مقالات الرأي

في الفرق بين الدولة والمدينة

 

في لقاء مع صديق قديم، فرقتنا سنوات الحرب السورية المتطاولة، ذكر أنه في الأشهر الأولى من قدومه إلى تركيا كان يُمارس عادة سورية مزمنة، هي سؤال الناس عن المدن التي ينتمون إليها، فكان لا يتردد في سؤال التركي الذي يلتقي به عن المدينة التي فيها مسقط رأسه، محاولًا أن يرى الفوارق في التعامل بين أهل مدينة وأخرى، ولكنه فوجئ أن هذا السؤال لا يعني لهم شيئًا على الإطلاق، فالتركي يولد في مدينة ويدرس في أخرى، ويعمل في ثالثة… إلخ، وكانت دهشته أن التركي ربما استغرب هذا السؤال.

تعكس حالة صديقي السابقة ظاهرة عامة في سورية، هي حالة الاختلاف بين المدن في ما بينها، وبينها وبين الأرياف. هذه الاختلافات عبّر عنها النظام من خلال تقسيم سورية إلى مناطق مفيدة، ومناطق غير مفيدة، وهو ما يعكس رؤية جغرافية في تصور المواطنين، لدى “الدولة” التي يفترض بها أن تتعامل معهم على أساس من المساواة والعدالة، فالبنية العميقة لخطاب النظام أن الإنسان السوري ينقسم أيضًا إلى سوري مفيد وآخر ليس كذلك.

هذا الإصرار السوري على السؤال، عن المدينة التي ينشأ فيها المرء، يخفي وراءه نزوعًا نحو صب الناس في قوالب ثابتة، فالدمشقي ذكي، والحلبي تاجر، والحمصي إنسان “مهضوم”، وأهل درعا والدير كرماء.. وهكذا تتناسل الصفات التي تعمم على أهل المدينة الواحدة، فيجد المرء نفسه فيها دون إرادته. ويظهر هذا التقوقع بين أهل المدينة أو المنطقة واضحًا في أثناء الخدمة العسكرية الإلزامية، حيث يتجمع أبناء كل منطقة أو محافظة مع بعضهم، مطلقين على أنفسهم لقبًا شهيرًا “بلّود” أي: ابن المحافظة/ البلدة التي ينتمي إليها، وكأن المحافظات الأخرى ليست بلاده أيضًا. يقال هذا في قلب مؤسسةٍ، كان يفترض بها أن تكون الحارس الأمين على الوحدة الوطنية.

تتردد بين السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي عبارة ذات دلالة: “لم أكن أعرف أن هناك مدينة اسمها منبج! ولا بلدة اسمها كفرنبل”… على سبيل المثال. تعكس هذه العبارة حجم الجهل بجغرافية البلد الذي يسكن فيه السوري، وهو جهل مُركّب صنعته السلطة، بخطابها الإعلامي فوق الوطني الذي ركز على العروبة، بوصفها فضاء أوسع ينبغي على الذات السورية التمدد فيه، وسياساتها الفعلية في المجال الداخلي، والقائمة على تهميش الوطن لصالح الانغلاق ضمن أطر ضيقة تؤطرها عوامل ما تحت وطنية.

لكن المفارقة أن هذا الجهل بمعالم الدولة الوطنية تقابله معرفة واسعة بالوطن العربي: حدوده، جغرافيته، صناعاته، مدنه… الأمر الذي يشي بعمق الخلل الذي تعيشه الذات السورية في تصورها لنفسها.

بعيدًا عن حقيقة أن الحساسية بين الريف والمدينة موجودة في كل دول العالم، فإنها في سورية تتخذ طابعًا هوياتيًا، فمؤشر الحساسية بين حلب وريفها مرتفع جدًا، بل لعله من بين الأعلى في العالم.

ثمة أبعاد تاريخية، لا يمكن نكرانها في الحساسية بين المدينة والريف، وبين المدن فيما بينها، وكي لا نوغل بعيدًا في عصور الدول-المدن التي انتشرت على كامل خريطة بلاد الشام، في الفترة المتأخرة من العصر العباسي، ينبغي التذكير أن سورية الحالية التي تشكلت عقب انهيار الدولة العثمانية كانت محصلة اندماج ما بقي من ولايتي حلب ودمشق، والأقضية التابعة لهما، بكل ما فيها من اختلافات في طرق الحياة والعيش، ما تزال مستمرة حتى اليوم. وهذا الاندماج الذي جرى على عجل رأينا نتائجه في البعد الاقتصادي الذي كان يتحكم بالخيارات السياسية لكلتا الحاضرتين. ففي حين كانت حلب تميل كما هو معلوم في الخمسينيات إلى الوحدة مع العراق، فإن دمشق فضلت الوحدة مع مصر.

القضية الرئيسة أن الدولة السورية، حتى في فترة ما قبل البعث، لم يكن في ذهنها ردم الفجوة بين المناطق الجغرافية التي تكونت منها سورية الحالية. يعود هذا القصور إلى طبيعة النظرية التي هيمنت على الخطاب السياسي السوري، حتى في فترة ما قبل البعث، وهي أن سورية (عرين العروبة كما في النشيد الوطني) جزء من كيان أوسع، هو الوطن العربي، وهو ما استلزم النظر إلى الدولة القطرية على أنها مرحلة على طريق تحقيق الوحدة العربية المنشودة. فعلى الرغم من الإنجازات التي حققتها الدولة في عهد البعث، في توسيع التعليم والرعاية الصحية وتوفير شبكات المياه الآمنة والكهرباء لكثير من المناطق الريفية، فقد بقيت على سبيل المثال مناطق شرق سورية وشمالها الشرقي مهملة من الناحية الخدمية، على الرغم من أنها الأولى في إنتاج المحاصيل الزراعية، وتتركز فيها معظم الثروة النفطية. وفي ظني أن شبكة الولاءات التي تتحكم بأجهزة الدولة أسهمت بنصيب وافر من هذا الإهمال، فمناطق شرق سورية وشمالها الشرقي من أقل المناطق حضورًا في الأجهزة البيرقراطية للدولة، والأكثر ابتعادًا عن مراكز النفوذ، لأسباب يطول شرحها.

بعيدًا عن النواة الصلبة للنظام، وهي نواة طائفية، فقد حرص النظام على استثمار الحساسيات الجغرافية في المناصب المدنية العليا، ولا سيما في توزيع الحقائب الوزارية، والمديريات العامة، فطاقم وزارة الخارجية في عهد البعث يأتي جزء كبير منه من درعا، بعد أن كان في حكومات ما قبل البعث حكرًا على الطبقة البرجوازية في حلب ودمشق، ومن درعا أيضًا تنحدر معظم القيادات الحزبية، في حين يجري توزيع الوزارات، وفق حساسيات أكثر دقة، يراعى فيها التمثيل الطائفي والمناطقي. أما وزارة الإعلام فأغلب العاملين فيها وفي الصحف الرسمية ينحدرون من قرى اللاذقية وطرطوس، ومثلها مؤسسة الطيران. ولم تكن المعارضة أحسن حالًا، فحركة الإخوان المسلمين يتصارع على قيادتها جناحا حماة وحلب. وأذكر أنه في جامعة هذه الأخيرة كان الصراع على أشده، بين البعثيين الأدالبة و”الشوايا” (كلمة تطلق على أبناء العشائر، وخصوصًا سكان أرياف حلب والرقة ودير الزور والحسكة)، على الهيئات الطلابية والشعب الحزبية وقيادة فرع الحزب. أما حالة المعارضة الآن فهي مثال صارخ على انتقال كل العلل التي أسهم النظام في خلقها، إلى هياكل المعارضة (الهشة أصلًا) التي يفترض أنها تقدم بديلًا مغايرًا للحكم.

أريد أن أصل من هذا كله إلى أن توزيع السلطة في سورية يخضع بدرجة كبيرة للعامل الجغرافي الذي كان وما يزال أكثر حضورًا وأهمية في الفضاء العام من الاشتراك في رؤى فكرية وأسس أيديولوجية، تجد تحققها الأمثل في الأحزاب السياسية، كما هو شأن الحياة السياسية السليمة. هذا العامل الجغرافي واحد من الأسباب التي تعوق قيام حياة حزبية سليمة، تستند إلى الممارسة السياسية والتوجهات الفكرية العامة، وهو ما يعني أيضًا أن الحياة السياسية السورية ستبقى، إلى زمن ليس بالقريب، رهينة لهذا البعد الجغرافي الذي يجري التعبير عنه حاليًا بفكرة اللامركزية أو الفدرالية القائمة على أساس المحافظة أو غيرها.

لعل الإشارات الأخيرة إلى “الشعوب السورية” لا تعبر حقيقة عن الواقع السوري، ولكن ردة الفعل المبالغة من المعارضة كانت أيضًا تتعامى عن حقيقة أن تلك المدن (الدول) اكتشفت أن هناك كيانًا سياسيًا يضمها، وأن هدف إسقاط النظام هو ما يجمع بينها في المرحلة الحالية.

مقالات ذات صلة

إغلاق