هموم ثقافية

المُخاطَب، لا المُتكلّم!

 

أليس من الدَّال أنْ يُقيم أبناء دول غربيّة في بلداننا، فيُتاح لهم التعرّف على وقائع وهموم عربية عن كثب، حتى إذا ما عادوا إلى بلدانهم، وجدوا أنفسهم غرباء عن أهاليهم ومعارفهم وأصحابهم! غرباء، بسبب اختلاف معلوماتهم وحقائقهم ومشاهداتهم، عمّا لدى ذويهم ومعارفهم من مثيلاتها، وغرباء بسبب التباين بين آرائهم ومواقفهم التي تشكَّلت خلال إقامتهم، وآراء ومواقف ذويهم ومعارفهم وأصدقائهم التي لم تُغيّر الأحداثُ فيها، ولا بدَّلت في اتجاهاتها.

فها هنا -في البلدان العربيّة- سيلتقي الزائرون الأجانب الناسَ، ويُشاركونهم يوميّاتهم، ويدخلون منازلهم، ويتناولون أطعمتهم، ويُجرّبون ارتداء أزيائهم -بما فيها الحجاب- ويتعرَّفون حتى إلى خصوصيّات حيواتهم العائليّة، مما يُنشئ، لدى البعض منهم، رغبة بناءِ صداقة حقيقيّة، تدوم وتستمرّ إلى ما بعد مغادرتهم البلد العربي وعودتهم إلى بلدانهم.

وهنا، سيدركون كم من التزوير في المعلومات، والخديعة في الوقائع، والتخابث في التحليلات السياسية، كانت تمارس عليهم من وسائل إعلامهم المتنوّعة. وبالطبع، لن يجدوا لكلّ ما حملوه من معلومات ووقائع ومشاهدات، ومن آراء وقناعات تكوَّنت لديهم، أيّ أصداءَ طيبةً لدى أهاليهم، بل مجرّد نفور واستياء لكأنهم عادوا مصابين بالميكروب العربي.

باح لي العديد منهم -بسبب عملي معهم وانعقاد الصداقة بيننا- عن معاناتهم الشديدة مع محيطهم الأسري والاجتماعي والمهني، وعن مكابدتهم في محاولة نقل تجاربهم ومشاهداتهم عن واقع الحال العربي، السياسي والاجتماعي والمعيشي، إلى أوساطهم. عبثًا حاولوا توضيح الفوارق، بين ما عاشوا و”لمسوا لمس اليد” -كما يُقال- وبين ما تقدّمه وسائل إعلامهم ومواقع التواصل الاجتماعي عندهم -الأوروبية والأميركية أو الغربية الأخرى في بلدانهم- عمّا يحدث في عالمنا العربي.

يابانيّة، سبق لها أن درست العربية -لبضع سنوات- في دمشق، واختلطت مع الناس فيها، تستفيض في شرح استعصاء التفاهم مع زوجها بعد عودتها إلى طوكيو، فإذ كانت تحكي له عن وقائع وحقائق وصور مما أتيح لها معرفته عن قرب وتجريبه بنفسها، كان يُعارضها بشدّة، استنادًا إلى ما قرأه في الصحف المحليّة التي تستمدّ معلوماتها الرئيسة من الإعلام الأميركي حول الحياة في سورية، وما يجري فيها منذ سبع سنوات.

تقول: “كنتُ كمن ينفخ في قربة مقطوعة، على حد أمثالكم العربيّة، إذ لا هو اقتنع بكل ما عرضتُ له مما تعرَّفت عليه، ولا كان يمكنني بحال من الأحوال أن أتجاهل أكاذيب الإعلام الغربي وخبثه، في ما يقدّمه للقراء ويصدّقه زوجي”. وحين استوضحتها عمّا إذا كان الأمر يعود إلى تقصير الإعلام العربي في مخاطبة الرأي العام في الغرب؛ ضحكت قائلة: إذا كان زوجي لم يقتنع منّي، أنا زوجته التي عايشت وعاينت بنفسها؛ فهل تراه سيقتنع -هو أو غيره- من وسائل الإعلام العربيّة؟!

العديد من أبناء دول أوروبا شهدوا -خلال إقامتهم في بلدان عربية- بما شهدت به صديقتنا اليابانيّة، ورووا شبيه ما روت، وعانوا على غرار ما عانت منه، بعد عودتهم إلى بلدانهم وحوارهم مع أفراد أسرهم ومعارفهم. والمُحتك بهم يلحظ بوضوح أن العلَّة الأمّ تكمن في المُخاطَب لا في المُتكلّم، حتى لو ارتقى الأخير -افتراضًا- في أسلوبه وأدائه وكيفيّة تقديم معلوماته… إلى آخر ما اعتدنا على جلد أنفسنا به لعقود.

ولولا كان ذلك كذلك، أتُراها يمكن لسنوات سبع دامية أن تمرّ على المقتلة الرهيبة في سورية، والمجازر المروّعة المتتالية -وآخرها الغوطة- والعالم على ما هو عليه من التظاهر، سيئ الإخراج، بالصمم والخرس والعمى واللبس في فهم ما يجري؟

مقالات ذات صلة

إغلاق