قضايا المجتمع

مستشفى مدينة مصياف نموذجًا للفساد المتعمد

عانت المؤسسات والقطاعات الخدمية الحكومية (القطاع العام) في سورية، في فترة حكم حافظ الأسد، فسادًا إداريًا شاملًا، حيث يشغل المناصبَ العليا فيها أشخاصٌ غير جديرين بأن يكونوا في موقع الإدارة، وسبب ذلك رسوخ “نظام الواسطة” الذي أدى إلى تراجع أداء المؤسسات والقطاعات، والأمثلة كثيرة لا نستطيع أن نقف عند أحدها، ونقول إنه الأسوأ.

لم يتغير الأمر، في عهد وريثه بشار، بل بقي على ما هو عليه، إلا أنه ازداد سوءًا بعد قيام الثورة في 2011، وذلك لأسباب عدة منها: التهجير القسري والاعتقالات وهجرة أصحاب الكفاءات هربًا من بطش النظام وقمعه، يضاف إليها هروب الشباب ولجوئهم إلى دول تحفظ لهم حياتهم، بعيدًا عن شبح الموت المرافق لطلب (الاحتياط العسكري).

أعطى واقع الثورة الفسادَ المستشري في أجهزة الدولة السورية شكلًا جديدًا، تمثل ببقاء الفئة الأكثر ضررًا في المناصب الإدارية، حيث إنهم لا يفتقدون الكفاءة العلمية والعملية لإدارة شؤون مؤسساتهم فحسب، بل أيضًا هم من فئة (الشبيحة) التي لا يطمئن النظام لغيرها لتسليمها مناصب مهمة، فهم -بشغلهم هذه المناصب- يقدمون خدماتهم المزدوجة للنظام، ويكونون عينه الساهرة التي لا تغفل، وقلمه الذي لا يجف ولا يكل أو يمل من كتابة التقارير الأمنية بحق أي شخص يشكّون في ولائه المطلق لرمزهم وسقف وطنهم بشار الأسد، وهم في الوقت ذاته أداة لإعاقة أي تقدم أو تطور ممكن في القطاعات والمؤسسات كافة.

يبقى واقع المستشفيات نقطة سوداء أكثر إيلامًا من غيرها، كون الطب مهنة إنسانية بالدرجة الأولى، حيث شهدت بعض المشافي بعد الثورة قصصًا موجعة لتورط أطباء وممرضات في عمليات تعذيب، وصلت في بعض الحالات إلى قتل المصابين الذين تم نقلهم على إثر مواجهات مع الجيش أو ممن تعرضوا للقصف، أو حتى بالنسبة إلى المعتقلين ممن كانت تسوء حالتهم في المعتقل فيضطرون إلى نقلهم إلى إحدى المستشفيات، فإما أن يكون الموت من نصيبهم، وإما التعذيب الذي يزيد ألمهم ويفوق قدرتهم على التحمل.

كيف يتحول الطبيب إلى شبيح يعذب المرضى، بدلًا من معالجتهم، إن لم يكن مريضًا نفسيًا! وقد أصبح هذا النموذج من الكوادر يُشكّل النسبة الأكبر على حساب من يتحلى بالأخلاق والقيم المهنية؛ فالذي لم يسعفه الحظ في مغادرة البلد آثر الابتعاد عن عمله في جو موبوء كهذا.

في مشفى مصياف الوطني، أوضح (ع. م) لـ (جيرون) آلية العمل في المشفى، وهو أحد الموظفين الإداريين، وطلب عدم ذكر اسمه الصريح: “إن منصب المدير في المشفى -تاريخيًا- هو من أحقية من يسرق أكثر، ولديه خبرة في إدارة الصفقات التي تدر عليه ربحًا، فالمناقصات التي تتم لشراء الأدوات الطبية، عن طريق لجان الشراء التي تُشكِّل مع المدير شبكة واحدة، يُتقاسم الربح بين أعضائها، كما أن سرقة الأدوية الخاصة بالمرضى، ومن ثم بيعها للصيدليات الخاصة، وبيع المخصصات الغذائية كمواد أولية أو كطعام يشكل رافدًا ماليًا كبيرًا للمدير ومن حوله، كما أنه لا يترك حتى المخصصات التي تقدم لهذه المؤسسات، كالمازوت مثلًا، حيث يقوم المدير بتخصيص كميات قليلة للمشفى، وما يتبقى يكون من نصيب منزله ومنازل شركائه في السرقة”.

وأضاف: “أما الجانب العلاجي، فعلى المرضى مراجعة الأطباء في عياداتهم الخاصة، لدفع ما هو مطلوب للعلاج في المشفى، وبخاصة في قسم التوليد، فأغلب الولادات أصبحت قيصرية، فقط من أجل دفع مبلغ محدد للطبيب، بينما الولادة العادية مجانية”. وتابع: “الكارثة عندما يتحول بعض أطباء المشفى إلى زير نساء يلاحق المريضات الجميلات علنًا في المشفى، وهذا ما حدث ويحدث”.

الأهم في مشفى مصياف الوطني تحوله إلى سوق تجاري متكامل، للموظفين والمرضى والمرافقين، حيث توجد المواد الغذائية بكافة أنواعها القادمة من قرى مصياف (لبنة، جبن، زبدة، قريشة وشنكليش… الخ)، والخضار (سلق، سبانخ، جوز… الخ)، فضلًا عن مستحضرات التجميل والعطور، كلها تُباع داخل المشفى، إنه سوق مفتوح.

هي سياسات الفساد المتعمد من قبل نظام فاسد، يريد تعويم قيمه وأخلاقه الفاسدة على السوريين كافة. ومن يرفض الفساد؛ فعليه أن يصمت أو يغادر “سوريا الأسد”.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق