سورية الآن

بوتين ومقتلة المرتزقة الروس

 

تعيش روسيا منذ ايام حال من الدهشة والإرتباك ، إن لم نقل الصدمة ، بسبب المقتلة ، التي تعرض لها المرتزقة الروس من شركة “فاغنر” الشهيرة ليل 7 – 8 شباط/فبراير الجاري في دير الزور. ولا تزال وزارة الدفاع الروسية، كعادتها، تنفي وجود عسكريين روس بين قتلى الميليشيات المؤيدة للنظام السوري إثر القصف الأميركي لها، لصد هجومها على المواقع الكردية ، التي كان يوجد فيها عسكريون أميركيون ، على قول الأميركيين .
لكن مواقع التواصل الإجتماعي وأحزاب المعارضة الروسية لم تأبه لنفي وزارة الدفاع الروسية ، وذكرت أن مدونات ذوي القتلى من المرتزقة الروس ، ومقابلة الواشنطن بوست مع أحد قادة الفصائل الكردية في موقع الهجوم وسواها من المصادر ، تشير إلى أن عدد القتلى الروس كبير جداً ، ويتراوح بين 200 و600 قتيل . إلا أن إذاعة “الحرة” الأميركية الناطقة بالروسية ، وفي مقابلة مع أحد المتخصصين بالشأن الروسي ، وصفت هذه الأرقام بأنها غير واقعية ، إذا أخذنا بالإعتبار ، أن عدد المرتزقة الروس في سوريا هو 2500 مقاتل ، على قول الخبير هذا . إلا أن الأعداد الحقيقية للقتلى المرتزقة ، والتي ينبغي على وزارة الدفاع الإفصاح عنها ، تتجاوز بكثير الأسماء الأربعة ، التي أُعلنت الإثنين الفائت ونشرتها نوفوستي وعدد من الصحف الروسية ، بما فيها صحيفة الكرملين.
وكانت مواقع روسية قد نقلت في 13 من الجاري عن بلومبرغ ، التي استندت إلى مصادر لم تفصح عنها ، قولها ، بأن أكثر من 200 مقاتل من المتعاقدين ، أكثريتهم من الروس ، قد قتل في سوريا في 7 شباط/فبراير الجاري في دير الزور.
لكن ، وبغض النظر عن صحة الأرقام وحجمها ، إلا أن التجاهل المتمادي من قبل السلطات الروسية واستخفافها بمصير القتلى من المرتزقة الروس في صفوف الميليشيات ، التي قصفتها الطائرات الأميركية في دير الزور ، أثار استياءاً عميقاً لدى المواطنين الروس ودفع بهم إلى التخلص من الحذر ، الذي كان يميز سلوكهم في مثل هذه الحالات . أحد مواطني بيتربورغ قال عبر الفيسبوك ، أن صديقه “ليوخا” الملقب ب” الغاضب” ، والذي كان قائد مفرزته في قوات الإنزال الجوي في القرم ، قد قُتل في 7 شباط/فبراير في دير الزور، وهو يدعو كل من قتل له رفيق من بيتربورغ ، إلى التجمع أمام مدخل المقبرة للمشاركة في الجناز .
وذهب المرشح الرئاسي ، وزعيم الحزب الديموقراطي الموحد “يابلوكا” غريغوري يافلنسكي ، في بيان أصدره ، إلى مطالبة بوتين بجردة حساب عن “قتل الروس الجماعي في سوريا” . وقال ، بأن جميع وسائل الإعلام في العالم ومصادر متعددة في شبكات التواصل الإجتماعي تتحدث في الأيام الأخيرة عن مقتل الكثيرين من المواطنين الروس ، الذين يحاربون في سوريا في صفوف الشركة العسكرية الخاصة “فاغنر” وسواها ، نتيجة الصدام المسلح مع قوى المعارضة السورية المدعومة من المدفعية والطيران الأميركي .
وذكّر يافلنسكي ، بأن ال”واشنطن بوست” وصفت هذا الحادث بأنه “صدام قاتل بين القوات الروسية والأميركية” . في هذه الأثناء ، تصدر عن المسؤولين الروس تعليقات متناقضة ، تتراوح بين نفي ما حدث وتأكيدات وقحة بأن الدولة لا تتحمل المسؤولية عن مصير المواطنين ، الذين يتعاقدون للقتال مع الشركات العسكرية الخاصة . وقال ، بأن وقاحة هذه التصريحات تبرز أكثر في ضوء ما تنشره أجهزة الإعلام ، ولا ينفيه المسؤولون الرسميون ، من أن مقاتلي “فاغنر” يتدربون على أراضي قواعد القوات المسلحة الروسية ، ويُمنحون أوسمة عسكرية في الكرملين ، وهم ، في الحقيقة ، ليسوا إلا الوحدات الخاصة لوزارة الدفاع الروسية، مع العلم أن القوانين الروسية تحظر الشركات العسكرية الخاصة والقتل المأجور .
ويطالب يافلنسكي الرئيس الروسي بتقديم شرح لما حدث وتحديد المسؤولين عن ذلك، ولماذا يشارك المواطنون الروس في العمليات الحربية على الأرض في سوريا ، على الرغم من إعلان الرئيس الروسي ووزير الدفاع عن سحب التشكيلات العسكرية من هذا البلد وانتهاء الحرب الأهلية في سوريا . ويقول ، بان ملايين المواطنين الروس يؤيدون مطلب وقف التدخل الروسي في هذه الحرب الأهلية ، كما أظهرت حملة الحزب لجمع التواقيع على مطلب الإنهاء الفوري لهذه الحرب ، ” ولا يمكن أن تكون السلطة شرعية ، إلا إذا قدمت الحساب عن أعمالها أمام مواطنيها” .
كما يطالب يافلنسكي فلاديمير بوتين بتقديم جردة حساب علنية عن عمليات العسكريين الروس في سوريا في الوقت الراهن ، وعن عدد القتلى الروس ، بغض النظر عن الصفة ، التي قاتلوا من خلالها . كما يرى ضرورة الكشف العلني عن حال العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية ، إذ يتصاعد خطر الصدام المسلح “المتعمد أو العرضي بين روسيا والولايات المتحدة” ، على قوله .
لم يكن يافلنسكي وحده من وضع مقتلة المرتزقة الروس في إطار حرب أميركية ـــ روسية مباشرة في سوريا . فقد عنون أحد المواقع الإخبارية الروسية في 12 من الجاري مقالته عن هذه المقتلة : ” في مسافة خطوة من الحرب : “فاغنر” تحت نيران الطائرات الأميركية” . وقال الموقع ، بأن عدداً من أجهزة الميديا الوطنية يتحدث عن خسائر فادحة تكبدتها الشركة في سوريا في دير الزور في 7 شباط/فبراير ، تبلغ العشرات بل المئات .
ويقول الموقع ، بأن العسكريين الأميركيين عرضوا الحادثة للإعلام على نحو وكأنهم كانوا يريدون منه حشر روسيا في الزاوية ، وجعلها ترد على الضربة من “أجل حفظ ماء الوجه” . وموسكو ، التي لا تزال تلتزم الصمت حتى الآن ، تتحين المكان والوقت الأنسب للرد ، الذي “لا شك سوف يأتي ” ، بغض النظر ما إن كانت القنابل والصواريخ الأميركية قد قتلت روساً ، أو سوريين “فقط ” .
لقد أطلقت مقتلة المرتزقة الروس في دير الزور موجة عارمة ، غير مسبوقة ، من الكتابات الروسية المعارضة على شبكة التواصل الإجتماعي ، سخر عبرها كتابها من بوتين ، وأطلقوا عليه اسم “بوتلر” ، تشبيهاً بالمجرم النازي هتلر. ورفض هؤلاء المدونون منح الضابط الطيار ، الذي قُتل في دير الزور ، وسام “بطل روسيا”، ونعتوه بأنه مجرم حرب . وبلغ الأمر بأحد المدونين الروس حد نشر صورته وعنوانه في موسكو وهو يحمل بياناً ، كتب بالروسية والعربية، يدعو فيه الشعبين الروسي والسوري للمطالبة بسحب جميع القوات الروسية من سوريا ، وتقديم العسكريين والمسؤولين الروس ، بمن فيهم القائد الأعلى للجيش الروسي فلاديمير بوتين إلى المحاكمة ، بوصفهم مجرمي حرب .
وترى بعض المواقع الروسية المعارضة ، أن إعلان الكرملين الإثنين المنصرم عن مرض بوتين ، ومن ثم إعلانه ، يوم الثلاثاء التالي ، عن إلغاء كافة مواعيد عمل الرئيس للأيام القادمة ، ليس إلا تعبيراً عن الإرتباك ، الذي يعيشه الكرملين في البحث عن مخرج من مأزق مقتلة دير الزور، التي بينت مدى هشاشة “الإنتصارات” الروسية في سوريا وصعوبة ترجمتها إلى “انتصارات” سياسية.

(*) كاتب سوري

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق