هموم ثقافية

هـل أصبح دوستويفسكي سوريًا!

 

ما الذي تبقّى للشعراء والكتاب والفنانين من قول في زمن الحرب؟ كيف يمكنهم أن يكونوا في مستوى أحداثها الدامية؟ ماذا يمكن أن يكتب هؤلاء أمام بشاعة الجثث والجدران المتداعية، وأنهار الدم المتخثّرة، والغبار البشري المتطاير؟ هل آن أوان صمتهم بعد أن صار السياسي يستثمر بشكل مقرف ما يمكن أن يقوله البعض من الروائيين الكبار على غرار ما فعل (الجعفري) -في مجلس الأمن- وهو يخاطب على لسان الرّوائيّ (دوستويفسكي) ممثلي دولٍ تنافست على تنشيط الخراب في سورية مثل نظامه، بالقول “اطمئنوا، الجحيم يتسع للجميع، الأمرُ لا يستحق كل هذه المنافسةِ الشرسة على من سيكون الأسوأَ فيكم”؟ ألم يتمّ اعتقال (دوستويفسكي) في 23 أبريل/ نيسان 1849 ويُحكم عليه بالأعمال الشاقة والمنفى؟! أليس أحفاد الحكومات الروسية الحاليين هم الذين يساندون (الجعفري) والنظام السوري الآن؟ يا لوطأة هذا الحيف الذي يجعل من روائي يُصادر من قبل دبلوماسيين قتلة!

أيّ جحيم غير جحيم الصمت الآن؟ لقد قالت المجزرة كلمتها في سورية للمرّة الألف، أما الجميع فهم الآن مثل سربروس مُعَذِّب الأرواح، حارس جهنّم، الكلب صاحب الأشداق الثلاثة. ولكن ماذا لو نسأل عن موقع جنّهم، مكانها، فضاء نارها ودمارها وأدخنتها؟ أليست وحدها سورية؟ ثمّة إذن اعتراف صريح من قبل (الجعفري) بذلك، فمهما تحرّكت أشداق ذلك الكلب؛ فهي في نهاية المطاف ستغرس أنيابها الدّامية في لحم الشعب السوري لا نظامه، أمّا أن يتوهّم هذا السياسي براءته من المجزرة بتقمّصه خطاب (دوستويفسكي)، فهذا الوهم عينه، وإلا؛ فكيف نفسّر خدماته الجليلة لذلك الكلب الجائع، بعد أن ترك له الفرصة كي يقتطع أرطالًا من اللحم السوري الحيّ ويلوكها بين أشداقه؟

ما الذي تبقّى إذن أمام شعراء العالم وروائييه ومسرحييه من قول، إزاء الحرب واستثمار الفنّ في أزمنتها؟ هل آن أوان السقوط مجددًا في عدمية (الدادائيين) من جديد، أولئك الذين كتبوا في أوّل بياناتهم الاحتجاجية ضدّ حروب سابقة، وضدّ مطابخ المجازر وفواجع الحياة ما يلي: “من الآن فصاعدًا، لا رسّامون، ولا فلكيون، ولا إمبراطوريون، ولا فوضويون، ولا اشتراكيون، ولا بلشفيك، ولا منشفيك، ولا سياسيون، ولا بروليتاريون، ولا جيوش، ولا شرطة، ولا أوطان، وأخيرًا كفانا من هذه الحماقات كلّها، لا شيء، لا شيء، لا شيء”؟  وما جدوى هذا السقوط؛ إذا كان (الدادائيون) فشلوا بدورهم، وفشلت من بعدهم السوريالية؟ ألم يهاجر لويس أراغون إلى مؤتمر خاركوف الستاليني؟ ألم يسقط سلفادور دالي في مكيدة الجنرال (فرانكو) فيما بعد؟

أيّ عالم هذا الذي يخلو من المعنى والشرف والإنسانية، وهو الذي صار مُمْكنًا بحربه ومستحيلًا بمستقبله؟ ألا يمكن القول على لسان إميل سيوران: “إذا كان للإنسانية أن تعيد بداية نفسها من جديد، في المستقبل؛ فإنّها ستعتمد في ذلك على فضلاتها، أي على المغول القادمين من كلّ مكان”؟ كلّا، لا يمكن ذلك، لقد كان (دوستويفسكي) من الواقفين ضدّ تلك الفضلات، ولكنّ أحد المنتسبين الآن إلى المغول صار بمثابة تاجر آثار، يعوّل على روائيّ كهذا؛ كي يبرّر تسوّله للمستقبل وإعادة ترميم نفسه من جديد، من خلال رائحة البخور الدموي.

ما تبقّى أمام أوّل الكتّاب، آخر الكتّاب، ليس تسطير الجريمة بل إنقاذ الكتابة منها، وذلك بارتكاب جريمة أعنف، جريمة تقول بضرورة نهاية الكتاب وبداية الكتابة. يصبح ممكنًا في هذه الحالة التخلّص من القراءة الدوغمائية للنصّ، خارج أسطرته وقداسته، ويصبح ممكنًا تجريد معانيه الثابتة والمجرّدة، كما يحلو للبعض من قبيل (الجعفري) أن يراها كذلك، وهو الذي تحرّكه أصولية لا تختلف عن الأصوليات الدينية في شيء، تلك التي تدّعي التراتبية والأفضلية، وتنطلق من مبدأ الاحتكار ليس أكثر: كأنّ (دوستويفسكي) بهذا الشكل بضاعة ليس من حقّ أيّ كان المتاجرة بها إلا الرّوس أو من تحالف معهم، والحال أنه روائي، كوني، إنساني. أمّا أن نعيد النظر الآن في مهامّ الكتّاب، فعليهم تمجيد الكتابة أكثر من الكتب، بوصفها آثارًا من التأويلات، ومن رهاناتها الاختلاف أكثر من التعصّب والانغلاق: حينئذ يسقط من التاريخ دعاة الجمود وأتباع كلب الجحيم. الكتاب عنوان المقدّس، بينما الكتابة عنوان التأويل، والكتاب مصنع قديم في يد الطغاة تسيّره الآن آلة اسمها الحرب، أما الكتابة، فأفق إنسانيّ جديد، مغاير.

ليس السؤال إذن متعلّقًا بما تبقّى من قول أمام الكتّاب والشعراء، في أزمنة الحديد والنار هذه، السؤال هو كيف يمكننا تحرير فعل الكتابة من ثقافة الامتلاك، ومن احتكار الآخرين لها؟ السؤال هو كيف يمكننا زلزلة المعنى الأحادي للنصوص وللفنّ، حتى نجعلها تتسامى عن معادلة الراهن وتخترع المستقبل؟ ليس السؤال ماذا سنكتب الآن حتى نعبّر عن آلام شعوبنا؟ السؤال الحقيقي، هنا، هو كيف نكتب دون أن نتاجر بحدث دمويّ، دون أن نستثمر الدم كتابيًّا، دون أن نصبح مجرّد إعلاميين نلهث وراء الحدث؟ السؤال الحقيقي هو كيف نجعل حياتَنا كتابةً في حدّ ذاتها، هو أيّ موقف نحمله، وأي منظور نحمله إزاء العالم قبل فعل الكتابة ذاتها؟

مقالات ذات صلة

إغلاق