مقالات الرأي

“ما دخلنا يصطفلوا”! بعض السوريين والثورة

عبارات مثل “ما دخلنا يصطفلوا.. لا تلحقني مخطوبة.. إلنا الله…) لفتت نظر فؤاد بلاط المدير العام لهيئة الإذاعة والتلفزيون، بين عامي 1978 و1985، فقال لي وهو يضحك: (شو رأيك تخصص حلقة عن العبارات المكتوبة على السيارات في برنامج السالب والموجب؟) وكان العام 1981 قد اقترب من نهايته.

لم يكن فؤاد بلاط رجلًا ساذجًا، فهو درس العلوم السياسية في جامعة هايدبورغ بألمانيا، ثم في كلية الآداب قسم اللغة الإنكليزية بدمشق، إلى جانب كونه بعثيًا وصاحب مواقف سياسية، أودت به إلى السجن عام 1967، ولذلك جاء اقتراحه غريبًا في زمن حافظ الأسد، إذ كان مجرد طرق موضوع ناقد للسلطة يُحيل صاحبه إلى التحقيق الذي قد يأخذه إلى السجن، وربما الاختفاء القسري، ومن تلك الموضوعات إثارة قضية العبارات التي يخطّها أصحاب (الطرطيرات والسوزوكيات) وسيارات الشحن الأكبر، وبعض سيارات الأجرة الصفراء، فقلت له: “إذا فتنا بهيك قصة؛ ما رح نطلع منها بخير، ورح يتبهدلو هدول الناس المعترين)، فاسترد ضحكته وقال: “معك حق”. وهكذا تجاوزنا الفكرة.

كانت تلك العبارات: “ما دخلنا يصطفلوا… إلنا الله… نحنا بحالنا، وهنن بحالن… هنن قالوا، أنا ما دخلني… الخ…) تعكس بصورة مواربة حال الإحباط التي وصل إليها الشعب نتيجة الأوضاع الاقتصادية المزرية، والفساد المتمادي في مفاصل الدولة، والإرهاب الأمني المعمم الذي كتم الأصوات، والأنفاس أحيانًا.

في تلك السنوات العجاف، مثلت تلك العبارات أقصى حالات النقد، واستحق أصحابها صفة الشجعان مؤقتًا، وقبل أن يُساق أحدهم إلى التحقيق فيتصنع الغباء قائلًا: “أعوذ بالله… ما كان قصدي أبدًا)، فيتلقى على حجته الواهية بضع ركلات وصفعات، ليعود مُهانًا ذليلًا إلى وسيلة عيشه الوحيدة، فيغطي تلك العبارات بدهان سميك.

لقد اعتاد معظم السوريين، بعد تاريخ طويل من الإرهاب بدأ مع هيمنة حزب البعث على السلطة في سورية عام 1963، أن ينأوا بأنفسهم عن مواطن الخطر، وأن يلتفت كل منهم إلى تأمين الخبز لعياله. وانتشرت ظاهرة: “أنا ومن بعدي الطوفان”، كردة فعل على العنف المفرط الذي كان يطال أي شخص يحاول رفع صوته للدفاع عن حقوقه البسيطة، في أي مجال من مفردات الحياة اليومية، وأصبح اللون الرمادي سمة تأصلت في شخص السوري، فهو يتهرب من الإجابة على أي سؤال يتعلق بشأن سياسي أو خدمي أو اقتصادي، طالما يمس السلطة، بل إن الكثيرين وجدوا في تبرير ارتكاباتها وسيلة ناجعة لكسب رضاها، والحصول على ترخيص منها لممارسة الفساد والتكسب منه.

كان -وما يزال- غالبية تلاميذ المرحلة الابتدائية ينتمون قسرًا إلى منظمة “طلائع البعث”، دون اعتراض من أهلهم، وكذا إلى منظمة شبيبة الثورة في المرحلتين الإعدادية والثانوية، ومن ثم إلى منظمة اتحاد الطلبة، عندما ينتقلون إلى الجامعة، وتلك الغالبية ستنتظم بالضرورة في حزب البعث، الذي تديره القيادة القطرية برئاسة حافظ الأسد ومن بعده بشار الأسد، وفي ذلك الطقس من الرعب والإغراء؛ لم يعد للأخلاق بمعناها الأصيل قيمة تذكر، بل أصبح لها تعريف مختلف، مثل: “أنا أقوم بواجبي ولا علاقة لي بغيري”، أو: “الحكومة تعرف شغلها، وأنا عليَّ بنفسي”.

لقد أعادت الثورة السورية في آذار/ مارس عام 2011 إلى معظم السوريين الشعور بكرامتهم، واستعادوا شجاعتهم في مواجهة الظلم، وقرروا المضي فيها مهما بلع الثمن. إلا أنَّ قسمًا منهم انضمَّ إلى النظام الذي سمح لهم بممارسة الفساد على مدى سنوات طويلة، وقسمًا آخر اعتاد الخنوع، فصار إلى طبع فيه، فلجأ إلى تبرير جرائم النظام مهما بلغت قسوتها، وقسمًا أخيرًا لاذ بالصمت، فإن اضطر لإبداء رأيه قال: “أنا مع الوطن!”.

لقد كانت السنوات الأربعين الماضية كفيلة بتحويل شرائح كبيرة من الشعب السوري إلى إمّعات يرددون ما يُقال لهم في الاجتماعات الحزبية، ومن خلال المنابر الإعلامية المحلية، دون وعي منهم، طالما أن ذلك يُحصّنهم من الوقوع في فخ الاتهام بمعارضة النظام، وبدا أن المطلوب من أي مواطن يريد الحفاظ على سلامته أن يُؤكد في كل وقت حبه للأسد “القائد الفذ بطل كل ميدان ومجال”، وكلما علا صوته أكثر؛ ارتقى في سلم الوظيفة، وحصل على تسهيلات تشبيحية، تتيح له ممارسة الفساد من كل نوع دون مسائلة، وفي هذا الإطار، وتحت عامل الخوف من بطش السلطة، انضم معظم رجال الدين، من كل الطوائف، إلى قائمة المؤيدين المرددين المداحين للرئيس القائد، بل تواطأ معه أدباء وشعراء ومخرجون وممثلون ومغنون، فنسجوا له القصائد والمقالات والكتب والأناشيد والأغنيات، وأبدعوا في تصميم تماثيل له بمقاسات مناسبة لمداخل الأبنية الحكومية والساحات العامة ومداخل المدن والبلدات ولرؤوس الجبال أيضًا، وتكفلت الأجهزة الأمنية بنشر صوره على الجدران والأعمدة واللوحات الإعلانية وعلى نوافذ السيارات وفي غرف المكاتب الحكومية والشركات والمحلات التجارية، بحيث يستحيل على المواطن أن يتفادى رؤيته إلا أثناء النوم، وهكذا تحوّل بعض الشعب السوري إلى مؤيد طائفي حتى الموت، للحفاظ على مكاسبه ووجوده، وتحول بعض رجال الدين إلى صاغر يُنفذ أوامر السلطة، مهما بغت وارتكبت من جرائم تحت ذريعة الخوف من حكم المتشددين، والبعض الثالث من التجار صونًا لمشاريعهم وأموالهم، وآخرون إلى رماديين صامتين صمت القبور بحكم العادة التي ألفوها وعجزوا عن تجاوزها، وهكذا تخلى بعض السوريين عن بعضهم الآخر، وتركوهم يواجهون قمعًا دمويًا لا سابق له، دون أن يرف لهم جفن.

مقالات ذات صلة

إغلاق