أدب وفنون

نجيب سرور “شاعر العقل” والمسرح الملحمي

 

“أنا لا أجيد القول،

قد أُنْسِيتُ في المنفى الكلام،

وعرفتُ سرَّ الصمت..

كم ماتت على شفتي في المنفى الحروف!

الصمت ليس هنيهةً قبل الكلام،

الصمت ليس هنيهة بين الكلام،

الصمت ليس هنيهة بعد الكلام،

الصمت حرف لا يخاط ولا يقال..

الصمت يعنى الصمت.. هل يغني الجحيم سوى الجحيم؟!”

 

إنه “شاعر العقل”

أو تجسيد آدمي لكلمة مأساة، وربما لكلمات أخرى كثيرة: جنون، عبقرية، شجاعة، نزاهة؛ إذ تستطيع اختيار الكلمة الأقرب.

إنه شاعر وكاتب مسرحي وناقد ومترجم كبير وممثل مصري، برز خلال عقدي الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كان مشوار حياته مثالًا لحياة الكفاح والنضال، التي مر بها المناضلون المصريون جلهم، في مقاومتهم للحكم الديكتاتوري والسلطوي. وُلِدَ محمد نجيب محمد هجرس المعروف بـ نجيب سرور، في الأول من يونيو/ حزيران من عام 1932 في قرية صغيرة من قرى الدقهلية الفقيرة تسمى “إخطاب”، وهي إحدى أهم قلاع الإقطاع المصري في ذلك الزمن، حيث تقتات القرية بجني مـا يزرعه أهلها، ومـا يربونه من دواجن ومواشي، بعيدًا عن أي رعاية حكومية، وترسل أبنـاءها بقليل من الحماس إلى المدارس الحكومية المجانية المكتظة بالتلاميذ، يتعلمون بشروط بائسة القليل من المعرفة والعلم، بعكس مدارس المدن الكبيرة أو المدارس الخاصة ذات المصاريف الباهظة. كان أبواه يتعرضان للمهانة والضرب من قبل عمدة القرية الذي كان جشعًا ظالمًا قاسي القلب، يتحكم بأرزاق الفلاحين وحياتهم، حتى إن والده -بحسب شعر سرور نفسه- كان “ليرى العمدة إلهًا”، وكانت هذه النشأة سببًا في ترك البذور الثورية في نفس الفتى الذي امتلأ قلبه حقدًا على الإقطاعيين وتسلطهم الديكتاتوري، لذلك كان مبدعًا من هؤلاء الذين عمّق الفقر إحساسهم ووجدانهم، ونجد ذلك في أشعاره التي تميزت بالرقة ورهافة الإحساس، فقد كان كبير القلب وإنسانًا في جميع المواقف التي ألمّت به على مدى حياته. ورغم كل الظلم الذي تعرض له، منذ بداياته، فإنه لم ينكسر يومًا من الأيام أمام ظالم أو مستبد أو طاغية. فقد جعل الدفاعَ عن المهمشين والفلاحين والمنكسرين قضيةَ عمره. منذ البداية تجد نفسك أمام فنان مرهف الإحساس محب لجميع الناس، صدره واسع، ربما عصبي المزاج أحيانًا، لكنه ظريف ومرح غالبًا، وفي الوقت نفسه، تدرك الرصيد الثقافي الكبير لديه، إذ إنه لا يوفر فرصة للربط الفلسفي والتاريخي بين الواقع اليوم والأمس. رؤية سرور لما خلف الصور التي تبدو لنا عادية أوصلته إلى حقائق، كان من المستحيل نيل قناعة المعنيين بها، في ذلك الوقت، لكن الحياة أثبتت صحتها. وهذا بعينه ما جسده بأعماله المسرحية، وذلك لإدراكه أهمية عالم المسرح بالنسبة إلى هذه القضية، الأمر الذي جعله يترك دراسته الجامعية في كلية الحقوق، قبل التخرج بقليل، والالتحاق بالمعهد العالي للفنون المسرحية، حيث حصل منه على الدبلوم في عام 1956 برفقة صديقه كرم مطاوع، وهو في الرابعة والعشرين من العمر. ثم لم يلبث أن حصل على بعثة دراسية إلى الاتحاد السوفيتي، وهناك بدأ خروجه عن الإطار الرسمي للنظام المصري الذي تبناه، وأوجد له وظيفة في وزارة الثقافة، ثم دعّم بعثته، فصار ينتقد الرئيس جمال عبد الناصر عيانًا، وسط أوساط طلابية لا تخلو من مُندسين، إن لم تكن تفيض بهم، فألغيت بعثته إلى روسيا دون أن يتراجع، وسافر إلى بودابست ليتزعم مجموعة “الطلبة الديمقراطيين”، ويتزوج وينجب فريد وشهدي، لكن المطاردات تكثر من أشخاص مدسوسين من مصر، والنزعة الماركسية لديه لا تقل ولا تخفت، مع الظلم والقهر المستشري داخل مصر، ففقد سرور أعصابه تمامًا، وكانت أشعاره في سياق أقرب إلى الصراخ وأهازيج قاسية، وصلت إلى الرئيس الذي عهد إلى صلاح نصر بتأديب “سرور”، لا سيما بعد أن أخذ يعيب التصرفات الأمنية المصرية في سورية، وقت الوحدة أو ما سُميَ بـ “الجمهورية العربية المتحدة”.

عاد سرور إلى مصر بقدميه 1964، في وقت كان عبد الناصر يرى الفنان مجرد بوق دعاية لمشروعه الاشتراكي، وقد استجاب له الكثير منهم، ومن كان يخرج عن “النص”؛ كان يُسجن، فلزم الجميع الصمت، ولم يلبث سرور الذي صار مؤلفًا، ومخرجًا، وممثلًا، أن ثار على النص ورفض الانصياع للسلطة.

اقترب “سرور”، باعتباره كاتبًا مسرحيًا، من المسرح الملحمي الذي يتفق مع اتجاهه وسعيه، من خلال مسرحياته إلى طرح القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ودراسة العلاقة بين الأفراد والمجتمع والبيئة المصرية، وعليه لقب بـ “بريخت مصر“، فقد توحدت آراؤهما حول واجب المسرح؛ إذ يرى بريخت أن “واجب المسرح يتمثل في كونه أداة ثورية تسهم في عملية التحول الاجتماعي لصالح المقهورين”. وتباعًا نجد سرور يأخذ بعضًا من عناصر المسرح الملحمي التي تتلاءم مع البيئة المصرية، كما تتضح أوجه الاتفاق بين كل من “بريخت” و”سرور”، في هدف الدراما عندهما، فنجد أنها “قادرة على أن ترد على أسئلة يطرحها العقل البشرى، بعيدًا عن مسرح الإيهام الأرسطي العاطفي، الذي يهدف إلى اندماج المتفرج مع البطل، حتى ينسى نفسه تمامًا”.

في فترة السبعينيات، واجهت نجيب سرور ظروف قاسية للغاية، وصل فيها اضطهاده إلى فصله من عمله مدرسًا في أكاديمية الفنون في القاهرة، ومن ثم جاء طلاقه من الفنانة الممثلة والمخرجة المسرحية سميرة محسن، بمثابة القشة التي قصمت ظهر سرور… سميرة محسن التي ساعدها كثيرًا في استكمال الدكتوراه في بعثة دراسية للاتحاد السوفيتي. ثم تزوجها بعد ابتعاده عن زوجته الروسية وصغاره. كان لسميرة طرق أخرى في الصعود، لا تخطر على بال سرور! فقد خانته مع “طوب الأرض”، كما كان يحلو له أن يحكي، ويبكي لجميع المُثقفين من أصدقائه، فيطربهم أنينه! وهكذا كان لها فصل مهم من مأساة نجيب سرور، حتى كتب عنها أقسى دواوينه باللغة العامية، والذي منع من النشر، وخصها فيه بأبيات قاسية في ديوانه الممنوع. وهذا ما دفع به إلى التشرد المأسوي ما حفزه -وهو الإنسان الذي يكره الصمت والخنوع والاستسلام- على كتابة قصائده الساخنة التي انتقد فيها بشكل لاذع سياسة الرئيس أنور السادات، تجاه الوطن والشعب، وبخاصة قمع الحريات العامة وحرية التعبير والتسلط على المثقفين والتنكيل بالمواطنين. تحاملت أجهزة السلطة حينئذ على الشاعر؛ فلفقت له التهم المختلفة وساقته إلى مستشفى الأمراض العقلية، وقد تكرر ذلك سعيًا من السلطة لتحطيم نفسيته. نعم تضاعفت مأساته بعد وفاة عبد الناصر، وسبّ أنور السادات بالاسم، لكن الأمر تجاوز ذلك، بعد مذابح “أيلول الأسود” في عام 1970، عندما مُنعت مسرحيته (الذباب الأزرق) عام 1971م، فما كان من السلطات الأردنية التي كانت تُصفي الفلسطينيين في ذلك الوقت، إلا أن تدخلت لدى السادات، لمنع سرور من سبّ النظام الأردني، بعد منع عرض المسرحية، وكان لا بدّ من إيجاد حل يخلصهم من شبح “سرور” المُبدع الذي يُنغص منامهم، وكعادة الأنظمة، لم يكن الحل بالحوار مع الشاعر، بل بتدميره، لأن السجن والتعذيب لم يزيداه إلا إبداعًا وتمردًا.

كان من أكثر المبدعين المُعارضين جدلًا في ذلك الوقت، إذ لم يفعل أديب ولا شاعر أو ربما مصري ما فعله سرور مع النظام والشرطة المصرية. اعترض الآلاف وثاروا وهربوا من وجه سلطة باطشة بعد تموز/ يوليو 1952م، حتى إنه قيل وتردد بقوة في تلك الفترة، وباعتراف بعض سموا أنفسهم بـ “الضباط الأحرار”، وعلى رأسهم اللواء محمد نجيب، أول رئيس جمهورية في تاريخ مصر: “أزلنا ملكًا لنأتي بـ 19 ملكًا، أي 19 ضابطًا من الجيش برتبة ملك”، بحسب كتابه “كنتُ رئيسًا”.

وتتكاثر الحوادث المؤلمة، ويتشرد نجيب سرور ويجوع، ويحاولون استيعابه بإغرائه بأن يقدم للتلفزيون أعمالًا ترفيهية لا تقول شيئًا ولا تتعرض لشيء، مقابل آلاف الجنيهات. فيتعفف، وهو الجائع المشرد، ويقول لعارض الصفقة هذه: “قل لوزيرك إن هذه اللعبة القذرة يجيدها غيري، وهم أكثر من الهم على القلب. أما أنا فلن أقبل هذه الرشوة المقنعة”! ويعود إلى الجوع والتسكع، ويتهمونه بالجنون، ويرسلونه إلى مستشفيات المجانين.

لم يعرف أحد مَنْ المجرم الذي عاقب “سرور” بهذه الطريقة الشاذة التي لم تخطر على بال الشياطين؛ إذ اقتادوه من طريقه في أحد شوارع القاهرة، مباشرة إلى مستشفى الأمراض النفسية والعقلية في القاهرة، دون أن يرى أو يدري أحد. ولكن طبيبًا يعمل بالمستشفى عرفه بالصدفة، بعد ستة أشهر، حيث عثر عليه يرتدي ملابس مهلهلة وبلا ملابس داخلية.. ويطلب منه سيجارة.. فتعرف عليه وأرشد أصدقاءه إليه.

خرج نجيب سرور أكثر سخطًا.. وقرأ في كل مكان “… أميّات” التي أصبحت، بين يوم وليلة، أشهر قصائد هجائه. وصار أكثر شاعر مغبون يتمادى في التحدي، حتى إنه كان يقول عن نفسه لصديقه: “كنت أعي كل ما أفعله، كنت أهيم في الشوارع حافيًا مُمزق الملابس. أتذكر كل شيء. كنت أفعل ذلك متعمدًا. كنت أريد أن أكتشف حقيقة المثقفين ذوي الياقات المنشاة وربطات العنق، هؤلاء الذين يسلكون وكأنهم في لندن أو باريس، بينما كنت أحس عار الهزيمة والانكسار، كنت أريد أن أمرغهم في التراب، وأقول: ها أنا نجيب سرور الشاعر والكاتب والمخرج المسرحي والممثل. ها أنا أسير في شوارع القاهرة والإسكندرية حافي القدمين، رث الثياب، ها أنا أمرّغ وجوهكم في الطين”.

مجموع المدد التي قضاها في المشفى بلغ أربع سنوات ونصف السنة! وها هو يصف لنا واحدة من تجاربه المخيفة والمريعة في تلك المستشفيات، في رسالة استغاثة أرسلها إلى يوسف إدريس، يقول نجيب عن تجربته المريرة: “لقد تلقفوني فور عودتي من دمشق وأرسلوني.. لكن مهلًا، ليس إلى معتقل من المعتقلات الحكومية المعروفة والمزدحمة بالنزلاء، وإنما إلى مستشفيات المجانين، مستشفى الأمراض العقلية بـ العباسية!!… المهم أنني خرجت من مستشفى الأمراض العقلية بمعجزة، حطامًا أو كالحطام! خرجت إلى الشارع.. إلى الجوع والعري والتشرد والبطالة والضياع، وإلى الضرب في جميع أقسام البوليس المخلص في تنفيذ أغراض الأعداء، والمحسوب علينا نحن المصريين أو نحن العرب! خرجت أدور وأدور، كالكلب المطارد بلا مأوى، بلا طفليّ وزوجتي.. وظللت مجمدًا محاصرًا موقوفًا. وبعيدًا عن مجالات نشاطي كمؤلف مسرحي ومخرج وممثل، وبعيدًا عن ميادين النشر كشاعر وناقد وزجال ومؤلف أغان”!!

في عام 1975 فقط، صارت له شقة من غرفة ودورة مياه، كما كان يحلم، ولم يدم الحال به طويلًا؛ إذ توفي في مستشفى دمنهور، في إثر نوبة سُكر قضت عليه في 24 تشرين الأول/ أكتوبر 1978. وبوفاته طُويتْ حياة أشهر مثقف مصري شامل، واجه النظام المصري، فواجهه بمنتهى القسوة، حتى تسبب في مقتله. يموت نجيب سرور جائعًا مشردًا، يرحل عن دنيانا باكيًا حزينًا عاتبًا على مجتمع لا يجد الشجاعة حتى الآن لرثائه. كذلك ذهب الجثمان إلى قرية إخطاب، تلك التي لطالما تغنى بها في مسرحياته وأشعاره، واتشحت القرية بالسواد، وكُتب على قبره بالبنط العريض.

قد آن يا “كيخوت” للقلب الجريح أن يستريح

فاحفر هنا قبرًا

ونم وانقش على الصخر الأصم

يا نابشًا قبري، حنانك

ها هنا قلب ينام

لا فرق من عام ينام وألف عام

هذي العظام حصاد أيامي

فرفقًا بالعظام.

مقالات ذات صلة

إغلاق