ترجمات

راديو وقناة “سفوبودا”/ روسيا: لمَ يحتاج الكرملين “كلاب الحرب” على ضفاف نهر الفرات

شنت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية ضرباتٍ جوية ومدفعية، لصد هجومٍ شنته قوات الأسد وحلفائه، بمشاركة مرتزقة روس من شركة (فاغنر) الروسية، على منطقة خاضعة لسيطرة (قوات سورية الديمقراطية) في محافظة دير الزور. وقد أدى الصدام إلى مقتل العديد من المواطنين الروس؛ ما أثار الكثير من الجدل في أوساط الشارع الروسي وفي الدوائر السياسية. تقدر بعض المصادر خسائر الروس بـ 100 مقاتل وأكثر، إلا أن المعلومات الموثقة تتحدث عن 5 مرتزقة روس.

في 12 شباط، المرشح لمنصب الرئيس عن حزب (يابلوكو) غريغوري يافلينسكي، طالب الرئيس بوتين بتقديم كشف حساب حول ما جرى. في حين تحاول السلطات الروسية التكتم بشأن المعركة التي خاضها مقاتلو (فاغنر) مع القوات الأميركية. ففي 13 من شباط/ فبراير، حاول ديمتري بيسكوف، المتحدث الصحفي للرئيس الروسي، التهرب من سؤال الإعلام حول العسكريين الروس بإحالة السؤال إلى وزارة الدفاع الروسية قائلًا: “لا تتوفر لدينا معلومات حول مواطنين روس يمكن أن يكونوا في سورية”.

فما الذي يحصل على جبهات الحرب الأهلية السورية؟ ولماذا تحاول السلطات الروسية التكتم بشأن مقتل مرتزقة روس، أُبيدوا على يد القوات الجوية الأميركية والطائرات الموجهة في مناطق سيطرة التحالف الأميركي؟ من يتحمل مسؤولية أعمال الشركة العسكرية الروسية الخاصة في سورية؟ وهل سيكون لهزيمة “المتطوعين” أثرٌ سياسي؟

لإلقاء الضوء على هذا الموضوع، استضاف ميخائيل سوكولوف في راديو (سفوبودا) كلًا من المستشرق ألكسندر شوميلين، الجنرال السابق والسياسي فكتور ألكسنيس، ممثل المعارضة السورية محمود الحمزة، ونائب رئيس حزب (يابلوكو) ألكسندر غنيزديلوف.

سأل مقدم البرنامج نائبَ رئيس حزب (يابلوكو): ما الذي يريد مرشح الحزب الرئاسي الحصول عليه من فلاديمير بوتين؟

قال ألكسندر غنيزديلوف: حماية حياة الناس. وهل هناك أهم من حياة مواطنينا؟ ففي حين تتناقل فيه كبريات وسائل الإعلام العالمية، على مدى يومين، أخبار مجزرة تعرض لها مواطنون روس، يغيب الموقف الرسمي تمامًا، ولا يتحدث الإعلام الرسمي بهذا الشأن. في هذا الوضع، يعتبر كل مواطنٍ أن مسؤوليةً أخلاقية تترتب على من يشغل رأس الدولة، والذي يريد أن يشغله من جديد لبذل كل جهدٍ ممكن أقله لتوضيح الصورة لمواطنيه.

وقد أكد المؤتمر الصحفي الذي عقدة ديمتري بيسكوف أن طلب حزب (يابلوكو) طلبٌ محق تمامًا. لأنه عند تأكيد مقتل عدة أشخاص من قبل أقاربهم وأصدقائهم، يصبح من الغريب ألا يعرف الناطق الإعلامي باسم رئيس الدولة شيئًا عن الموضوع! للمجتمع الحق بمعرفة ما يجري في سورية. وبما أننا لا نمتلك مصادر موثوقة، فإننا نتوجه إلى الشخص الذي يمتلكها، وهو من يشغل منصب رئيس الدولة، ويريد البقاء في هذا المنصب لفترةٍ جديدة.

 تحدث نائب رئيس حزب (يابلوكو) عن موقف حزبه من الحرب الروسية في سورية، فقال:

منذ الصيف الماضي، قام حزب (يابلوكو) بإطلاق حملة تحت شعار “آن أوان العودة إلى الوطن”، وتمكن من جمع 110 توقيعات لسحب القوات الروسية من سورية والتوقف عن المشاركة في الحرب الأهلية إلى جانب بشار الأسد. ونعرف جميعًا أن السلطات قد أعلنت عدة مراتٍ عن توقف العملية العسكرية الروسية في سورية، كان آخرها إعلان بوتين في نهاية كانون الأول/ ديسمبر 2017. ومن ثم، أعلن وزير الدفاع شويغو أن القوات قد سُحبت. ولكننا نرى الآن النتائج: قبل رأس السنة، قُتِل 4 عسكريين، أعقبه مقتل الطيار رومان فيليبوف. والآن تأتي الأخبار عن هذه التشكيلات العسكرية غير الرسمية التي تعتبر غير شرعية، وفق القوانين الروسية التي تحظر الشركات العسكرية الخاصة وتجرم المرتزقة.

يقول الخبير المستشرق، بشأن تحرك قوات النظام الأخير: “اليوم، يمكن القول إن هذا التحرك كان يهدف إلى جس النبض واختبار قدرة وعزم التحالف الدولي على التصدي. وقد فشلت هذه المحاولة بصورةٍ أدهشت الكثيرين. فالبعض كان يعتقد أن نظام الدفاع شرقي الفرات لم يكتمل بعد، وأن هناك خلافات وتناقضات داخلية في صفوف (قوات سورية الديمقراطية) زادت وتوترت بعد عملية عفرين.

والسؤال الآن: ما الذي جرى حقًا؟ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن قوات الأسد وحلفائه حاولت اختبار إمكانية عبور نهر الفرات للقيام بالتوغل في المناطق التي يسيطر عليها التحالف الدولي، بهدف انتزاع مناطق بعينها تحتوي النفط، مستغلة الظروف في عفرين وعلى الحدود مع “إسرائيل”.

سيجد التحالف الثلاثي: الأسد وإيران وروسيا نفسَه أمام سؤالٍ كبير، يتعلق بالتمويل وإعادة إعمار سورية المدمرة التي تسيطر عليها والمقدرة بأكثر من 55 بالمئة من مساحة البلاد، حيث يتركز غالبية السكان والمناطق الصناعية. وهنا يجب الإشارة إلى افتقار هذا التحالف للموارد اللازمة. فالراغبون في المشاركة في عملية الإعمار ليسوا قلةً، ولكن لدى المستعدين منهم للقيام بالعملية شرطٌ واحدٌ ووحيد معروفٌ تمامًا: يجب ألا يبقى الأسد في دمشق. وبغياب الأسد تختفي مشكلة التمويل وستسير عملية إعادة الإعمار خلال عملية الانتقال السياسي. دول الخليج العربية مستعدةٌ للمشاركة، فقط إذا اختفى أثر الأسد من سورية أو على الأقل من دمشق، وإذا ما دافعت الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والاتحاد الأوروبي عن مناطق نفوذها. ولكن للأسف، كل اهتمام روسيا واستراتيجيتها مرتبط بالأسد.

تحدث المعارض السوري محمود الحمزة عن أسباب وجود الروس في منطقة الفرات ومآلاته، فقال:

“سورية أمام لحظة جدية ومفصلية. فروسيا أعلنت على لسان بوتين انتصارها، ولكن ليس هناك استقرار في سورية ولا حل سياسي حتى الآن، ولا يبدو أنه سيكون في القريب. وللأسف الشديد، لم تقترح روسيا أي حل سياسي حتى الآن للخروج من الأزمة المستمرة منذ سبع سنوات، واكتفت بإطلاق مبادرات تهدف للحفاظ على الأسد، وعملت على دعم بشار الأسد وإبقائه في السلطة. وهذا ليس الطريق للخروج من الأزمة. بدون وجود حل سياسي حقيقي، لن تنعم سورية بالاستقرار، ولن تستطيع روسيا المحافظة على مصالحها. فهل تعتقد روسيا أن مصالحها الاقتصادية والسياسية والجيوسياسية مرتبطٌة بالحفاظ على الأسد الديكتاتور. ومن ناحية أُخرى، اعتقد أن التواجد الأميركي في سورية الآن، سيشكل عاملًا سلبيًا بالنسبة إلى روسيا. وقد نشهد سقوط طائرات روسية، ومقتل جنودٍ روس. فهل تريد روسيا الانشغال بالدفاع عن قواعدها؟

الطريق الوحيد بالنسبة إلى روسيا هو العمل بصدقٍ لإيجاد حل سياسي بدون الأسد وعائلته، انطلاقًا من قرار مجلس الأمن 2254 واتفاق جنيف واحد، اللذين شاركت روسيا نفسها في إصدارهما. لا يجوز الدوران حول المشكلة بلقاءات ومؤتمرات هنا وهناك. كل هذا هراء. الشعب السوري يضمن لروسيا تحقيق مصالحها بشرط تحقيق حل سياسي يلبي مطالبه ويخلصه من هذا الديكتاتور. إعادة إعمار البلاد بحاجة إلى تمويل ورعاة. روسيا وإيران ليس بمقدورهم تأمين ذلك. ولكن دول الخليج العربي والاتحاد الأوروبي يستطيعون ذلك، ولكن في ظل حل سياسي عادل. الأمر الذي لا أراه الآن، فيما يستمر قتل السوريين يوميًا في الغوطة وإدلب. وهذا لا يصلح أبدًا.

أوضح الخبير العسكري والسياسي فيكتور ألكسنيس ما يحدث من وجهة نظرٍ عسكرية، فقال: أود توضيح أنني أحد ثقاة المرشح لمنصب الرئيس بافل غرودنين، الذي أوضح موقفه في لقاء جماهيري في مدينة نوفوسيبيرسك: أنا واثق أنه يجب أن يوضع كل شيءٍ في إطار القانون. ففي روسيا، يحق للعسكريين وحدهم حمل السلاح، ويجب حل كافة التشكيلات غير الشرعية.

ما جرى في سورية كان الآتي: عند بدء العلمية العسكرية في سورية، صرح الرئيس بوتين بأن لن تكون هناك عملياتٌ روسية برية، لأنها تؤثر على نسبة شعبيته في حال وصول النعوش إلى روسيا. ولكنه لجأ إلى خطةٍ مخادعة: دعونا نصور وجود شركاتٌ عسكرية خاصة في روسيا. وبما أن التشريعات غير موجودة في روسيا، فسيتحول الموضوع إلى قضية مرتزقة، يعاقب عليها القانون جنائيًا. وعلى الرغم من ذلك، نظمت في روسيا سرًا شركةٌ عسكريةٌ خاصة في منطقة كراسنودار، وأقيمت لها قاعدة تدريب إلى جوار قاعدة القوات الخاصة. هناك بدأ تجنيد الشبان، وإعدادهم وتسليحهم وإرسالهم إلى سورية لتنفيذ مهمات، بدأت من حماية المنشآت النفطية لتنتهي بالمشاركة الفعلية في العمليات القتالية. وبالطبع، لا يُعترف بوجود هذه الشركات على المستوى الرسمي. فالناس يقتلون من دون أثر رسمي.. من وجهة نظر التشريعات في روسيا، فإن قتلى (فاغنر) في سورية بمثابة مجرمين، وليس لهم أي حقوق ولا أي ميزاتٍ اجتماعية، ولا يمكن لذوي القتلى منهم التعويل على مساعدة الدولة أو الحصول على تعويضٍ ما.

كان الأمر مريحًا للكرملين. فهؤلاء المقاتلون يقومون بتنفيذ علمياتٍ عسكريةٍ كبرى، تتطلبها الخطط العسكرية على الأرض، خاصةً مع فقدان الجيش السوري القدرات القتالية، ربما بسبب الإرهاق المزمن خلال سنوات الحرب الطويلة.

ولهذا السبب، كان يدفع بمجموعات (فاغنر) ليكونوا رأس الحربة عند الهجوم. صحيح أنها تعرضت لخسائر، ولكنها حققت نجاحاتٍ واضحة أيضًا. وتقديرًا لإنجازات الشركة، نال اثنان من قادتها لقب بطل روسيا، إضافة إلى تقليد الكثيرين من عناصر (فاغنر) مختلف الميداليات الحكومية. وهذا أمرٌ غريب بالفعل!!

والآن، حدث ما كان يجب أن يحدث. فعلى الرغم من خضوع مجموعة (فاغنر) وغيرها مما يسمى بالشركات العسكرية الخاصة خضوعًا كاملًا لسيطرة قيادة المجموعة الروسية في سورية، فإنهم تورطوا في هذه المغامرة. وعلى ما يبدو، فقد كانت لهم هناك مصلحةٌ ما، مرتبطة بحقول النفط الواقعة على الجانب الشرقي من نهر الفرات. ولا أعتقد إطلاقًا أن هذه المغامرة كانت مبادرةً من قيادة (فاغنر)، فهم ليسوا مستقلين، بل ينفذون مهمات تحددها جهاتٌ أُخرى.

نحن الآن على ثقةٍ من مقتل ستةٍ من أفراد (فاغنر)، في حين تتحدث بعض المصادر عن عشرات أو مئات القتلى من المواطنين الروس، بالإضافة إلى جرح مئات آخرين، وصلوا للعلاج في الأكاديمية الطبية العسكرية في مدينة سانت بطرسبرغ للعلاج.

وبالنسبة إلى موقفنا، أعتبر أن تشريعات روسيا الاتحادية لا تسمح. حتى لو اعتمد الآن قانونٌ يشرع الشركات العسكرية الخاصة، فإنه لا يسمح بمشاركة عناصر هذه الشركات في الأعمال القتالية المباشرة؛ لأن القانون الدولي يمنع ذلك. بإمكان هؤلاء القيام بأعمال الحراسة، تنفيذ مهمات سلمية. ولهذا، أعتقد بضرورة سحب الشركات العسكرية الخاصة من سورية، واستنتاج ما يلزم بكل جدية. بالطبع، يجب البحث عن مذنبين، يتحملون مسؤولية ما جرى، ومعاقبة الجميع. وليس هناك طريقٌ آخر.

 

عنوان الحوار الأصلي Зачем Кремлю “псы войны” на Евфрате?
مكان التشر وتاريخه  راديو وقناة “سفوبودا”/ روسيا. 13 شباط 2018
الرابط https://www.svoboda.org/a/29037435.html
ترجمة وإعداد سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق