ترجمات

كيف خسر نتنياهو معركته في سورية

رئيس الوزراء الإسرائيلي العاجز عن تصور سورية من دون الأسد، ترك إيران تمدُّ جذورها فيها، تاركًا لروسيا أمر احتواء مثل هذا الخطر.

 

بعد أن رأس الحكومة بين عامي 1996 و1999، عاد رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى السلطة، وبقي فيها منذ 2009. أي أنه يتحمل كامل المسؤولية عن السياسة التي اتبعتها الدولة العبرية في مواجهة الانتفاضة الديمقراطية التي هزت العالم العربي منذ 2011. سوى أن نتنياهو لعب بصورة منتظمة بطاقة الديكتاتوريات العربية ضد شعوبها، مراهنًا بين رهانات أخرى على بقاء الأسد في السلطة في سورية. هذا الخيار الاستراتيجي، الذي اتخذ في غياب أي خيار آخر ولا شك، أدى إلى حساسية غير مسبوقة لـ (إسرائيل) على حدودها الشمالية.

هاجس البرنامج الكيمياوي

لم يكن على (إسرائيل) إلا أن تهنئ نفسها على الهدوء السائد منذ عام 1974 على أراضي الجولان السورية، المحتلة قبل سبع سنوات من ذلك. كان نظام الأسد، في عهد الأب حافظ، ثم في عهد الابن بشار، يسهر منذ عام 2000 بصورة صارمة على وقف إطلاق النار المُبرم تحت إشراف الولايات المتحدة الأميركية، والذي تسهر على مراقبته قوات الأمم المتحدة. وكانت تحرشات بشار الأسد الدقيقة، خلال أيار/ حزيران 2011، التي أطلقها كي يُبعِدَ الأنظار عن الاحتجاج المتزايد في بلده، قد تم قمعها بقسوة من قبل (إسرائيل) من أجل العودة إلى الوضع الحالي. قاد هذا الاستقرار الثمين نتنياهو وحكومته إلى أن تفضل في سورية بقاء الأسد بدلًا من القفز في المجهول الثوري.

هذا الميل إلى الأسد تفاقم بصورة غريبة مع تدخل (حزب الله) اللبناني المتزايد إلى جانب الديكتاتور السوري. اعتقد نتنياهو في الحقيقة أن الميليشيا القريبة من إيران، إذ تنهمك في الصراع السوري، يمكن أن تبتعد على هذا النحو عن (إسرائيل)، وتخرج منه ضعيفة بصورة ملموسة. استمر الجيش الإسرائيلي على كل حال في ضرب عمليات نقل الأسلحة من سورية إلى لبنان، والتي كان يمكن أن تعزز بصورة واضحة إمكانات (حزب الله). في اللحظة نفسها، كان نتنياهو يترافع بنجاح أمام أوباما ضد أي تزويد للمتمردين السوريين بالصواريخ المضادة للطائرات، بحجة أنها يمكن أن تستخدم يومًا ضد الطيران الإسرائيلي. أسهم “بيبي” على هذا النحو بصورة غير مباشرة بأن يحتفظ الأسد باحتكار مطلق للأجواء في سورية، مع النتائج الكارثية التي نعرفها على السكان السوريين.

كان نتنياهو بالمقابل مهمومًا إلى حدٍّ بعيد، بشأن البرنامج الكيمياوي لنظام الأسد. وعند قصْف نظام الأسد ضواحي دمشق بغاز السارين في آب عام 2013، وضع في المقدمة ضرورة تفكيك ترسانة الأسلحة الكيمياوية هذه بدلًا من ضرب الأسد انتقامًا. وهذا هو الموقف الذي اتخذه باراك أوباما، في إطار اتفاق نزع سلاح سورية الكيمياوي، الذي شارك في رعايته فلاديمير بوتين. وكان الانتهاك الواضح لهذه الاتفاقية في نيسان/ أبريل 2017، خلال القصف الجوي لخان شيخون، قد حمل نتنياهو على التهديد بالانتقام الإسرائيلي. ولتلافي مثل هذا التصعيد؛ قرر دونالد ترامب القيام بغارة محدودة على القاعدة الجوية التي انطلقت منها الطائرات التي استخدمت في قصفها الأسلحة الكيمياوية.

السراب الروسي

استجاب نتنياهو بصورة إيجابية لتدخل روسيا المباشر في سورية، اعتبارًا من أيلول 2015. كان مع ذلك يخدع نفسه حول قدرة الكرملين على أن يكبح فعليًا نظام الأسد، ومن باب أوْلى تطلعات إيران التوسعية. من الواضح أن “بيبي” كان يبالغ في ميزة العلاقة الشخصية التي وطدها مع بوتين خلال العديد من المحادثات الثنائية. وكان الوهم نفسه يسود لدى أفيغدور ليبرمان، وزير الدفاع، منذ أيار/ مايو 2016، والذي كانت أصوله المولدافية تغذي تعاطفًا أصيلًا نحو الكرملين، على خلفية تأكيد القاعدة الانتخابية الناطقة بالروسية في (إسرائيل). وكانت التسويات المعقدة بين العسكريين الإسرائيليين والروس تسمح لهؤلاء وأؤلئك بأن يقوموا بضربات جوية في سورية من دون أي توتر بين الجيشين.

على أنه كان من الواضح أن (حزب الله)، في الخط الأول في معارك تدمر وحلب، بين أماكن أخرى، كان يعزز إلى حدٍّ كبير قدراته العسكرية، في حين كانت إيران تعمل بثبات من أجل إقامة استمرارية إقليمية غير مسبوقة بين أراضيها والبحر المتوسط. أما بالنسبة إلى نظام الأسد، فقد كان يترك عن طيب خاطر جهاديي (داعش) يقيمون في وادي اليرموك، المثلث الاستراتيجي بين سورية والأردن و(إسرائيل). وحدهم الثوريون السوريون كانوا مصممين، هنا كما هو الأمر في الأمكنة الأخرى، على مواجهة (داعش)، لكن تخلي إدارة ترامب عنهم، باسم التعامل الواقعي مع نظام الأسد، تركهم منزوعي السلاح حرفيًا.

حين استيقظ نتنياهو متأخرًا جدًا من سرابه الروسي، صيف عام 2017، كانت إيران وميليشياتها التابعة لها قد رسَّخت وقائع منجزة صلبة على المسرح السوري. نادى “بيبي” بوتين عبثًا من أجل احترام “خطوط حمر” جديدة في مجال التواجد الإيراني في سورية، بالإضافة إلى القيود المفروضة من قبل على (حزب الله)، أجاب الكرملين بجفاء إن هذه المطالب الإسرائيلية مفرطة. والنتيجة معروفة: أدّى دخول طائرة موجهة إلى (إسرائيل)، في العاشر من شباط/ فبراير، إلى هجوم إسرائيلي ضد القاعدة (ت 4)، القريبة من تدمر، التي انطلقت منها الطائرة الموجهة، لكن الردّ الكثيف للدفاع الجوي الأسدي أدى إلى إسقاط طائرة (إف 16) في (إسرائيل) نفسها.

اكتفى بوتين، الذي اتصل به نتنياهو على وجه الاستعجال، بالتحذير ضد مواجهة “خطيرة بالنسبة إلى العالم كله”. وهددت موسكو فضلًا عن ذلك بالتحرك في حالة إصابة قواتها في سورية، وهو ما أرغم (إسرائيل) على الحدِّ من السلسلة الثانية من الضربات، انتقامًا هذه المرة من إسقاط طائرتها (إف 16). صحيح أن “بيبي” محاصر بالملاحقات القضائية، لكنه قام بما يجب بالنسبة إلى صراخه. لكن مسؤوليته لم تكن أقلّ وضوحًا في هذا الإضعاف الملموس لبيئة أمن (إسرائيل)، ما دام علينا العودة إلى عام 1982 كي نعثر على سابقة إسقاط طائرة إسرائيلية من قبل الدفاع الجوي السوري.

حتى من وجهة نظر (إسرائيل)، يفاقم الحفاظ على الأسد في السلطة، المنظور إليه بوصفه ضمان الاستقرار، في الواقع، مخاطر الصراع والتصعيد.

 

عنوان المقالة الأصلي Comment Nétanyahou a perdu sa bataille de Syrie
الكاتب Jean-Pierre Filiu
المصدر Le Monde 
الرابط http://filiu.blog.lemonde.fr/
المترجم بدر الدين عرودكي

 

مقالات ذات صلة

إغلاق