تحقيقات وتقارير سياسية

الحلول السياسة “التافهة”

 

خرج السوريون إلى الشوارع عام 2011 ينادون بإسقاط النظام، على الرغم من يقينهم التام، بما يمكن أن يتعرضوا له من قتل وتشريد واعتقال وإخفاء. خرجوا بعد عشر سنوات عجاف، باتت فيها كلمة الإصلاح تندرًا ونكتة يلقيها المواطنون على بعضهم. لم يكن نظام الأسد الدوغما قادرًا على استيعاب أي حراك في الشأن العام، سياسيًا كان أم في مجالات أخرى، خارج نطاق إرادته، ولا يمكنه فعليًا أن يستوعبها إلا إذا كان يريد أن يضغط على زر التدمير الذاتي، والذي كان، من دون نية حقيقية منه، قد ضغط عليه منذ بداية استلام الديكتاتور الصغير الحكم، من خلال محاولة فاشلة للبرلة الاستبداد.

بعد أن باتت الشوارع السورية تزدحم بالمتظاهرين؛ باتت هناك حاجة ملحة إلى تشكيل معبّر سياسي عنهم، يدير العملية السياسية على المستوى المحلي والدولي، ويحوّل ثمارَ التمرد إلى مطالب سياسية واضحة، فجاء المجلس الوطني، ولم يكن معبرًا سياسيًا، بقدر ما كان صدًى سياسيًا تابعًا للشارع لا قائدًا له، ولم تختلف صيحات أعضاء المجلس الوطني، في المنتديات والمؤتمرات الصحفية، عن مثيلاتها في الشوارع، مطالبة بإسقاط النظام وإحقاق الحريات والعدالة الاجتماعية وإقامة دولة المواطنة، بمعاني فضفاضة لا تقل عمومية عن لافتات المتظاهرين الكرتونية. وبذلك لم يشكل المجلس الوطني القيادة السياسية التي احتاج إليها مجتمع الثورة السورية، وعلى العكس من ذلك، بات عبئًا عبثيًا ينحدر خلف النزوعات الشعبوية، رغبة منه في عدم خسارة التمثيل السياسي الذي كان يكفيه اسميًا، فعلى سبيل المثال احتج على تصنيف (جبهة النصرة) منظمة إرهابية، ودافع عنها نزولًا عند رغبة الشارع لا أكثر. بعد ذلك سهّل فراغ معناه استبدالَه بالائتلاف الوطني الذي لم يكن يختلف عن سابقه إلا في توسيع دائرة الفشل والفاشلين.

في فترة الائتلاف، بدأت مفاوضات جنيف على أساس بنودٍ، تتمسك برحيل الأسد وتشكيل هيئة حكم انتقالية، وتوالت المؤتمرات وتنوعت جغرافيتها، مرورًا بجنيف وأستانا وليس انتهاء بسوتشي، ونجح حليف الأسد الروسي في مجلس الأمن وفي تلك المؤتمرات، من خلال استغلال الخلاف التركي الأوروبي (ولم يكن وحيدًا في ذلك)، في تحويل هيئة الحكم الانتقالية إلى حكومة وطنية، ومن ثم الحديث عن بقاء الأسد بصلاحيات أقل، وأخيرًا، في مؤتمر تحت شعار يحمل علم النظام، توزع وفد المعارضة المفاوض بين من بات شريكًا في صياغة دستور جديد، بعد أن اعتبر الروس أن الإشكال السوري إشكالٌ دستوري، وبين مشردين في مطار سوتشي رفضوا الدخول، لوجود علم النظام على شعار المؤتمر الذي كانت مئات آلاف الصور منه تتصدر آلاف المواقع والوسائل الإعلامية، قبل وصولهم إلى المطار بأيام، وبحركة أشبه بالغرابة الكوميدية، يقوم أحد أعضاء هذا الوفد بتفويض تركيا بانتقاء خمسين شخصية، للمشاركة في لجنة صياغة الدستور التي أنتجها المؤتمر الذي رفضوا دخوله. من أين استطاع أن يحصل على تفويض بمنح التفويض! ومن يمثل وما ثقله؟ مسائل باتت ثانوية في عيون “عتاولة” المعارضة السورية. الغريب في الأمر أن الذين ذهبوا ليقابلوا مجموعة من فناني الصف الثاني والشخصيات الغريبة، مثل سارية السواس وأم البيارق، وشبيحة استلذوا بقتل السوريين أمثال معراج أورال وغيرهم من الطبقة السياسية التي يصنفها مجتمع الثورة بأنها قذرة، ذهبوا إلى هناك تحت أصوات القصف المستمر للقوات السورية والروسية، على قرى وبيوت مَن يُفترض أنهم يمثلونهم، وفي ظل اكتظاظ المعتقلات بمعتقلات ومعتقلين، يُفترض أنهم يناضلون معهم في قضية واحدة، ولكن لم يتم الإشارة إلى أيٍّ من ذلك. بل عاد الوفد ليرى الروسَ اليوم -أكثر من أي وقت مضى- يرتكبون المجازر يوميًا، انتقامًا لطيارهم، دون أدنى احترام لمن قبل الحضور في مؤتمر دعوا له.

الإشكال الرئيس يكمن في التفاوض بحد ذاته، فمن يفاوض هم ممثلو الثورة؟! كيف يمكن أن تفاوض ظالمًا يرى ظلمه لك عدلًا؟ الثورة لا تفاوض، الثورة تحمل في معناها الهدم والرعب؛ لأن الثورة حدث لا يمكن أن يصل إليه مجتمعٌ ما إلا بعد أن يكون قد وصل إلى الحضيض، وتشكل انسداد في الأفق حول أي حل سياسي مع الدولة التي تحكمه. إنها مرحلة يصبح فيها الشعب مستعدًا للموت، ويخرج إلى الشارع مناديًا بدمار منظومة العلاقات السائدة، لا بإصلاحها؛ لأنه وصل إلى قناعة رأى فيها أن العيش مع نظام كهذا بات مستحيلًا، ولا تبدأ الثورة باستعداد الفرد للموت، وإنما في مرحلة لاحقة تتبدى في استعداد الدولة للقتل، وفي حال الدولة السورية، كان الاستعداد واضحًا منذ اللحظة الأولى، كان الإصلاح الذي يراه الأسد هو منح المكتومين هويات ليسكتهم، الموظفين علاوة 1000 ل.س، وبقية الشعب مئتي ليتر مازوت!

لماذ لم يقدّم نظام الأسد أكثر من ذلك؟ لأنه ببساطة لا يمكنه أن يقدم أكثر. يعود ذلك إلى تركيبة النظام المافياوية، وشكل العلاقات الزبونية المترسخة في نمط الإدارة التي لم تعد أداة يستخدمها النظام، بقدر ما باتت طبيعة النظام نفسه، فنظام الأسد الذي هندسَه الأسد الأب كان مبنيًا بكامله على جملة من التوازنات والتكاملات، وهي ما كان يسميه حافظ الأسد “سياسة توازن القوى”، وهذا لا ينطبق على السياسة الخارجية فحسب، وإنما على الداخلية أيضًا، ففور استلامه؛ دمّر سياسة البعث الاشتراكية الراديكالية أيام القيادة القطرية وصلاح جديد، وخلق طبقة جديدة من الملاك تسد مكان الطبقة القديمة التي كانت فاعلة سياسيًا، فجاءت تلك الطبقة مفرغة تمامًا ومعيقة لنشوء أي برجوازية وطنية، في حال حصل تغير في الموازين والتوجهات، وأبقى على النظام الاشتراكي، وخلق -وبخاصة بعد الثمانينات- طبقة كهنوت إسلامية ومسيحية مرتبطة به، وامتلأت سورية بمعاهد حافظ الأسد لتحفيظ القرآن. وعلى مستوى السلطة، تظهر نمطية النظام اللصوصية، وعلى الرغم من أن المستوى الأمني هو الأول في السلطة، فإن دنياميات صنع القرار واتخاذه لا تتبع هيكلية إدارية محددة حتى ضمن الدوائر العليا؛ فعلى سبيل المثال، قد يكون ضابط صغير، في إحدى قطع الجيش أو الأمن، أهم من مدير الفرع أو قائد اللواء، فصناعة القرار ومراكز القوى ترتبط بأشخاص بعينهم، لا بمناصب ومواقع عليا أو دنيا. وبالتالي؛ فإن التدرج في سلالم السلطة لا يرتبط لزامًا بامتلاك السلطة الحقيقية، وإنما بالشخص الذي في هذا المكان أو ذاك، وكل شخص داخل تلك الدائرة مرشحٌ من جهة شخص آخر، ممن وضعَه الأسد في بداية تشكيل النظام؛ وبذلك تشكلت كتل متوازنة وقطاعات ودول داخل الدولة، تفاهماتها مبنية بشكل رئيس على اقتسام السرقات.

مشكلة بشار الأسد أنه لم يصنع ذلك النظام، وإنما يلعب فيه دورًا خصصه له أبوه، وما إن حاول بشار الأسد تغيير أحجار ذلك النظام؛ حتى بدأت سلطاته تتآكل، منذ الانفتاح السياسي عام 2001 ومن ثم محاولاته العبث في حرب العراق مرورًا بمقتل الحريري، ومن ثم انطلاقة الثورة وتحوله إلى ذنب كلب. إن نظام الأسد عاجز عن تقديم أي تنازلات؛ لأن تخليه عن أي ركن من أركانه يؤدي تدريجيًا إلى انهيار النظام بأكمله، كما أن النظام غير قادر على التخلي عن بشار الأسد، لأنه لا يشكل رأس السلطة فحسب، بل نقطة التوازن في هذا النظام، وغيابه سيؤدي إلى انهيارات كارثية، تسببها الصراعات البينية بين الكتل المكونة لذلك النظام، مثل الفروع الأمنية التي تعمل حتى في ظل الأسد، في أوقات كثيرة ضد بعضها، ويعي الروس الحريصون على بقاء النظام ذلك تمامًا، ولا يكذبون حينما يقولون إنهم غير مهتمين بالأسد، لكنهم مهتمون ببقائه؛ لأن بقاءه هو الضامن الوحيد لبقاء النظام، ولن يبقى الأسد إلا إذا حافظ على نمط العلاقات اللصوصية التي تميز طبيعته، وبالتالي هو عاجز -وإن أراد- عن تقديم التنازلات، فعلى ماذا يفاوض السادة المعارضون؟ باختصار: أي حل سياسي يفضي إليه التفاوض، مع بقاء الأسد، ولو لساعة واحدة في السلطة، ليس سوى هزيمة للثورة حسنة التغليف.

Author

مقالات ذات صلة

إغلاق