قضايا المجتمع

عودة للاجئين السوريين؛ غير طوعية وغير قانونية

 

أصدرت سبع منظمات غير حكومية رفيعة المستوى، في الآونة الأخيرة، منها هيئة الإنقاذ الدولية (IRC) والمجلس النرويجي للاجئين (NRC)، تقريرًا بشأن اللاجئين السوريين الذين أُرغموا على العودة إلى سورية في عام 2018. وتوضح المنظمات في التقرير أنّ العديد من الحكومات بدأت تتأثر بـ “ردة الفعل العالمية المضادة للاجئين” في عام 2017، وأصبحت تبحث عن سبل لعودة اللاجئين السوريين إلى وطنهم.

وعلى الرغم من الشائعات المتواترة عن اقتراب الصراع السوري من نهايته، تبقى هذه التكهنات بعيدة كليًا عن الواقع المعاش؛ إذ ما يزال عدد الضحايا من المدنيين في ارتفاع مستمر، وما يزال الاقتتال الوحشي سيد الموقف، معرّضًا الآلاف إلى خطر الموت والنزوح من ديارهم. وتؤكد الهجمات الكيميائية الأخيرة، التي شهدتها مدينة دوما في الغوطة الشرقية، والتصعيد العسكري في إدلب، على استمرار النزيف السوري. وعلى الرغم من انخفاض وتيرة العنف في بعض المناطق من سورية في عام 2017، فإن مناطق أخرى شهدت العكس من ذلك تمامًا. لذا، يبقى الأمن بعيد المنال في سورية إلى الآن. ومع ذلك، فإنّ الحكومات في أوروبا والولايات المتحدة تعمل على تقييد دخول السوريين، وتبذل قصارى جهدها في إرسال طالبي اللجوء إلى ديارهم، من خلال رفضها لطلبات اللجوء؛ الأمر الذي يدفعهم (اللاجئين) إلى سلك طرق غير مشروعة وغير قانونية في رحلة عودتهم إلى سورية.

يوضح التقرير الصادر، مؤخرًا، ارتفاع عدد النازحين العائدين إلى ديارهم بين عامي 2016 و2017 بمعدّل نازح من بين أصل ثلاثة نازحين داخليين. وهذا يدل على أنّه حتى لو عاد بعض السوريين إلى ديارهم، الرقة على سبيل المثال؛ فإنّ العنف سوف يستمر في تشريد المدنيين في البلاد. حتى في تلك المدن التي تبدو آمنة نسبيًا، فإنّ النازحين العائدين إلى المدن المستعادة من (داعش)، على سبيل المثال، كثيرًا ما يكونون ضحايا الألغام المتفجرة ومخلفات الحرب في المنطقة. من جانبها، تتوقع الأمم المتحدة أنّ عدد طالبي اللجوء سيرتفع ليصل إلى نحو 1.5 مليون سوري مع انتهاء عام 2018. هذا، وقد وصل عدد العائدين إلى سورية، في عام 2017، إلى 66 لألف لاجئ، أُجبر معظمهم على العودة بسبب رفض البلدان المجاورة منحهم اللجوء وإغلاق معابرها الحدودية في وجوههم.

حماية اللاجئين السوريين حتى انتهاء النزاع السوري واجب دولي، حيث إنّ المادة 33 من “اتفاقية اللاجئين” تنصّ على حماية اللاجئين من إجبارهم على العودة إلى أوطانهم قسرًا، المعروف بمبدأ “عدم الإعادة القسرية”. وعلاوةً على ذلك، ووفقًا للقانون الدولي للاجئين (IRL) والمفوضية العليا لشؤون اللاجئين (UNHCR)، فإنّ العودة النهائية لطالبي اللجوء واللاجئين يجب أن تكون آمنة وطوعية ومحمية، وهو مفهوم “العودة الطوعية”. إذ لا يمكن في أي ظرف من الظروف الضغط على اللاجئين للعودة إلى بلد يخشون فيه الأذى. ووفقًا للأمين العام لمجلس اللاجئين النرويجي جان إيغلاند، فإنّ العودة الطوعية ليست خيارًا في الوقت الحالي، لأنّ الوضع في سورية ليس آمنًا. ناهيك أنّ اللاجئين السوريين أنفسهم ليسوا على استعداد للعودة إلى سورية، في غياب خدمات الصحة والتعليم مع الاستهداف الدائم للمراكز الطبية والحيوية هناك، بعد ما دُمِّرت نصف مؤسسات الرعاية الصحية وثلث المدارس والمنازل دمارًا تامًا، منذ بداية النزاع في عام 2011. وكشفت إحصائية قام بها المجلس النرويجي للاجئين (NRC)، استنادًا إلى مقابلات أُجريت مع نازحين سوريين، أنّ أكثر من نصف منازلهم دُمِّرت بشكل كامل، أو أنّها لم تعد صالحة للمعيشة. وهذا مؤشرٌ خطيرٌ على أنّ السوريين غير قادرين على العودة إلى ديارهم؛ لأنّ سورية ليست آمنة بعد، ولأنّ معظمهم لم يعد لديهم منازل صالحة للعيش حين العودة. حتى لو اتفق طرفا الصراع، نهاية المطاف، على إنهاء العنف ووقف الصراع، فستحتاج عمليات إعادة الإعمار وقتًا طويلًا ومبالغ طائلة يصل تقديرها -وفق البنك الدولي- إلى 180 مليار دولار.

ومع ذلك، فإنّ الشخصيات السياسية في الدول الأوروبية، مثل ألمانيا والدنمارك، تقوم بحملات دعائية من أجل ترحيل اللاجئين السوريين. وعلاوةً على ذلك، فإنّ البلدان المجاورة لسورية، مثل الأردن ولبنان، تقيد شروط دخولها، بحجة عدم حصولها على الدعم المالي المناسب من البلدان الغنية الأخرى، وهي بذلك غير قادرة على الحفاظ على التدفق الجماعي للاجئين السوريين. والواقع أنّ البلدان الغنية لم تحترم التزاماتها من اتفاقات تقاسم الأعباء المتعلقة باللاجئين، ولم تف بالوعود التي قطعتها في مؤتمر بروكسل في عام 2017. الأمر الذي انعكس في انخفاض كبير في عدد اللاجئين السوريين، إذ جرى إعادة توطين 3 بالمئة فقط من اللاجئين السوريين المسجلين في قوائم طالبي اللجوء في البلدان المجاورة.

إنّ خلق حالةٍ، تدفع اللاجئين السوريين إلى العودة دون موافقتهم، أمرٌ غير مقبول دوليًا على الإطلاق. يجب على السياسيين والحكومات أن يكونوا أكثر حذرًا في خلق مناخ يزيد من معاناة السوريين، والتي بدورها ستؤدي إلى تفاقم أزمة اللاجئين الحالية. يجب على السياسيين وضع سياسات من شأنها مساعدة اللاجئين، بعد سبع سنوات من صراع وحشي شهدوه، أدّى إلى نزوح أكثر من نصف عدد سكان سورية، إذ وصلت تقديرات المنظمات غير الحكومية العاملة في الشأن الإنساني في سورية إلى ما يقارب 6 ملايين نازح داخليًا، ونحو خمسة ملايين لاجئ خارج البلاد. إذًا، على المجتمع الدولي ألّا يُعَرّض السوريين للمعاناة مرة أخرى، وذلك من خلال ترحيلهم قسرًا إلى أوطانهم. لذا، فإن الوقت قد حان كي تفي الدول الغنية بوعودها والتزاماتها القانونية، من خلال قبول المزيد من طالبي اللجوء، وإرسال المساعدات المالية إلى البلدان المجاورة لسورية.

 

اسم المقالة الأصلي The ‘voluntary’ repatriation of Syria’s refugees: neither voluntary nor legal
الكاتب                        إيما كابرول / Emma Cabrol
المصدر مركز حرمون للدراسات المعاصرة، برنامج الباحثين الزائرين الدوليين
ترجمة وحدة الترجمة والتعريب

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق