أدب وفنون

أحد عشر لاجئًا فلسطينيًا يكتبون حكاياتهم

 

صدر مؤخرًا، عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت، كتاب بعنوان: (11: حكايات من اللجوء الفلسطيني)، وهو مؤلف جماعي شارك في كتابته 11 فلسطينيًا وفلسطينية من الكتاب، يروون في طياته قصصًا عن حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، كتبها أبطال هذه القصص أنفسهم.

الكتاب يعد ثمرة محترف تدريبي على الكتابة الإبداعية بعنوان (كتابة اللجوء الفلسطيني عبر السيرة الذاتية)، بإشراف الروائي اللبناني حسن داوود، نظمتها مؤسسة الدراسات الفلسطينية في شتاء 2016-2017، بدعم من مؤسسة عبد المحسن القطان، التي تتخذ من مدينة رام الله مقرًا لها، و(صندوق الأمير كلاوس)، وهو منظمة هولندية مقرها أمستردام، ويهدف الصندوق إلى تنمية المعرفة الثقافية وتشجيع التفاعل الإيجابي بين الحضارة والتنمية، وذلك ضمن برنامج: (صِلات: روابط من خلال الفنون).

وداد طه: قلبي معلق بتوتة..

الأحد عشر كاتبًا وكاتبة، من مختلف التجارب والأعمار، سبق لبعضهم أن نشر نصوصًا، ومنهم من كان قد أصدر كتابًا، وآخرون كانت تلك اللقاءات صلتهم البادئة بالكتابة. وهم: سالم ياسين، ميرا صيداوي، طه يونس، نادية فهد، يوسف نعنع، يافا طلال المصري، حنين محمد رشيد، وداد طه، انتصار حجاج، ربا رحمة، ومحمود محمد زيدان.

وقد خصت الروائية وداد طه، صاحبة (حرير مريم)، صحيفة (جيرون) بمشاركتها الموسومة بـ (قلبي معلق بتوتة)، والتي أخترنا منها هذه السطور:

“لم أعرف أن فلسطين وطني إلا في لبنان، لعلني عرفت أنني فلسطينية متأخرة، ولعلني ما وعيت معنى كوني فلسطينية تمامًا، إلا حين تهت. كنت طفلة لعائلة سكنت جنوب لبنان، ثم راح أفرادها يفتشون عن الحياة في أصقاع الأرض، وبعد أن تزوج والداي سافرا إلى ليبيا، وهناك ولدت. بعدها سافرا إلى دولة الإمارات، وفيها نشأتُ حتى الثانية عشرة.

لا أذكر أن والديّ ذكرا، ولو مرة واحدة، فلسطين، دومًا يتردد لفظ “المخيم” في بيتنا، بل لعلهما ما ذكرا المخيم إلا بعد عودتنا إلى لبنان. لم أكن أفهم معنى الكلمة ولم أكن أهتم أو أسأل، انشغلت بطفولتي ورحلات المدرسة وفستاني المخملي الأخضر ومطرتي الضائعة والخاتم الذهبي الذي سرقته من علبة أمي، كي أهديه لمعلمتي، فردّته بعد أن رأت حرف اسم والدي منقوشًا عليه بحبات الفيروز الصغيرة. ولا أذكر أن والدي استطاع أن يثبت في عمل، لذلك كنا بسطاء وعشنا في الإمارات عيشة عادية جدا، يعمل أبي فنأكل وننعم، يقعد عن العمل فتهدر أمي دموعها وذهبها القليل. ولم نكن نأتي إلى لبنان كل صيف، كما يفعل المغتربون الآن، لا أعرف إن كان ذلك محاولة للانسلاخ من والديّ، أو أن ضيق يديهما عن ذلك هو السبب. كل ما أذكره هو أنني كنت طفلة عنيدة، أحب الرقص وصديقة سودانية اسمها مهيرة، فارقتها للأبد من دون وداع، حين عدنا.

امرأة من خوف هي أمي، خوف بتّ أتذمر منه في شبابي وأرفضه. لم أدرك يومًا أسبابه، وهي لم تتحل بوعي كافٍ كي تفهمني هواجسها. اكتفت بأن موروثها من التقاليد يحتم علي أن أطيع، وأن كونها أمي يجيز لها أن تحبسني في أفكارها، لم أعذرها ولم أتقبل عادات سخيفة، رأيت أنها لا تفعل شيئًا غير أنها تجعلني غبية، لكنني اكتفيت بالتمرد السلبي، ولذت إلى قلبي، ولا أعلم إن كان حديثي معه قد أنقذني من موروثات أمي ومخيمها البعيد، أم أنه أصّلها فيّ بطريقة أو أخرى.

كل ما يحضرني هو غيابها الطويل عني، حين عدنا نهائيًا من الإمارات، ولست موقنة إن كانت حرب الخليج هي السبب في ترك أبي وظيفته، بعد أن عرّض أبو عمار آلاف الفلسطينيين للطرد والتهجير من بلاد، عاقبته على موقفه الداعم لصدام حسين وقتها، فشردت ورحلت أولئك الآلاف وبدم بارد، فعدنا.

وعرفت معنى التشرد والضياع والحنين للمرة الأولى وأمي تودعني على باب بيت جدي، في حي الرمل بمدينة صور الجنوبية. بكيت قلبي يومها، ولم أفهم أنها لن تعود إلا في أوقات بعيدة ومتقطعة. ولا أعرف أكان تسجيلي وترفيعي صفًا، كي لا تضيع سنة دراسية من عمري، هو السبب الوحيد يومها لبقائي بعيدة منها ومن إخوتي سنة كاملة، أم أن موت خالي محمود في ألمانيا بسكتة قلبية مفاجئة، وهو بعد في الثامنة والعشرين، كسرها إلى حد أنها نسيتني هناك”.

  • كتابات الأحلام، في مديح المخيم..

يقع الكتاب في 302 صفحة، ونقرأ على غلافه الخارجي فقرة من المقدمة التي حررها حسن داوود، جاء فيها: “هم الأحد عشر الذين كانوا يجيئون من المخيمات المتفرقة، أو من سكن مجاور لها، بدَوا في تلك اللقاءات، بل منذ بدايتها، كأنهم يكملون صداقة جمعت بينهم من قبل. لا شيء كان يعكر ذلك الإجماع العاطفي… هذه المودة الجامعة قائمة، لا بد، على ما تتيحه تلك (الأخوة). وهذه باتت نادرة في زمن احتراب إخوة آخرين واكتشافهم أن من هم معهم، أو من كانوا معهم، ليسوا إخوة لهم. وهذا انتقل إلى النصوص التي تدعو قارئها، في ما أحسب، إلى أن يقرأها بلطف وحب، على الرغم من الاختلاف بينها، تناولًا ولغة وتجربة ورؤيا… هنا سنقرأ عن ماضي المخيم، وكذلك عن تشعب خطوطه حتى بلدان هي من الكثرة، بين أفراد العائلة الواحدة، إذ تبدو فكرة إعادة (جمع الشمل) ضربًا من الإعجاز. كما نقرأ عن اللهو في المخيم، وعن الغزل فيه، وعن الجدران المنقوشة عليها كتابات الأحلام، وكذلك كتابات السخط، وقد نقرأ نصوصًا في مديح المخيم، ونصوصًا أخرى في هجائه، كما سنقرأ عن مشاعر أخرى، هي أكثر تعقيدًا إزاءه”.

يبيّن الروائي اللبناني في تقديمه للكتاب، الذي جاء تحت عنوان (عن المخيمات الأخوة)، أن الأحد عشر كاتبًا وكاتبة جاؤوا إما من مخيمات لاجئين هنا في لبنان، وإما من جوارها، مضيغًا: “بل ربما كانت (أرض الداعوق) مخيمًا صغيرًا لم يجر تعداده بين المخيمات، بسبب صغر مساحتها (التي لا تتعدى ثلاثـــــين مترًا بأربعين) أو لأن ما جرى في تاريخ هذه الأرض الصغــيرة، بل هــــذا المخيم الصغير، لم يجــــعل اسمه شائعًا. هو من ملحقات المخيم إذن، بــــدأ معها، بل بدأ مثلمــا بدأت؛ إذ تبرعت به عائلة الداعوق: (لإقــــامة اللاجئين الفلسطينيين إلى حين عودتهم إلى ديارهم).

أما مخيم اليرموك فبعيد. هو هناك في سورية، لكن ربا رحمة التي هجرته، بسبب ما أحلت به الحرب، لن تكون غريبة في المخيم اللبناني الذي التجأت إليه. هنا ستجد أنها حلت بين آخرين هي منهم، تجمعها بهم هوية ولغة وحكايات وأحلام ومعاناة واحدة. الكل، هم الأحد عشر الذين صنعت نصوصهم هذا الكتاب، الآتون من مخيمات برج البراجنة وصور وعين الحلوة إلخ… كأنهم جاؤوا من مخيم واحد. ربما تسبب موضوع الكتاب بهذا الجمع (وهو، أساسًا، العيش في المخيم)، وكذلك التاريخ المشترك الذي في كنفه تحتضن المصادفات الخاصة والتجارب الشخصية؛ أو ربما ما رغبتُ في أن أُطلق عليه عبارة (أخُوة المخيم)، وهي أخوة جامعة لهم في وقت ما تعجز شعوب عاشوا بجوارها عن التوصل حتى إلى حد أدنى من القواسم الجامعة بينها”.

وبحسب داوود، فإن المخيمات المتباعدة، بين أول لبنان وآخره، تبدو مع كاتبيها الجدد كأنها مخيم واحد. أما ما يرويه كل من هؤلاء الأحد عشر فمتصل بهم جميعًا، أو هو روايتهم جميعًا. فمشهد المخيم من الداخل، أقصد ذاك الذي لا يعرفه حتى أولئك الذين يقيمون في الشارع القريب إليه، يصفه سالم ياسين، رغم خصوصية تفاصيله وغنى دلالاتها، كأنه (المخيم)، هكذا بأل التعريف، أو هو المخيم الآن، الذي رافقت ثباتَه حروبٌ ومنازعات وطموحات لا تلبث أن تُحبط في الغالب، وشعارات كبيرة يتمكن الأولاد الصغار من كشف ادعائها. وكذلك، في نص ميرا صيداوي، هو المكان الذي تجري فيه الحوادث العابرة والغريبة، بل الأكثر طرافة، مثل الاحتفال بالببغاء الذي جاء به أبو عماد إلى المخيم، وكان بمثابة هدية تلقاها من صديق لبناني. فبعد وصول هذا الوافد الجديد: “لم ننم تلك الليلة، وقد ضربت الجميع في حارة التراشحا في مخيم البرج هستيريا جماعية (…) وفي الليل جلس الجميع أمام دار أبو عماد وتوافقوا على لقب للبغاء، سموه (نصر)، تيمنًا بالنصر”.

حررت مقدمة الكتاب، الباحثة الفلسطينية في مؤسسة الدراسات، برلا عيسى، التي أشرفت على تنظيم اللقاءات الأدبية بين المشاركين الأحد عشر والروائي حسن داوود. أما المشاركات الأدبية فقد توالت في الكتاب على النحو التالي: (غرافيتي زمن مضى) لسالم ياسين، (لم أمت بعد) لميرا صيداوي، (قرقرة لاجئ) لطه يونس، (مذ أصبحت أمًا كرهت الشتاء!) لنادية فهد، (الداعوق… تربة… مقبرة!!!) ليوسف نعنع، (أقصر وأطول من مربعانية) ليافا طلال المصري، (حنين) لحنين محمد رشيد، (قلبي معلق بتوتة) لوداد طه، (خديجة أم أمي) لانتصار حجاج، (وللحلم بقية) لربا رحمة، وأخيرًا (نزوح في غربتين: يوميات الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982) لمحمود محمد زيدان.

مقالات ذات صلة

إغلاق