هموم ثقافية

إبن المقفع رائد الأدب السياسي والقصة العربية

 

شكل ظهور كتاب ابن المقفع (كليلة ودمنة) في القرن الثاني للهجرة، حدثًا بالغ الأهمية، ومنعطفًا أشّر باتجاه خروج جنس أدبي سردي جديد، إلى دائرة الضوء، حاملًا مؤهلاته الفنية النسبية، واستعداده إلى النضج والاكتمال، باعتباره الجنس المولّد من تلاقح الثقافة والأدب العربي بالثقافة الفارسية، عبر الترجمة وتقليد النموذج المترجم والتزيد عليه أو تعديله، بما يجعله أكثر قبولًا للذوق العربي السائد، ذلك الذوق الذي صرفه اهتمامه وولعه بالشعر العربي عن الاهتمام بالسرديات القصصية، فظلت تسير باستحياء في الظلّ، وتقتصر على القصص الوظيفي الديني، حتى إذا سجلت (كليلة ودمنة) حضورها النوعي اللافت؛ بدأ المجال يوّسع للجنس الوليد، وقد راح يتلمس طريقه في فراغ الساحة، من ركائز فنية وأسلوبية، يهتدي بها الكاتب في هذا الفن، ليضيف على منجزها إبداعه الجديد.

صحيح أنّ ذلك الظهور المبشّر للقصة، قد توافق مع نمو وانتشار ظاهرة السرديات الوظيفية، التي راحت تنشط وتتنافس، جاعلة من الحديث النبوي محور اهتمامها، حتى غدت حرفة، يتحلق حول أصحابها الرواة والمتفقهين والشراح والوعاظ حلقات شعبية من العامة، ما لبثت أن نبهت الدوائر السياسية الحاكمة، إلى ما قد تحمله هذه التجمعات من مخاطر أمنية وسياسية، فلجؤوا إلى تقنينها ومراقبتها وإخضاعها لضرورات السياسية، باسم الدين وبذريعة الوقوف في وجه الرواة الكذّابين والمزورين، وقد غدوا أكثر من أن يُسكت عنهم، ولكن هذه السرديات انحصرت في سرديات إخبارية، رافقت إذاعة الحديث وتناقله، ولم يكن لها تلك الأساليب المشوقة ولا التقنيات التي تجعل منها قصة أدبية، فكان لا بدّ من ظهور رائد آخر، يشق الطريق إلى هذا الفن السردي النثري جاعلًا من هموم السياسة متنه وهدفه، ومن الحكاية لحمته وسداه، ولم يكن هذا الأديب الريادي النبيه، سوى ابن المقفع.

وابن المقفع هذا، لم يكن سوى ذلك الابن النبيه الذي ورث لقب والده الشائه وخلّده بنبوغه، كما خلّد الإشارة إلى أساليب الطاغية الحجاج بن يوسف الثقفي، الذي ظلّ يضرب والده على قفا يديه ضربًا مبرحًا حتى تقفّعتا، على إثر اتهامه بسرقة ما، أما اسم ابن المقفع فقد غدا أبو محمد عبد الله بن روزبة 106 – 142 هجرية و 724- 759م بعد إعلان إسلامه متخليًا عن ديانته المجوسية، وفي تعريفه أنه كان مفكرًا ورجل علم وأدب من أصول فارسية، وقد عاصر سقوط الدولة الأموية، وشهد ثارات العباسيين ودمويتهم؛ فانكفأ عن رغبته الملحة في الاتصال بقصور الخلفاء والسلاطين، وتثقف من منابع الحكمة والمعرفة ونال الشهرة المتأتية إليه من أربع لغات أتقنها، وهي اللغة الفارسية والعربية واليونانية والهندية، ثم في تأليفه كتابَين مهمّين هما الأدب الكبير والأدب الصغير، وقد ضمن كتابه (الأدب الصغير) الموجه للعامة من علمه وتأدّبه وحكمته وظرف لسانه، الشيء الكثير، وتحدث في كل شأن من شؤون الحياة الدنيا بمتعها وغوايتها، وفي الدين والأخلاق وحسن السلوك وأدب الأصغاء، والتأدب في حضر السلطان وغيرها، بينما خصّ (أهل السلطان والإمارة) في كتابه (الأدب الكبير) وفيهما معًا، يتكامل المقال الأدبي بالوعظي والحكمي، وظرافة الأديب وسطوع أسلوبه وبيانه، وكل ما تميز به من سعة وإحاطة وتدّبر، حتى استحق –برأيي- لقب الأديب المؤدّب للعامة مباشرة ولأصحاب المناصب والسلاطين، وهي ميزات تكشف لنا عن عالِم في شؤون الإدارة والسياسة وفاهِم لألاعيبها ومكرها، متحاشيًا الاصطدام برجالها، وقد غدا مُصلحًا ومربيًا كبيرًا، وإن لم يعترف له بها عصره، إذ كثر حساده والمسيئون إليه.

عمل ابن المقفع كاتبًا في الدواوين، وقد أفاد الرجل من انتقاله إلى البصرة، فتعرف على الولاة وأهل الحديث والفقه واللغة والأدب والخطابة؛ فتعمقت صلته بالأدب العربي واتسعت إحاطته، فأبدع في أساليب العربية، وتمكّن من حلاوة الألفاظ، وذاع صيته وتداول الناس كتبه، ولكن سفيان بن معاوية المهلبي، والي البصرة، كان قد ترصده وقتله منتقمًا منه شرّ انتقام؛ لأنه كان يسخر من رعونته ويكشف فساده، وهو يذكرنا بجرائم نظام الأسد في هذا العصر، فقد قطّع المهلبي لحمه وراح يشويه وهو حيّ، وكان لم يتجاوز السادسة والثلاثين من العمر، وبموته خسر الأدب العربي علمًا لا يعوّض، وموهبة مؤهلة ربما للتجديد والتطوير غير المحدودين.

ترجم ابن المقفع كتاب (كليلة ودمنة) عن اللغة الفهلوية، وهو كتاب من أصول هندية، ألفه الفيلسوف بيدبا للملك دبشليم في القرن الرابع باللغة السنسكريتية، وتمت ترجمته إلى الفهلوية في القرن السادس، ثم إلى العربية في القرن الثامن الميلادي، ويعتبر هذا الكتاب من أهم وأوّل المؤلفات المبكرة في (الأدب السياسي وفي القصة الأدبية) في اللغة العربية، وقد عدل ابن المقفع في بعض قصصه وأضاف إليها شيئًا من تأليفه، وامتازت قصصه (خرافاته) بجودة سبكها وسلاسة السرد وبالحوار المكثف القصير، وبالعناية في انتقاء الشخصيات الملائمة للغرض الذي وضعت له، وهي على الرغم من بدائيتها وبساطتها، يمكننا أن نقرر أن مثل هذا العمل المبكر، كان يمكن له أن يؤسس لولادة قصة فنية عربية، لولا  موته، ولأنّ الفئات المثقفة ذات النزعة والميول الأرستقراطية، آنذاك، اتجهت إلى الشعر دراسة وإنشادًا ونقدًا ومناقشة، باعتباره الشاغل الأهم للقصور والأمراء والأرستقراطية العباسية، بينما انتحى القصّ والحكاية في زوايا الدراويش، قانعة بمن يتجمع حولها، لتقدم لهم المتعة وحكايا الأخبار والأسفار وكل غريب، ما يعوض عليهم بؤس العيش والحرمان، ولا سيما أنّ هذه السرديات راحت تنتهك خصوصيات القصور وليالي السمر والعربدة للسلاطين.

ومن قراءة مجمل قصصه وأدبه السياسي في كتابيه؛ يتضح لنا ميل ابن المقفع للنفاذ إلى بلاط السلاطين، ومحاشرة السياسيين والتحرّش بالسياسة، بالرغم من حذره الشديد من الوقوع في يد متنفذيها، فكثرة ورود اسم الملك ووزيره والحلقة الضيقة حولهما، كما هيأتها القصص، كلها تصب في التكوين البنائي لسلطة استبداد، تقسو وتظلم وتوقع الضحايا، ويكثر فيها الفساد والوشاة والمخبرون، ومما يرجح أن ابن المقفع قد قُتل وقطع لحمه وشوي على النار، بسبب حشريته السياسية، وهو لم يتجاوز 36 من العمر، من هذا أنه أرسل رسالة إلى أبي جعفر المنصور، يعرض رأيه فيها بأسلوب الحكم، وينمّ إليه بفساد مسؤولين كبار، ممن يتولون المناصب السياسية والإدارية، وخاصة والي البصرة حينذاك.

لقد تلذذت العامة وتفكهت بخرفاته المكثفة المنسوجة بعناية، لتخدم فكرة محددة تدور في فلك القصور المفترضة، والمحبوكة سرديتها حول حادثة متخيلة أو خرافة، تصل إلى هدفها بقليل الكلمات ومن الكلفة والزينة اللغوية، ففي قصصه غالبًا ما يمثل الأسد دور الملك والثور رئيس وزرائه والثعلب الماكر مستشاره، هو من يسخر سلطة الأسد لغايته، والحمار هو الضحية (العامة المغفلة).

مقالات ذات صلة

إغلاق