أدب وفنون

الحنين إلى “العادات” التافهة!

 

حاولت، خلال هجراتي الداخلية والخارجية، أن أقطع حبل السرّة مع عاداتي التي اكتسبتها في مراحل عمري المتنوعة، ولكنني كنت أفشل مع كل محاولة. ففي طفولتي الريفية الأولى عودتني أمي على حليبها، الذي نسيت طعمه، ألم يقل بشار الأسد إنه سيجعل الحي منا ينسى حليب أمه، وقد نفذ تهديده، وجعل “المعارضة” تنسى وعودها للشعب السوري، وتتجه الى “سوتشي”. وهكذا فشلتُ -كمعارض عنيد- في الاحتفاظ بعادة المعارضة التي اكتسبتها من بعض الأصدقاء، وخنت حليب أمي، الذي كلفها حياتها، واستسلمت “لرنين الفضة” الذي كان يرافق “كفوف” أبي وأوامره أولًا، ثم “صفعات” أخي الكبير لاحقًا، الذي كان يريد تثبيت ما ورثه عن أبيه من سلطة بالقوة، وعصا الرمّان التي كانت تسلخ جلودنا في المدرسة، عندما كنا ننسى الأناشيد الوطنية، والدروس الدينية التي كانت تحضّ على طاعة وليّ الأمر منا. هذا كله قبل وصول زحف أفواج الطلائع، وكتائب الفتوة، وجحافل خريجي التدريب الجامعي، وقافزي المظلات إلى “قيادة الدولة والمجتمع” الذين أنسونا كل عاداتنا “الجميلة”، وجعلونا نحنّ إلى “نار” الإقطاع والتخلف ومصاصي دماء الشعوب.

في بلاد “الكفر”، حيث أنعمت الحكومة على كل من بلغ الخامسة والستين، براتب تقاعدي، سواء عمل أم لم يعمل، يجد المتقاعدون وقتًا طويلًا لاستعادة ما مرّ معهم في حياتهم النَشِطة، وحسب نتائج علم النفس (“المشكوك” فيها علميًا من قبل المؤمنين)، فالإنسان يتذكر اللحظات الجميلة من حياته الماضية، ويضيف على تلك الذكريات اللون والطعم والرائحة أيضًا، ويُسقط من ذاكرته كل ما هو غير جميل، أو كل ما يشوه صورة الذكريات الجميلة.

ولما لم أكن أحمل ذكريات جميلة عن حياتي في سورية، لم أجد في خزّان ذاكرتي إلا الرواسب، وربما يكون سبب ذلك أن رصاصة كانت تطارد متظاهرًا افتراضيًا، قد اصطدمت مع ذلك الخزان فثقبته، وسال منه الصالح الذي كان يطفو، لخفته، على السطح، وبقيت الرواسب. لذلك كنت أقبض على نفسي متلبسًا بالحنين إلى شتمية “يا حمار” تصدر عن مسؤول أمني، أو إلى “بوكس” من ضابط يوجهه إلى عسكري يخدم الوطن مجانيًا. أحنّ إلى الوقوف بالدور أمام الأفران والجمعيات الاستهلاكية، وأشتاق إلى شتيمة من عنصر مخابرات؛ يقتحم الدور ويطلب عشرة كيلو غرامات من الخبز، وإذا رمقه بعض مَن هم في الصف منذ ساعات؛ قال لهم: “ولك أنتو بقر، ما بتفهمو، هالخبزات للوطن، وأنا الوطن”. أشتاق دائمًا إلى رؤية “حمار” ينهق في مجلس الشعب، مدعيًا أنه يمثلني، أنا السوري الذي أعطيته صوتي، في انتخابات لم أذهب إليها.

وما زلت أحنّ إلى يوم ربيعي من أيام حمص، دخل فيه إلى مكتبتي شابان يقطران لطفًا ورجولة، وطلبا مني الذهاب معهما لرؤية “المعلم”، وأنا بحكم تربيتي المسيحية أحب المعلمين، ولا أستطيع رفض طلب أي “معلم”، فكيف إذا كان هذا “المعلم” هو رئيس فرع المخابرات العسكرية في حمص. قال لي الشابان: خذ وقتك أستاذ، ليس هناك من عجلة، فكدت أبكي من لطفهما، ورقة عضلاتهما عندما صعدت معهما في سيارة البيجو 514، التي كنت أحلم باقتناء واحدة مثلها. عندما دخلت مع “دفشة” إلى مكتب “المعلم”، نظر إليّ بقرف، كمن ينظر إلى “جيفة”، وقال: “انقلع روح لعند الرائد، بلكي بتفيد هالوطن شوية”، وعندما سألت العسكري القبضاي عن كيفية إفادة الوطن التي قصدها “المعلم”، قال: تكتب تقارير بكل المعادين للوطن الذين يترددون إلى مكتبتك. ومن العادات التي افتقرت إليها في غربتي هي “الرشوة”، ففي الوطن الأم تستطيع، “بحفنة من الدولارات”، أن تحصل على أي شيء ترغب به، دون الوقوف في الدور، حتى لو كان منصب وزير أو عضو مجلس شعب، أو سفير أو قنصل حقيقي أو فخري، وتستطيع الادعاء أن الشعب هو الذي اختارك، وهناك، لا كلمة تعلو على كلمة الشعب أبدًا.

أخيرًا، وكي أكون صادقًا في ذكر كل ما سبق قوله، لا بدّ من القول: إنني أشتاق إلى الأيام التي كنت أقوّم بيدي اعوجاج زوجتي أو أولادي، وكنت أسمع تصفيق الجميع لي، على شجاعتي وفروسيتي، التي كنت أظن أنني فقدتها إلى الأبد، وأنا بين يدي عنصر المخابرات. وعلى قولة أحد “الآباء الكبار”: يا لتلك الأيام!!

مقالات ذات صلة

إغلاق