ترجمات

الغوطة الشرقية، المحاصرة والمتروكة وحدها، تستعد لهجمات جديدة

 

مباني متضررة على الجبهة في عربين التي يسيطر عليه المتمردون في الغوطة الشرقية. (عبد المنعم عيسى/ وكالة الصحافة الفرنسية/ صور جيتي)

في الغوطة الشرقية، الضاحية التي تسيطر عليها المعارضة قرب العاصمة السورية وتحاصرها الحكومة منذ سنوات، يجد السكان صعوبةً في وصف الرعب الذي يثيره صوت الطائرات الحربية في الصباح، فالتسليم بالأمر يهدئ من القلق، بينما الخوف يمكن أن يسرع نبضات القلب، ويسبب في تشنج كل العضلات.

تتساءل: “أين الأطفال، وكيف سيأكلون اليوم؟ وبعد ذلك، ماذا عن الغد؟ هل يمكن أن يكون يوم تالٍ!” تتساءل أم محمد (34 عامًا) وهي عاملةٌ في مجال المساعدات وأمٌ لطفلين، طلبت عدم الكشف عن اسم أسرتها خوفًا على سلامة الأقارب في مناطق الحكومة. “أحيانا أشاهدهم وهم ينامون، وأصلي فقط عسى أن يبقوا أحياء”.

لكونها المعقل الأخير للمعارضة على أطراف دمشق؛ عُزلت الغوطة الشرقية عن العالم، ونادرًا ما تدخلها قوافل المعونة التابعة للأمم المتحدة، في الوقت الذي قتلت هجمات الطائرات الحربية السورية في أوائل هذا الشهر ما لا يقل عن 210 أشخاص، ودخل مئاتٌ آخرين إلى ما بقي من مستشفيات.

جاء تصاعد العنف وسط تصعيدٍ أوسع في ساحات القتال السورية التي لا تزال خارج سيطرة الأسد. ومنذ عام 2012، اعتاد جيشه على استخدام قنابل جوية لاستعادة الأراضي التي استولت عليها المعارضة السورية المسلحة بعد الانتفاضة الشعبية. ما يميز صدمات الغوطة الشرقية النفسية عن البقية هو أن السكان ليس لديهم أيّ مكانٍ يطلبون منه المساعدة.

فالقوى الدولية المشاركة في أجزاءٍ أخرى من سورية ليس لها مصلحة استراتيجية كبيرة في ضاحيةٍ يقل عدد سكانها عن 350,000 نسمة ولا حدود دولية لها، ونتيجةً لذلك، لا يوجد وسيطٌ دولي مثل تركيا أو روسيا أو الولايات المتحدة لنشر قواتٍ برية أو عقد صفقةٍ سرية، تساعد على تقليل العنف، مثل ما حدث في أماكن أخرى من البلاد.

بعد زيارةٍ خاطفة إلى الغوطة الشرقية الأسبوع الماضي، وصفت الأمم المتحدة الوضع بأنه “أكثر خطورة مما يمكن تصوره”. وقد قيّمت تقاريرها في العام الماضي مستويات سوء التغذية هناك، بأنها مماثلةٌ لتلك الموجودة في أجزاءٍ من الصحراء الكبرى في أفريقيا.

في وقت السلم، قبل انتشار حواجز الحكومة والمعارضة، كانت الضاحية على بعد 20 دقيقة بالسيارة من وسط دمشق، حيث حاصرتها القوات الحكومية في نيسان/ أبريل 2013؛ ما حدَّ من تدفق البضائع بشدة منذ ذلك الحين، وأدى إلى ارتفاع الأسعار، وتسبب بعشرات الوفيات نتيجة نقص الأغذية أو الأدوية.

يعتمد إدخال المعونة على موافقة الحكومة السورية بالدخول إلى الغوطة الشرقية، وفي النهاية، فإن قوات أمن الأسد هي من يقرر نوع البضائع التي يمكن أن تنقلها القوافل إلى المنطقة.

أعلنت الأمم المتحدة، يوم الجمعة 16 شباط/ فبراير، أن مساعداتها الأخيرة وصلت إلى أقل من 3 في المئة من السكان، كما مُنع العاملون في المجال الإنساني من تحميل الشاحنات بمياهٍ نظيفة، أو بطانياتٍ شتوية، وتنكر الحكومة السورية أنها تقيّد وصول المساعدات، وتنشر دعايتها بإدخال المواد النادرة إلى الغوطة الشرقية، عبر وسائل إعلامها.

“إن الدبلوماسية الإنسانية فشلت حتى الآن، إننا نتحدث إلى آذانٍ صماء”، كما قال بانوس مومتزيس، المنسق الإقليمي للأمم المتحدة. وقال السكان إن سماء الغوطة الشرقية كانت هادئة يوم السبت، إلا أن المدفعية الحكومية استمرت بقصف المنطقة.

الأطفال يجلسون بجوار شاحنات الهلال الأحمر العربي السوري في الغوطة الشرقية. وقد تم إرسال تسع شاحنات إلى المنطقة الأسبوع الماضي، وهي المساعدة الأولى التي تصل إلى المنطقة خلال ثلاثة أشهر. (محمد بدرة/ وكالة حماية البيئة / شترستوك)

قال سمير سليم (45 عامًا)، وهو عامل إنقاذ من قوات الدفاع المدني: “ما نزال نشعر بالقلق”. وأضاف: “من المعروف أن النظام يستعد لاعتداءٍ جديد على الغوطة الشرقية، وينوي مهاجمتها من جميع الجهات”. وقد أعلنت فرق المراقبة، اليوم السبت، أن القوات الموالية للأسد تتجمع بالقرب من المنطقة، وتستعد لـ “عمليةٍ واسعة النطاق”.

وتصرُّ الحكومة السورية على أن هجماتها تستهدف قوات المتمردين التي تستخدم المدفعية لضرب المناطق الخاضعة لسيطرتها، لكن السكان وعمال الدفاع المدني والعاملين في المجال الطبي قالوا إن القنابل الحكومية تستهدف بشكل روتيني المناطق المكتظة بالسكان المدنيين.

في الآونة الأخيرة، بينما كان سليم يسرع في سيارة الإنقاذ إلى موقع غارة جوية حكومية، لاحظ أن الشوارع مألوفة له، وقال: “كنت أفكر: هذه منطقتي، وهذا هو شارعي، ثم أدركت أن بيتي كان هنا قبل الغارة”، وأضاف: “كنت أعرف أن عائلتي كانت فيه”.

عندما وصل، كان يسمع نواح جيرانه، وفي مكانٍ ما تحت كتل إسمنتية، يأتي عويل ابن شقيقه البالغ من العمر شهرًا. ووصف السكان، الذين أجريت معهم مقابلات عبر الهاتف، أنهم شاهدوا (سليم) يغوص تحت الأنقاض، لينتشل الطفل، ويبعد الحجارة التي لا حصر لها جانبًا بحثًا عن أقاربه.

تجمعوا فيما تبقى من غرفة واحدة، عثر على زوجة أخيه وأولاده وأبيه البالغ من العمر 85 عاما، ما زالوا على قيد الحياة، أما والدة سالم، والأقارب، فكانوا في الغرفة الأخرى. وجدها سليم عالقة تحت السقف. وقال عامل الإنقاذ إنه سحب ودفع البلاطة الحجرية حتى شعر بأنه عضلاته انهرست. “لم يكن هناك شيء يمكنني القيام به. كانت الحالة مزريةً جدًا. لقد مضت سيارة الإنقاذ للتو، وصارت في الشارع التالي، وفيها أمّي.. لم أستطع أن أفعل أي شيء لمساعدتها، لم أستطع”.

في لقطاتٍ من ذلك اليوم، يظهر عامل الإنقاذ في حالة ذهولٍ، لا حول له ولا قوة: “الرجاء مساعدتي، يا شباب. يا الله.. ماتت”، كما يقول في الفيديو، الذي نشرته (الخوذ البيضاء) على حسابها على (تويتر).

مع تزايد عدد القتلى في الغوطة الشرقية، وكذلك الاستعدادات. يقول حفارو القبور أنهم يجهزون ما بين 20 إلى 50 قبرًا في وقت واحد. وعندما تكون الجثث غير معروفة، أو عندما لا يكون هناك أفراد من أسرهم يطالبون بهم، يُدفنون في مقابر جماعية في الليل. وهناك مجموعة صغيرة من الأطباء الشرعيين والأطباء يقومون فقط بأبسط الطقوس، وفقًا للأطباء المحليين، قبل أن يسرعوا بالعودة ويتركونهم تحت غطاء الظلام لتجنب القنابل.

في الأمم المتحدة هذا الشهر، سارع المسؤولون السويديون والكويتيون إلى إيجاد حلٍّ، من خلال قرارٍ يدعو الى وقف المعارك لمدة 30 يومًا، ولكن لا أمل يذكر في تحقيق أي تقدم، حيث قال دبلوماسيٌّ أوروبي: إن روسيا، وهي أحد أهم حلفاء الحكومة السورية، تحاول سحب الاقتراح.

وقال موفد الأمم المتحدة لسورية دي ميستورا، في تصريحاتٍ للصحفيين خارج قاعة مجلس الأمن: إن التصعيد الأخير المترافق مع منع وصول قوافل المساعدات الإنسانية “من أكثر اللحظات خطورة”، التي عرفتها.

في الغوطة الشرقية، يقول الأطباء إن أكثر من 1000 مريض يحتاجون إلى إجلاءٍ عاجل، وأسماؤهم مسجلة في قوائم قُدمت إلى الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري.

بالنسبة إلى بعض الأسر، والتي كانت تعيش بالفعل على وجبة واحدة فقط في اليوم، فقد أوصلت المخاوف والإرهاقات التي أحدثتها الهجمة الأخيرة من القصف العلاقات الأسرية إلى نقطة الانهيار.

“أحيانًا يتسلل ابني للعب مع أصدقائه، فأصير كمجنونة”، قالت (أم محمد) عاملة الإغاثة، وتابعت: “يذهب إلى النوم مع أنني غاضبةٌ منه. وأذهب إلى النوم.. أنظر إليه، وأصلي لله أن يمنَحنا يومًا آخر سوية”.

 

اسم المقال الأصلي Starved and abandoned, a suburb of the Syrian capital braces for new attacks
الكاتب لويزا لافلاك وزكريا زكريا، Louisa LoveLuck and Zakaria Zakaria
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 17/2
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/starved-and-abandoned-a-suburb-of-the-syrian-capital-is-bracing-for-new-attacks/2018/02/17/4fe42632-132b-11e8-a68c-e9374188170e_story.html
عدد الكلمات 1041
ترجمة أحمد عيشة

 

 

مقالات ذات صلة

إغلاق