تحقيقات وتقارير سياسية

الدولة، السلطة، النظام

 

الفصل بين الدولة والسلطة والدولة والنظام، في الحالة السورية، ضرورة منهجية وعلمية، تصب في سياق الحل الوطني الممكن وتريحه، فالدولة بنيويًا هي أرض وشعب وسلطة، تتكون من مؤسسات مملوكة للشعب لا لفئة أو طائفة، وقد دفع الشعب الغالي والنفيس، من أجل بنائها خلال عقود من الزمن، تعاقبت عليها عدة سلطات تختلف في اتجاهاتها وتوجهاتها وسياساتها حيال المكونَين الآخرين: الأرض والشعب، ووظيفيًا فالدولة مسؤولة عن إحقاق الحق وتقديم الخدمة العامة للشعب، وصون الأرض وحمايتها من أي اعتداء خارجي، واستثمار الموارد الاقتصادية، من خلال نظام سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي معين.

في سورية، عملت السلطة على تماهي الدولة والنظام معها، بتغولها على الأرض والشعب والمؤسسات، من خلال سياسات التخلي والاستحواذ والاستملاك التعسفية للأرض ومواردها الطبيعية، والهيمنة الأمنية على الشعب ومؤسسات النظام حتى اعتاد السوري، في الأعم الأغلب، على عدم التمييز بين الدولة والسلطة، وفي معظم الأحيان، كان مصطلح النظام في الذهنية السورية يتضمن مصطلحي الدولة والسلطة معًا، ويتعامل مع النظام على أنه الدولة تارة، والسلطة تارة أخرى، مع العلم أنها مفاهيم مختلفة سياسيًا وفلسفيًا، حتى إن الدكتور الطيب تيزيني، في الدولة الأمنية، لم يفرق بين السلطة والدولة؛ إذ اعتبر أن مبدأ الدولة الأمنية هو أن “على الجميع أن يُفسد الجميع حتى لا تبقى فئة تكون الحامل الاجتماعي لعملية التغيير”. والتماهي التيزيني بين المفهومين لم يكن عن غير دراية، إنما عن منطقه الماركسي الذي يتبنى فيه نقد الماركسية من داخلها لا من خارجها، وتبنيه أسس نظريتها الطبقية، بالرهان على الطبقة المتوسطة في عملية التغيير، قادَه من خلال عميق فهمه لممارسات السلطة الأمنية، في سياق تفكيك مكونات الشعب والمجتمع ومنع الاندماج المجتمعي، إلى استنتاج تحطم هذا الحامل الاجتماعي، وبالتالي وأد أي حركة اجتماعية تطالب بالتغيير. في حين أن فلسفة التاريخ ووقائعه ما عرفت قط سلطةً ابتلعت الشعب في جوفها، مهما بلغ استبدادها وتغولها عليه. وكون الطابع الأمني يغلب على السلطة، بسبب النظام الاستبدادي خلال عشرات السنين متمثلًا بهيمنة الأجهزة الأمنية على مفاصلها التنفيذية والتشريعية والقضائية والإعلامية، لا يعني البتة أن الدولة باتت أمنية في بنيتها ووظيفتها. ففي البنية لم ينسق الشعب كله في سياقات السلطة الأمنية، بل فئة محددة منه، بينما ساد في أوساط شعبية واسعة التهكم والحذر ممن ارتهنوا لها، والسخط من ممارساتها حيال قضاياهم وأحوالهم، وإنّ تمظهر هذا السخط في السر لا في العلن هو دليل على حالة اغتراب بين الشعب والسلطة تجلت، قبل الثورة، بالثقافة الشعبية والصمت الشعبي والإيحاء الشعبي؛ ما أنتج عملية تفاعلية تراكمية ترجمت بداية في عدة احتجاجات، ومن ثم انتفاضة شعبية طالبت بإصلاح النظام السياسي الذي حولته السلطة الأمنية إلى أداة تفكيك وإلغاء وإقصاء واستغلال. غير أن هذه السلطة المتغولة ضربت بالمطالب الشعبية عُرض الحائط، منذ بداية الحراك الشعبي السلمي، وأوغلت في مواجهته الأمنية التي أدت إلى تحول الانتفاضة إلى ثورة شعبية تطالب بإسقاط النظام. في سياقات تطور الثورة، من سلمية إلى مسلحة، ومن شعبية إلى إسلاموية؛ ترسخ التماهي بين الدولة والسلطة في ذهنية موالاة السلطة إلى حد التطابق، بالمقابل لم تفصل ذهنية المعارضة بين الدولة والسلطة بل وضعتهما في بوتقة النظام الذي أظهرت سياقات تعامله مع سياقات الثورة أنه ابتلع الدولة، وغدا أي فصل بين الدولة والسلطة أو النظام شبهة من وجهة نظر المعارضة. وتوافق الذهنيتين الموالية والمعارضة، في هذا التماهي، ليس من قبيل سخرية القدر بل من كون الطرفين ينتميان إلى دولة واحدة، بالمكونين الحيويين لها: السلطة والشعب، لكن يصدق عليها وصف الدولة الاستبدادية أو الشمولية، وليس الدولة الأمنية بالمفهوم التيزيني، ومنبعهما الحامل الاجتماعي للتغيير ذاته الذي بنى الطيب تيزيني فكرة الدولة الأمنية على تحطمه، كما ينتميان إلى النظام ذاته جوهريًا، كونهما يمارسان الممارسات والسلوكيات ذاتها في مناطقهما. في حين أن الحالة السورية قامت بعملية فرز معقدة ومركبة بين الدولة، كونها تشهد حالة اغتراب في الشعب المؤلف من الشباب والمثقفين والتكنوقراط والمهمشين والعاطلين والمنتجين الصغار والفلاحين والعمال والبرجوازيين الوطنيين والريفيين والحضر… الذين ينتمون -بالمفهوم الطبقي- إلى مختلف الطبقات، والتواق للحرية والدولة الديمقراطية، وبين السلطة الأمنية التي ما تزال تتوهم أنها قادرة على ابتلاع الأرض والشعب، من خلال إيغالها بالتغول عليهما، وبين النظام وهو عبارة عن ترتيب وتدبير اجتماعي، يقوم على مجموعة الممارسات والسلوكيات والذهنيات والأفهام الرائجة والعادات والتقاليد والأعراف والقوانين التي تنظم كلها عمل المؤسسات والقوى في المجتمع، ويستند إلى سلطة أو قوة لإدارة موارده وتحقيق الأمن الداخلي والخارجي، وتحقيق أكبر قدر من المصالح العامة بالعمل على الحد من التناقضات الاجتماعية، والذي ما يزال بجناحيه الموالي والمعارض يظهر عجزًا فاضحًا عن إخراج الحالة السورية من وضعية الاستعصاء والتفكك وربما الضياع، في زحمة المصالح الإقليمية والدولية التي ساقها بممارساته العملانية، من حالة بدأت وطنية بامتياز، وبلغت الآن ذروة الدولنة.

لقد آن الأوان -برأيي- للتمييز بين الدولة والسلطة والنظام، فالسلطة الأمنية تتغول على الأرض والشعب، وتضحي بهما، من أجل بقائها، والنظام ليس كل السلطة الأمنية من طرف الموالاة، وليس كل القوى من طرف المعارضة، أما الدولة فإن الركن الرئيس فيها هو الشعب، والتمسك بها ليس ترفًا ولا مراوغة -كما قد يحلو للبعض تصويره- إنما هو تحد مهم لتغول السلطة الأمنية، من أجل الحفاظ على الأرض والشعب، لأنهما الثابتان الوحيدان الباقيان في أي مشروع للحل الوطني للمحنة السورية، بينما السلطة، وخاصة السلطة الأمنية والنظام السياسي وشكل الدولة، متغيرات.

إن إعادة الملف إلى الثابت قمين بمعالجة المتغيرات، عبر حوار وطني جامع يضع حدًا للمأساة السورية، ويخرجها من وضعية الاستعصاء والارتهان للخارج الذي يعبث بمصالح الشعب السوري العليا.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق