تحقيقات وتقارير سياسية

الائتلاف والمجلس الوطني الكردي

 

قبل عدة سنوات، في العام 2014، بعد مداولات ونقاشات طويلة، وتحفّظ بعض أعضاء الائتلاف؛ جرى التوقيع على وثيقةٍ بين الائتلاف والمجلس الوطني الكردي. هناك من اعتبرها خطوة انعطافية تضمن مشاركة جزء مهم من الأكراد في مؤسسات الثورة، وهناك من ظلّت اعتراضاته قائمة، بسبب ما رآه تفريطًا بالثوابت السورية، كاسم الجمهورية، والنصّ على مصطلح (الشعب الكردي)، وعلى مزيد الحقوق التي لم يوافق عليها مؤتمر تموز للمعارضة في القاهرة (تموز/ يوليو 2012) والخاصة بمناطق الغمر، والتهجير بالنصّ على “إعادة الأوضاع إلى ما كانت عليه”، وأمور متعددة كانت على الدوام مثار جدل وخلاف، كموقع سورية من الوطن العربي، وشكل نظام الدولة القادم بين اللامركزية الإدارية الواسعة التي تبناها الائتلاف، وبين صيغة الفيدرالية التي يطرحها المجلس.

عبر سنوات العمل والتعايش والتفاعل، تطورت العلاقات كثيرًا داخل الائتلاف، ومع الإخوة الأكراد، فكان الخلاف والاتفاق يأخذ مرتسمات عدّة ليست الحالة الكردية سوى واحدة منها، وفي الوقت نفسه ظلّت تلك التخوفات -من الجانبين- قائمة وتبرز عند مناقشة نقاط حيوية، على الرغم من اتخاذ أكثر من قرار وتوصية بضرورة عقد جلسات حوارية صريحة، تثبّت المتفق عليه، وتبقي مسائل الخلاف على طاولة الحوار، وهو الأمر الذي لم يحدث بشكل منظم.

مع تطورات الوضع السوري، ودخول قوات (بي وي دي) بقوة على الساحة السورية مدعومة من أميركا، سلاحًا وتدريبًا وتمكينًا، تحت شعارات مكافحة الإرهاب، والمساهمة فيها، ثم تشكيل ما يعرف بـ (قوات سورية الديمقراطية) وامتدادها الواسع، وسيطرتها على مناطق عربية صرفة، أو بأغلبيتها الساحقة، كالرقة وحوض الفرات ودير الزور، وكثير من قرى ريف حلب؛ برزت خلافات جديدة بين الائتلاف وممثلي المجلس الوطني الكردي فيه، وعلى الرغم من محاولات احتواء تلك الخلافات، أو القفز فوقها، فإنها تضخّمت واتسعت الفجوة، خاصة بعد إصدار الائتلاف قرارًا واضحًا باعتبار الـ (بي وي دي) تنظيمًا إرهابيًا تابعًا لـ (ب ك ك)، يحمل مشروعًا خارجيًا معاديًا للسوريين والأتراك؛ فعانى المجلس حرجًا مربكًا، دفعه إلى التحفظ على القرار تحت عنوان مراعاة الحاضنة الشعبية، والتناغم مع الأطروحات الشعبوية، وتقدير آثار أي موقف على وضع ومصير المجلس الوطني الكردي وتنظيماته التي تعرف حصارًا ومحاربة واعتقالات من قبل قوات (قسد)، وشيئًا من تشابكات العلاقات والخطوط بينهما.

كما أن النقاشات الحارّة حول بنود “المبادئ الأساسية” للمرحلة الانتقالية، والتي تخصّ تحديد انتماء سورية كجزء من الوطن العربي، والثقافتين العربية والإسلامية كمرجعيات، فتحت على الدوام شقة الخلاف، ومساحة التباين، إلى أن كانت عملية (غصن الزيتون) وتداعياتها، وانهمار البيانات واللقاءات من المجلس الوطني الكردي وممثليه في الائتلاف، والتي أظهرت هوّة كبيرة بينهما.

لقد أصدر الائتلاف تصريحًا صحفيًا، يؤيد فيه عملية (غصن الزيتون)، ومشاركة الجيش الوطني السوري فيها، وتأكيده على اعتبار تنظيم الـ (بي وي دي) التابع لـ (ب ك ك) تنظيمًا إرهابيًا يجب محاربته، وإخراجه من بلادنا، وأصدر المجلس الوطني الكردي عددًا من البيانات شديدة اللهجة، يدين فيها العملية ويعدّها عدوانًا، ويصل بوصف قطعات الجيش الوطني السوري التي تشارك فيها بأنها تشبه (داعش) في تصرفاتها، واعتمد المبالغة إلى درجة الاختلاق في الحديث عن تجاوزات وأعمال قتل وثأر وتمثيل وتهجير وسرقة ممتلكات، ودعوة الـ (بي وي دي) لتفعيل “اتفاقية دهوك” المعقودة مع المجلس الوطني الكردي، وكأن الخلاف مجرد خلاف سياسي، يمكن تجاوزه بالعودة إلى الحوار، وتفعيل تلك الاتفاقية التي تمّت برعاية رئيس إقليم كردستان السيد مسعود البرزاني، قبل بضعة سنوات، والتي لم ترَ النور.

إلى جانب هذا، هناك استخدام متكرر لعدد من المصطلحات المثيرة للخلاف، كإيراد كلمة (كردستان الغربية) تارة، و(كردستان السورية) مرارًا، و(الشعب الكردي)، وهي مصطلحات ملتبسة لم ترد في نصوص الاتفاق، وتزرع الحذر لدى العرب، خاصة أمام الغموض المقصود برفض تحديد مساحة هذه الـ (كردستان)، وأين تقف، وتغوّل بعض المتطرفين الأكراد، لتوسيع رقعتها الجغرافية حتى أجزاء من الساحل السوري، وشمالي حماة. في حين أن الامتناع عن وصف قوات (بي وي دي) بأنها تنظيم إرهابي يبقي فتيل الخلاف قائمًا، ومتصاعدًا، وفق التطورات وما تشهده ساحتنا من أحداث ساخنة.

لهذه الأسباب مجتمعة، ومن أجل الوقوف على المشتركات، وتفصيح نقاط الخلاف وموقعها من العمل المشترك ومن الوثيقة الموقعة؛ قررت الهيئة السياسية في الائتلاف توجيه رسالة واضحة للمجلس الوطني الكردي، تعلن فيها تأكيد قرارها السابق باعتبار تنظيم (بي وي دي) تنظيمًا إرهابيًا مرتبطًا بحزب (ب ك ك)، وتأييدها لعملية (غصن الزيتون) التي يشارك فيها الجيش الوطني السوري، والحرص على حماية المدنيين وعدم تعريضهم لمخاطر الحرب، وترفض تصنيف قوات الجيش السوري الحر بأنها شبيهة بـ (داعش)، وعلى أن يتمّ لقاء قريب مع المجلس الوطني الكردي، تفتح فيها مجموعة نقاط الخلاف، بأمل تجاوزها، وإلا؛ فإن التعايش يصبح صعبًا.

إن توضيح التخوم، وفرز نقاط الخلاف عن تلك المتفق عليها، سيفتح المجال لتعاون أفضل قائم على التفاهم والصراحة، وعلى تعزيز الوحدة الوطنية ووحدة البلاد.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق