أدب وفنون

أيام الأدب العربي الألماني في برلين

 

لم أتوقّع، وأنا في طريقي إلى برلين لحضور أيام الأدب العربي الألماني، أن أعيش خلال يومين تلك البهجة، والتفاعل المعرفي والإنساني، الذي كسر برودة الطقس.

لا أعرف كيف يمضي الوقت سريعًا في برلين. في الساعة الرابعة تمامًا، كنا أمام بناء عريق في قلب المدينة، هو مقر المكتبة المركزية (وهي أول مكتبة عربية في برلين)، التي منحت مكتبة (بيناتنا) قاعةً ملحقة بها لكي تصبح المقر الدائم لهذه المكتبة المهتمة بالكتاب العربي، والذي من الصعب أن تحصل عليه في مكان آخر. بهذا أصبح مشروع (بيناتنا) جزءًا من المكتبة البرلينية، مع حفاظها على هويتها، وأهدافها الثقافية، التي نشأت من أجلها.

ترافق افتتاح المقر الجديد لمكتبة (بيناتنا)، مع إطلاق أيام الأدب العربي الألماني، الذي نظمته المكتبة بالتعاون مع مجلة (فن) التي يرأس تحريرها الشاعر الشاب رامي العاشق، والتي حلّقت بدورها حديثًا، على أجنحة ثلّة من الشباب والصبايا السوريين والعرب والألمان، الذين يختزنون طموحات وأحلام لا تُحد، محمولة على إبداعاتهم الأدبية والفنية والصحافية المدهشة، التي تقنعك أنك أمام جيل جديد، يمتلك رؤية وإرادة، إضافةً إلى معرفة بأدوات وتقنيات التواصل البصري الحديثة التي لا يمتلكها الجيل السابق.

لفتت انتباهي كلمة قصيرة لمدير مكتبة برلين، أشار فيها إلى الفضاء العام الذي توفره المدينة للتفاعل مع ثقافة الآخر، القادم إليها كمهاجر، أو لاجئ، أو مضطهد سياسي في بلده… هذا القادم الذي يجد في برلين مساحة للتبادل الثقافي، حيث يقدم ثقافته، وينهل من الثقافة الألمانية، ليصبح من بعد ذلك جزءًا أصيلًا، وقيمة مضافة إلى ثقافة المدينة العريقة والمتنوعة. على هذا الأساس، ينظر مدير مكتبة برلين إلى مشروع (بيناتنا)، ومشروع مجلة (فن) وكل المشاريع المماثلة التي تجد في فضاء المدينة المفتوح متسعًا للحرية، ومساحةً للإبداع.

شجن الموسيقا

تناوب المنظمون (رامي العاشق، مهند قيقوني، إينس كابيرت) على تعريف الحضور ببرنامج الفعالية. أهدى رامي العاشق المهرجان إلى كل المعتقلين.. والأسرى والمخطوفين في السجون العربية، ثم كانت مائدة الافتتاح، وجبة موسيقية راقية، أعادتنا إلى أيام الطرب الشرقي الأصيل، مع وسيم مقداد من سورية (عود)، شينغو ماسودا من اليابان (قانون) وفالنتينا بيلانوفا من إيطاليا (ناي). ثلاثة موسيقيين من جنسيات مختلفة عزفوا (شمس الشموسة)، ومقطوعات أخرى حلّقت بنا إلى عوالم قصية، حرّكت المياه الساكنة في دواخلنا.

عادل قرشولي رئيسًا فخريًا:

كان الاهتمام بأدق التفاصيل واضحًا. دعوا الجمهور للانتقال إلى قاعة فسيحة في الطابق الثاني، مخصصة للقراءات الأدبية، مجهزة مع الترجمة الفورية من الألمانية إلى العربية والعكس. غصت القاعة بالحضور العربي والألماني، حيث افتتح الفعاليات الشاعر الألماني السوري د. عادل قرشولي، بوصفه الرئيس الفخري للمهرجان، بكلمة ترحيبية، قرأ خلالها قصيدة من شعره. بدأ الشاعر الثمانيني حديثه بالألمانية، ومن ثم بالعربية، وضجت القاعة بالضحك أكثر من مرّة تفاعلًا مع تعليقاته اللمّاحة.

القراءات الأدبية:

بدأت الجلسة الأولى مع الشاعر السوري فرج بيرقدار، والشاعرة السويسرية مونيكا رينك. قرأ كلٌّ منهما قصيدته بلغته الأم، وقرأ الآخر ترجمتها. هذا التبادل كان له وقعه على الجمهور، لأن قراءة النص المترجم، بهذا الشكل التفاعلي، اختبر مدى تذوق وحساسية كلّ منهما لنص الآخر.

قرأ فرج قصيدة من ديوانه (مرايا الغياب)، واتسم شعر مونيكا بالبعد الوجودي التأملي. أثناء الحوار حكى فرج عن دلالة “الغياب” في قصيدته، وعرّج على تجربة السجن، والمنفى كدلالات على هذا الغياب.

بطبيعة الحال، ثمة فوارق بين قصيدة مونيكا، وقصيدة فرج على صعيد الشكل والمحتوى، حيث نحت قصيدة مونيكا إلى التأمل الفلسفي، بينما حاكت قصيدة فرج هواجسنا، ومواجعنا كسوريين وعرب، نعاني ما نعانيه في ظل الاستبداد، والسجون، والاغتراب، وكل أشكال التهميش، والغياب القسري.

كانت الجلسة الثانية صاخبة مع الحضور المميز للشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة القادمة من حيفا في فلسطين المحتلة. قصيدتها كانت حافلة بالمجازات الشعرية. محبوكة فنيًا، وعميقة الدلالات. أضفى الحضور الشخصي القوي لأسماء سحرًا على أمسيتها، مع الشاعرة الألمانية نورا بوسونغ التي كانت على عكسها هادئة النبض، لكنها ذكية في التقاط اللحظة الشعرية الشفّافة.

توقعت أن ينخفض منسوب الحضور والتفاعل في اليوم الثاني، لكن حدث العكس تمامًا. بدأت فعاليات اليوم الثاني مع الحكايات المصوّرة، وتجربة (الكوميك) مع الفنان اللبناني مازن كرباج، والألمانية باولا بولينغ. أعمال كرباج مترجمة إلى عدة لغات عالمية. عرض مازن شيئًا من أعماله، وقرأ مقطوعة من كتاباته، ثم عزف على (البوق) كخلفية موسيقية للرسم الحي والمباشر للفنانة الألمانية باولا، التي تابعنا كجمهور ولادة رسوماتها أمامنا عبر الشاشة.

في الجلسة الثانية، كنا على موعد مع نكهة أخرى من الأدب العربي، مع الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن، صاحب رواية (المسيح في دارفور). ترجمة الألماني غونتر أورث الذي عاش سنوات متنقلًا بين سورية ومصر، حيث أجاد العربية كأهلها، وتعمق في دراسة الثقافة العربية.

خاتمة جلسات المهرجان كانت مع الروائية الفلسطينية نعمة خالد، والروائية الألمانية سيفينا ليبر. قرأت نعمة مقطعًا قصيرًا من روايتها (ليلة الحنة)، التي تُرجمت إلى الألمانية عام 2009. شدّت قراءة نعمة بتلوين إيقاعاتها الصوتية الجمهور، وفاجأت الحضور بغناء إحدى الأهازيج من الفلكلور الفلسطيني، المتضمن في النص، فبدا المشهد وكأننا أمام قراءة مسرحية ممتعة للنص. الأمر السلبي كان في اختيار نص سردي طويل نسبيًا للروائية الألمانية سيفينا، ممّا سبب بعض الملل، لكن الإيقاع المشدود تجدّد في الحوار الساخن مع الكاتبتين.

اختتم المهرجان فعالياته مع سهرة موسيقية مفتوحة “جام سيشين”، استمرت حتى الثانية عشرة ليلًا، حيث تقاطر عددٌ كبير من الموسيقيين من جنسيات مختلفة مع آلاتهم، وتناوبوا على المنصة، وما أن ينضبط “الهارموني” حتى تنساب الألحان متدفقة، بحيوية مدهشة، جسدت بالفعل هدف المشروع في “تشكيل وطن بديل في المنفى، وجسر ثقافي بين المجتمع المضيف، والعرب عمومًا، والسوريين خصوصًا”. نجاح هذه الفعالية قدم وجهًا مشرقًا، وحضاريًا أعاد المعنى المفتقد، والجوهري لحياتنا.

 

[av_gallery ids=’111346,111347,111348,111349,111350,111351,111352,111353,111354′ style=’thumbnails’ preview_size=’portfolio’ crop_big_preview_thumbnail=’avia-gallery-big-crop-thumb’ thumb_size=’portfolio’ columns=’5′ imagelink=’lightbox’ lazyload=’avia_lazyload’ custom_class=”]

مقالات ذات صلة

إغلاق