مقالات الرأي

ثقافة العنف

 

مع بداية هذا القرن كان ابني قد بلغ سن المراهقة، وكما هو معروف، هي سن التمرد على كل الضوابط المنزلية والمدرسية والمجتمعية. كان يقلقني أنني لا أستطيع أن أكون أبًا حازمًا، فالفروق بين الحزم والقسوة غير واضحة، بالنسبة إلي، لذا ملتُ إلى طرف الليونة المُغطاة “بلحاف” الديمقراطية، وأساليب التربية الحديثة، وقوانين المجتمع الكندي، وغفوت مع أذنين مفتوحتين قليلًا، على أمل أن أستيقظ وقد تجاوز ابني مرحلة المراهقة، ولكن الحقيقة كانت أنني بقيت مستيقظًا سنوات بكاملها.

كانت، وما تزال، حياة الشوارع أقوى وأكثر جذبًا للمراهقين من البيوت وطقوس العائلات؛ في المأكل والمشرب والنوم والمواعيد، تليها في الجاذبية، محتويات مئات الأقنية التلفزيونية التي تبث على مدار اليوم كله، ولكي تكون جذابة وجماهيرية، فالعنف والجنس هما المحتوى الغالب على موضوعات تلك الأقنية، للربحية السهلة والمضمونة التي تحققها تلك الموضوعات. ومهما كانت الأم الشرقية ماهرة في تحضير الطعام؛ فإن لـ “ماكدونالد” وسندويشته “الهامبرغر”، سحرًا وطعمًا، لا يستطيع أحد مقاومتهما، وبخاصة طفل قادم من الشرق أو الجنوب، فحضور “ماكدونالد” التلفزيوني، وتصدره كل وسائل الإعلان جعله يختصر ثقافة العصر الأميركي، ويجسدها في طبقات السندويش الشهير الذي يبتلعه الإنسان الراكض في سباق لا ينتهي رغمًا عنه، للانغماس في تلك الثقافة، رغم الادعاء برفضها، فلا أحد يستطيع الهرب منها، حتى لو كانت “لحمتها غير حلال”.

أحد الأيام تلقيت اتصالًا هاتفيًا من الثانوية، طلبوا مني الحضور لمناقشة وضع ابني وسلوكه المدرسي، فذهبت. كان نائب المدير بانتظاري في الوقت المحدد، وما إن جلست مقابله على كرسي، يفصلني عنه مكتب مساحته تقارب مساحة “ملعب” كرة قدم، حتى بادرني بهجوم لطيف، ليس فيه أي كلمة نابية، أو أي خرق وتجاوز لقوانين حقوق الإنسان، أو أي نوع من التمييز الجنسي أو العرقي، ولكن مع ذلك، كانت كلماته كالسكاكين، لم تترك منطقة حساسة في “جسدي الثقافي” إلا انغرست فيها. اعترفت له بجزء من المسؤولية عن سلوك ابني العنيف، وحاولت أن أبرر ذلك بإعادة الأمور إلى مصادرها المجتمعية والثقافية، لأننا داخل البيت لا نُمارس العنف أبدًا، ولكن قلت، ربما، أفلام العنف التي تحتل كل شاشات التلفزة، تكون مسؤولة عن ذلك. كان كلامي هذا بمثابة الصاعق الذي فجر القنبلة الموجودة في عقل نائب المدير، فقد قال منفعلًا أشد الانفعال: يا سيد، العنف ليس مصدره تلفزيوناتنا، العنف موطنه ومصدره من عندكم، من الشرق حيث كنتم تعيشون. فاجأتني حدة صوته وحجم العنف اللفظي فيها، والاتهام الواضح لثقافة منطقة من العالم، يحاول الغربي عامة، والكندي خاصة، أن لا يقع فيها، ولم أجد شيئا أقوله، فعلى افتراض تجنّيه عليّ وأن القانون يمنحني حق المساواة معه نظريًا، إلا أنني انسحبت، ولم أستطع تجاوز مقارنة “لطف” عنفه اللفظي، بعنف النظام الأسدي الجسدي والمعنوي، الذي دفعني للهرب من سورية، بعد خروجي من السجن، وطلب اللجوء في كندا، رغم مرور أكثر من عشر سنوات على ذلك، وقبل أحداث  الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر 2001، وقصف برجي التجارة في نيويورك، الذي وضع العرب والمسلمين عن بكرة أبيهم، وأينما كانوا، في دائرة “الإرهاب”، فارتاح بذلك ضمير الغربيين، وأقنعوا أنفسهم أن العنف مصدره خارجي، وارتاحوا من التعاطف مع قضايا العرب والمسلمين العادلة، وخاصة قضية فلسطين، ومأساة الشعب السوري تحت حكم الأسد، وبانت “عورات” حقوق الإنسان، وحق الحرية والعدالة والمساواة، بالمفهوم الغربي لها، وتبيّن أن هذه الحقوق هي مسألة غربية داخلية تمامًا، غير مرغوب في تصديرها، بل هي غير قابلة للتصدير “للإرهابيين”.

برهنت الأحداث التي وقعت في الغرب خلال 18 سنة الماضية، وخاصة في أميركا الشمالية، وبعد لقائي مع نائب مدير تلك الثانوية، أن العنف ثقافة ممتدة وموجودة في الغرب. فلو أخذنا، على سبيل المثال، ما جرى خلال السنتين الأخيرتين من مذابح جماعية في الولايات المتحدة؛ لوجدنا أن آخر مذبحة حصلت قبل حوالي أسبوعين في مدرسة ثانوية في فلوريدا، وذهب ضحيتها 17 إنسانًا بين طالب ومدرس. وقبلها بعدة أشهر حدثت مذبحة، في لاس فيغاس، راح ضحيتها 58 إنسانًا. وقبل ذلك أيضا بأربعة أشهر تقريبًا وقعت مذبحة في كنيسة في تكساس، راح ضحيتها 26 شخصًا.

أما في كندا، فقد حصلت مذبحة مدرسة بوليتكنيك أو مذبحة مونتريال عام 1989، وذهب ضحيتها 14 طالبة، وجرح 14 آخرين، بينهم أربعة رجال، وكانت أساسًا موجهة ضد النساء. أما العام الماضي، في كانون الثاني/ يناير 2017، فقد حصلت مذبحة مسجد (كيبيك)، وراح ضحيتها ستة أشخاص وجرح سبعة عشر آخرين.

في وجه آخر للعنف، ولكن هذه المرة كان موجهًا نحو “الذات”، فقد تمّ، من حسن الحظ، الكشف عن اتفاق ستين تلميذًا في إحدى ثانويات مونتريال، على تنظيم عملية انتحار جماعية في 30 كانون الثاني/ يناير 2018، وتم أخذ الاحتياطات لإفشال العملية، وإعلام الأهل والجهات المختصة بذلك.

يمكن القول إن الشباب والصبايا الغربيين الذين التحقوا في صفوف (داعش) هم، في أحد تعبيراتهم، أولاد العنف في المجتمع الغربي، وليس الدين إلا طرفًا من أطراف تكوينهم.

ختامًا، لست بصدد الدفاع عن الشرق وعنفه، ولا إدانة الغرب وعنفه، فالعنف مدان بكل الأحوال، وأينما وجد، ولكن أردت القول إن القضاء على الإرهاب وثقافة العنف لا يمكن أن ينجح دون تجفيف مصادره الحقيقة التي هي التهميش والظلم والاستبداد، وفي الحالة السورية، هو القضاء على نظام الأسد، المنتج الحقيقي للإرهاب.

مقالات ذات صلة

إغلاق