالم، بنظارات طبية، اسمه خالد العظم.

في الوقت الذي كانت القوى الإقليمية والدولية تتصارع على جذب سورية، كلٌّ إلى طرفه. وفي الوقت الذي كان حزب الشعب والرأسمالية الحلبية والهاشميون يحاولون تحقيق وحدة سورية مع العراق المدعوم من بريطانيا، وكان الحزب الوطني والرأسمالية الدمشقية يقفان في وجه ذلك التيار، ويشدّان سورية أكثر باتجاه الحلف المصري-السعودي، المدعوم من أميركا، ظهر خالد العظم بمفهوم اسمه سورية، باعتبارها وطنًا للسوريين، وباعتبارها بلدًا مستقلًا كامل السيادة. ومن أجل ذلك كان همّ العظم هو تحقيق الاستقلال الاقتصادي للبلد، بعد الاستقلال السياسي. من هنا نفهم استراتيجية العظم في العلاقات مع لبنان والسعودية وفرنسا، وأهم من كل ذلك الاتحاد السوفيتي، الذي رأى فيه إمكانية لتنمية اقتصادية حقيقية، تؤدي إلى زيادة الدخل القومي زيادة تجعله قادرًا على مواجهة النفقات وإيجاد موارد جديدة للدولة. ومن هنا نفهم حرصه على بناء مرفأ اللاذقية والسكة الحديدية والإصلاح النقدي.

هذه الرؤية كانت خطرًا على جميع اللاعبين الأساسيين في الداخل والخارج. فالقوميون والبعثيون والاشتراكيون العرب كان هاجسهم تحقيق الوحدة العربية الكبرى؛ والهاشميون كانوا يريدون وحدة مع العراق والأردن؛ وكان طموح القوميين السوريين وحدة الأمة السورية في سورية الكبرى؛ أما العسكر والمرتزقة من السياسيين وقادة الانقلابات، فكانوا يميلون مع التيار، ومع مصالحهم الخاصة، حيثما مال. على أن العظم لم يكن ليشكل خطرًا جديًا كبيرًا، رغم الشعبية التي كان يتمتع بها في دمشق، لأنه كان دائمًا لاعبًا فردًا. الخطر جاء عندما قرر خالد العظم تشكيل حزب سياسي، يضم فئات واسعة من البورجوازية المدينية الإسلامية-المسيحية، على امتداد سورية. وكانت المبادئ العامة للحزب تقوم على “التقدمية المتئدة والتطور الاجتماعي، الذي يضمن رخاء الطبقات (…) عن طريق وضع مشاريع زراعية وصناعية وعمرانية ضخمة، تزيد في الإنتاج القومي”. أما الأشخاص الذين كانوا سوف يؤسسون نواة هذا الحزب، فهم رجال لا يرقى إليهم الشك من ناحية كفاءتهم ونزاهتهم وحسهم الوطني، من مثل هاني السباعي، وجورج شلهوب، ورئيف ملقي، وأسعد المحاسني، وهاني الريس.

هنا استحال الخطر الفردي إلى خطر جماعي قادم من حزب سياسي منظم قائم على مبادئ وقواعد وبرامج محددة، ويقوده -إضافة إلى العظم- ثلّة من أهم رجالات سورية في ذلك الوقت. وهذا هو الخطر الذي دفع برجل مثل شكري القوتلي، ومن يمثلهم من فئات اجتماعية واسعة، يقبلون بوحدة مستعجلة مع مصر. وهكذا، من دون أن يقصد، دفع خالد العظم الذي كان يعمل من أجل مفهوم سورية كوطن للسوريين، إلى خسارة سورية كوطن.

لم يألُ العظم جهدًا في بذل كل ممكن للحفاظ على كيان سورية في إطار اتحاد فدرالي، وطالب ببقاء الأحزاب، وبقاء دولة الوحدة دولة برلمانية تحد من صلاحيات الرئيس، على الطريقة السورية، لكن جهوده العقلانية ذهبت سدى، تحت أقدام البعثيين والشعبويين والعسكر الذين طغت عواطفهم على عقلهم، فارتموا في أحضان الرئيس الأسمر الشاب، فقط ليتنقضوا هم أنفسهم على نظام الوحدة، بعد 38 شهرًا، أمضاها العظم في بيته، منكفئًا ومكتئبًا وشبه سجين، حيث لم يسمح له بمغادرة سورية حتى يوم 27 أيلول/ سبتمبر 1961. ويصف العظم السنة الأخيرة من عهد الوحدة بشكل خاص، بأنها كان “كابوسًا ثقيلًا”. ويضيف أن موظفي المخابرات كانوا “يختلقون وسائل الضغط المعنوي عليّ. فتارة يحولون دون دخول أصدقائي إلى داري، أو يرسلون من يهددهم ويخيفهم من الاستمرار على ذلك. وتارة كانوا يبعثون بدراجة نارية يركبها اثنان من عملائهم، أو بسيارة محشوة برجالهم، لتلاحق سيارتي وتلامسها، حتى تكاد السيارتان تتصادمان”. بيد أن أسوأ ما تعرّض له خالد العظم، عندما حجزت السلطات على منزله وأثاث بيته، فاشتد الخناق عليه، لدرجة أنه عندما سمح له أخيرًا بالذهاب إلى لبنان، شعر كأنه خلق من جديد، وفق تعبيره. وقال لنفسه: “لا شيء أعز من الحرية. ولو كان المرء فقيرًا معدمًا، (فإنه) يكفيه غنى أن يكون حرًا”.

نام تلك الليلة نومًا هادئًا ومديدًا، ليصحو في اليوم التالي على خبر فصل الوحدة بين سورية ومصر. انهمرت الدموع من عينيه -كما يقول- عند سماعه النشيد السوري الذي “حرمنا من سماعه ثلاث سنوات”، وحزم حقائبه ليعود إلى بلده، ولكن ذلك لم يكن بالأمر اليسير. فلسبب ما ارتأى سادة دمشق الجدد وحكومة السيد مأمون الكزبري أن عودته ليست ملائمة. وكان ذلك أمرًا عجبًا، فالعظم كان الوحيد الذي تحفظ على الوحدة، وانتقدها ولم يستلم أي منصب سياسي طوال عهدها. على أن المنع لم يطل أكثر من أيام، سمح له بعدها بالعودة في الوقت المناسب، ليشارك في الاجتماع الشهير لذي عقده السياسيون في منزل أحمد الشرباتي. كان هذا الاجتماع المتوتر هو الذي حسم أمر العهد الجديد. ولقد حضره أهم السياسيين عصر ذاك، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ولعب العظم دورًا مهمًا في الحصول على الإجماع المطلوب، لتأييد استقلال سورية وإعادة الحكم إلى المدنيين.

بيد أن العسكريين الذين هيمنوا على الوضع بعد الانفصال، لم يكونوا فعلًا يرغبون في العودة إلى ثكناتهم، وإفساح المجال أمام السياسيين ليحكموا البلد. ولذلك كان أهم أعدائهم هو الرجل الذي كان يمثل أهم مدني قادر على حكم سورية، في ذلك الوقت. والحق أن علاقة العظم والجيش كانت دائمًا متوترة، فلا هو أحب العسكر ولا هم أحبوه. ومنذ أول صدام له، عندما كان وزيرًا للدفاع مع حسني الزعيم، لم يعرف يومًا لم ينغص العسكريون فيه حياته.

لكن حتى العسكر لم يستطيعوا هزيمته في اللعبة الديمقراطية، رغم التدخلات الكبيرة التي قام بها الجيش في انتخابات 1962. وحصل العظم مجددًا على أعلى نسبة من أصوات الدمشقيين (قرابة 35000 صوت)، وبذلك كان محتمًا تكليفه بتشكيل حكومته الخامسة التي انتهت، كما انتهت سابقاتها، بحدث كبير هو انقلاب 8 آذار/ مارس 1963. وكانت خطته الأساس في حكومته تلك “أن تترافق الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية”. وبالفعل، عملت حكومة العظم على البدء بإرساء الجناحين اللذين لا يمكن للديمقراطية أن تطير إلا بهما. وألغى العظم الأحكام العرفية التي كان الجيش والرئيس ناظم القدسي قد أعلناها في آذار/ مارس 1962، الأمر الذي لم يرق للرئيس. وبعد انقلاب 1963، لامه البعض أن إلغاءه قانون الطوارئ هو الذي سهّل للناصريين والبعثيين القيام بالانقلاب. غير أن العظم ظل حتى النفس الأخير مؤمنًا بالديمقراطية، ويتهم الجيش والرجعية السياسية والولايات المتحدة بأن أحدًا منهم لا يحبذ نظامًا ديمقراطيًا برلمانيًا في سورية. وهو يقول إن أميركا “تستقبل بترحاب مخجل كل دكتاتور يقلب النظام البرلماني، ويقيم محله نظامًا فرديًا تتعايش معه أميركا، وتضمن مصالحها بواسطته”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق