تحقيقات وتقارير سياسية

اختلاطات.. وسورية على المشرحة

 

يقول أصحاب كثر من المهتمين بالشأن السوري، من أبناء البلد، إننا دخنا وما عدنا نعرف الحقيقة من الغش، ولا الذي يجري، وأين يصبّ، ولا مصير البلد وما يخططون له.

جميعهم، الأصدقاء وغيرهم، يؤكدون “على الطالع والنازل” حرصهم على وحدة سورية السياسية والجغرافية، وجميعهم يتكلمون عن الالتزام بالقرارات الدولية الخاصة بسورية”، وآخرها القرار 2254 الذي نصّ على قيام نظام ديمقراطي، غير طائفي، وذي صدقية؛ ما يفهم منه أن سورية ستبقى موحدة.

الروس يؤكدون.. والأميركيون ومعهم الأوربيون يعيدون الكلام عن سورية الموحدة، وتركيا أيضًا تُجدد كلامها عن وحدة سورية، وتستقطب عددًا كبيرًا من السوريين إلى خندقها، وتأييدًا لما تقوم به، لكن ما يجري على الأرض شيء آخر، كأن لا علاقة له بتلك الشعارات والتصريحات.

قبل أعوام قليلة، صدر تقرير (راند) من قبل مجموعة من الباحثين والسياسيين الذين شغلوا مواقع مهمة في الخارجية الأميركية، أو مؤسسات أميركية بحثية، وتناول التقرير بالتفصيل احتمالات قيام أربع مناطق نفوذ، أو كيانات شبه مستقلة، وحددها جغرافيًا والجهة المشرفة عليها: منطقة نفوذ روسية، وأخرى أميركية، وثالثة تركية ومعارضة، ورابعة كردية مع شيء من الإدارة الذاتية، بينما أدخل النفوذ الإيراني ضمن المنطقة الروسية، أي تلك التي يجب أن تكون تحت سيطرة النظام.

ترتسم اليوم على الأرض مناطق نفوذ تتقاطع مع تلك التي جاء عليها التقرير؛ فالأميركيون يصرحون بوضوح، وللمرة الأولى، بأنهم باقون في سورية إلى أمد بعيد، لذلك يركزون وجودهم المدعّم بقوات عسكرية ومطار، وبإمكانية إيجاد قواعد عسكرية محصّنة، في منطقة وادي الفرات والمنطقة الشرقية الحدودية، وهي المناطق الأغنى في سورية بالثروات الباطنية، خاصة النفط والغاز، والزراعية. بينما يعملون على الاستفراد في إدارة عدد من المناطق الحدودية عبر وجود قوات عسكرية ومدنية، وتشكيل قوات حرس الحدود من أبناء المنطقة تحت إشرافهم، سيمتدّ نفوذهم إلى مناطق الجزيرة وغيرها التي تقع تحت سيطرة قوات (قسد)، على صعيد الرقة والحسكة وجزء من دير الزور، وهناك معلومات تؤكد امتداد قوس النفوذ العسكري الأميركي حتى الجنوب، حيث يجري العمل على إقامة نوع من الحالة المستقلة الخاضعة للنفوذ الإسرائيلي، بمشاركة أردنية.

مناطق النفوذ الروسي، أو ما يقال عن “سورية المفيدة” التي تشغل مساحات مهمة، تضم معظم المحافظات السورية، من دمشق ومعظم ريفها إلى حمص وحماة والساحل، وسيكون النظام هو الغطاء، لذلك تشهد مناطق الغوطة والقلمون، وريف حمص الشمالي هجومات ضارية من قبل النظام، بدعم روسي كبير، لضمّ هذه المناطق إلى سيطرة النظام، وحصار الثورة ومناطق تواجدها في إدلب ومناطق (درع الفرات)، وبعض الألسنة الصغيرة في القلمون، بينما الكلام كثير عن تحجيم النفوذ الإيراني، وطرده -على الأقل- من مناطق الجنوب، كي لا يكون هناك أي تهديد لمناطق النفوذ الإسرائيلي، والأمن الإسرائيلي الواسع.

مناطق المعارضة التي ستكون بنوع من الإشراف التركي ستكون في ريف حلب الشمالي وجزء من الجنوب، وصولًا إلى أجزاء من إدلب، حيث تكثر المؤشرات على إمكانية عودة جزء من إدلب -خاصة المدينة- إلى سيطرة النظام، بما فيها ريف حماة الجنوبي والشمالي الغربي، وعلى أن تسيطر تركيا على الخط الحدودي الرابط بينها وبين سورية، وصولًا إلى إيجاد معابر وممرات تصل (درع الفرات) بمنبج وأجزاء من عفرين.

ما يزال الصراع مستمرًا، حول حدود “الإدارة الذاتية” للأكراد أو “قوات سورية الديمقراطية”، فتركيا ترفض بإصرار أي وجود كردي على حدودها يمثل خطرًا على أمنها، ويمكن أن يكون رأس حربة ضد أوضاعها الداخلية، أو مقدمة لإقامة كيان كردي ما، يكون سبيلًا للتأثير على الداخل التركي، لذلك تدخل تركيا معارك (غصن الزيتون)، بإسهام واضح من الجيش الوطني السوري الذي يقوم بالدور التنفيذي المباشر في تطهير مجموع القرى والمناطق الجبلية الحدودية من قوات (قسد)، في حين أن مدينة عفرين، بعد إقدام قوات الـ (بي وي دي) على عقد اتفاق مع النظام السوري بدخولها، تخلق أوضاعًا جديدة لمعادلة قادمة وقابلة على أنواع مختلفة من التغيرات، وقد تكون تعبيرًا عن تفاهمات إقليمية، وضمن سياق أستانا، يتم توازع الوجود فيها على حساب تطهيرها من قوات (قسد) التي تعلن استعدادها للانسحاب، وتسليم المدينة للنظام السوري.

أمام هذه اللوحة التي تتموضع في الجغرافيا السورية، يصبح السؤال مقلقًا ليس عن الحل السياسي وموقعه وحسب، بل عن مصير سورية القادم، وهل ستبقى موحدة فعلًا، كما تنصّ على ذلك قرارات الشرعية الدولية وتصريحات مسؤولي مختلف الدول؟ أم أن مناطق النفوذ ستكون ضمن الاتفاقات، أو التسويات القادمة، أي قابلية إقامة نظام سياسي ضمن وصاية تلك الدول التي تتوازع مناطق النفوذ، في حين أن عوامل التقسيم تتجاوز الوجود العسكري، والمشاريع المختلفة إلى تلك المتعلقة بالثقافة والتعليم، ومختلف جوانب الحياة وعلاقات المجتمع؟

الخوف مشروع من تحوّل مناطق النفوذ إلى أمر واقع، وإلى حالة تشبه الوصاية، أو الانتداب، بل الاحتلال المباشر، أو الاحتلال الاقتصادي؛ الأمر الذي يستلزم وعيه من قبل قوى المعارضة، وعدم إغفال ما يحدث على الأرض، وتناقضه مع مشاريع التسويات السياسية، أو صياغة دستور، أو الشروع بانتخابات رئاسية وتشريعية وسط هذا الواقع. إلا إذا قررت تلك الدول سحب قواتها، وترك السوريين يديرون أمورهم بأنفسهم، وفق قرارات الشرعية الدولية، وبنوع من إشراف الأمم المتحدة كهيئة أممية.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق