أدب وفنون

علي الشهابي شريك الثورة والجراح

 

قبل أن يضيع أثره فجأة، كانت المناسبات الثقافية في دمشق جمعتني به أكثر من مرة، تبادلنا التحية، ولم أحظَ بفرصة التعارف إليه عن قرب، وحين بدأ وجهه يطل من وراء القضبان ويعاتبني، وأنا أجمع أوراق المعتقلين على مدونتي، كان عليّ أن أحرق المسافات بيننا وأدخل عالمه، ذاك العالم الواسع الذي فتحته أمامي صورة ناجي الجرف، قبل يومين من اغتياله في منفاه بغازي عنتاب عام 2015، وكان يمسك مجلة (حنطة) في عددها الخاص بـ علي الشهابي. صورتان جميلتان للثورة والتضامن الفلسطيني السوري: الأولى قيد الاختفاء القسري، والثانية في ذمة الغياب، صورتان لألم واحد اسمه “سوريا الحرة”.

علي الشهابي، الكاتب والناشط، الفلسطيني الأصل، المولود في سورية عام 1955، يعرفه الكثيرون، كان يدرّس اللغة الإنكليزية في مدارس (أونروا)، ويسكن في مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين، وسوف تصادف اسمه في كل مراحل الحراك ضد ديكتاتورية نظام الأسد، وفي كل حملات التأديب التي تبعتها، وسوف ترسم له شهادات رفاق الدرب بورتريه رائعة، وكأنه شاعر التراجيديات القديمة، يتلقى ضربات القدر والأعداء ببسالة، ويستمر في معركته السلمية ضد القبح والظلم، حتى نفسه الأخير.

يذكره أحمد خليل في سجن “الشيخ حسن” وهو يدرّس السجناء اللغة الإنكليزية، ويملأ وقتهم الطويل بما هو مفيد. يذكر صبره على الفجيعة بمن يحب، فقد توفيت ابنته الصغرى (ليديا) وهو في سجن عدرا، وبعد الإفراج عنه، راح ابنه سعيد ضحية حادث سير عام 2007، ثم رحلت ابنته الكبرى (ميديا)، وفقد أمه بعد أشهرٍ من بداية الثورة. أمُّ عليّ، وأم المعتقلين: “المرأة الفلسطينيّة القويّة والمتماسكة والكريمة، نادرًا ما غابت عن الزيارات، كانت تمرُّ على الشبك لتسلّم على الجميع، وكانت تمضي أيامًا عديدة قبل موعد الزيارة، لإعداد طعامٍ يكفي الجميع”.

يكتب آرام كربيه: “أذكر زاوية المهجع التي كان يجلس فيها، يقرأ طوال الليل، يسهر عندما كنّا ننام”. ويكتب برهان ناصيف: “عليٌّ وقف في وجه المخبرين داخل المعتقل، ودعا المعتقلين الآخرين إلى مقاطعتهم، فاستحقَّ العقوبة الانفراديّة لشهرين”، “بعد خروجنا عشية عام 1992، وكان قد أمضى عشر سنواتٍ داخل المعتقل، حاول بشتّى السبل التواصل مع منظمات حقوق الإنسان، لإيصال أصوات المعتقلين الذين نسيهم العالم، فاستدعته الأجهزة الأمنيّة، وأوقفته عدّة أيام، من أجل بعض المساعدات التي قدّمها للمعتقلين”.

بعد الإفراج عنه، أصدر الشهابي كتابه الأول بعنوان (البنية الجديدة للعالم) عام 1992، ونشر كتابه الثاني (سوريا إلى أين؟) عام 2005، وبموجب تصريح رسمي من السلطات أسس حزب (سوريا للجميع) عام 2006، لكن الأمن اعتقله للمرة الثانية بتهمة تأسيس الحزب، وأُطلق سراحه بعد ستة شهور.

في وقت مبكر، فتح الشهابي عينيه على عيوب العقائد الشمولية: الأصولية والقومية والشيوعية، وحمّلها مسؤولية إعاقة فاعلية المجتمع السوري، بالتوازي مع مصادرة السلطة للحياة السياسية، ففي كتابه (سوريا إلى أين) يرى أن “منطق الأصولية هو السير بالاتجاه المعاكس للحياة، وأن الدين لا يصير أصوليًا، إلا في المجتمع المتخلف، وأن كل ما في الحياة الاجتماعية ينقض الأصولية، لكنها تتغذى وتزدهر من مقولات العداء للعولمة وللأمركة ومقارعة الآخر.

ينحاز الشهابي إلى الرؤية التي تعتبر أن الحدود السياسية للدول صارت تكبح استمرار التطور الاقتصادي العالمي، وهو ما يفتح الباب أمام ضرورة العولمة، فالعالم يسير على طريق دمج الأمم والشعوب واندماجهم، لينتج عنهم ومنهم شكلًا جديدًا لاجتماعهم وتجمعهم، هو حكمًا وبالضرورة أرقى من الدولة القومية، أما مساره الذي سيستغرق السنين، فليس بهذه الوردية، ولكن لا مناص.

العولمة من وجهة نظره: “لا يمكن أن تكون إلا رأسمالية، لأنها لا تتحقق إلا بفعل فاعلية رأس المال في جعل الكرة الأرضية مسرحًا حرًا لحركته. هذا أساسها المادي، وما عداه أضغاث أحلام، بدليل أن أعتى عتاة مناهضة العولمة (خارج الأصولية) باتوا مع تعديلها، أي تخلوا عن وهم رفضها، أو تحقيقها عبر الاشتراكية”.

أما فيما يخص قضيته كفلسطيني، فهو يعتقد أن “ما من عاقل يطالب اليوم بضرورة إزالة (إسرائيل)، بل بضرورة عدم التنازل لها أكثر من الاعتراف بحقها في الوجود ضمن حدود الرابع من حزيران، بحسب ما باتت عليه أعراف الشرعية الدولية، مما يستلزم ضرورة مباشرة التخطيط لكيفية تعايشنا معها، حتى لا نجد أنفسنا نتعايش معها بالطريقة التي تخططها هي”.

لم يتأخر علي عن الانخراط في الثورة السورية التي طالما حلم بها، وكان حريصًا على السلمية، ككاتب وكناشط ميداني، وبحسب موقع (هيومن رايتس ووتش) أنفق الكثير من الوقت والجهد للمناداة بالحوار، ومناهضة استخدام السلاح، وتحييد مخيم اليرموك، وتسهيل استقبال الجرحى في مستشفياته، كما عمل كوسيط للتفاوض بين الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (القيادة العامة) الموالية للنظام، وعناصر الجيش الحر المقيمين في المخيم، وعلى إثرها ضاع كل أثر يدل على وجوده.

في أوراقه ومقالاته، إبّان الثورة وقبل اعتقاله، أكد الشهابي على ضرورة التعبئة والنزول إلى ميدان الصراع لا كقوة ثقافية أو إغاثية، إنما كقوة سياسية لها شروطها، أسوة بشباب مصر الذين فرضوا مادة تضمنتها التعديلات الدستورية، تنص على ضرورة “قيام الأحزاب على أسس ديمقراطية مدنية سلمية”.

إثر دعوة “الهيئة العامة لعلماء المسلمين” في سورية إلى النفير العام، والانشقاق عن جيش النظام والانضمام لكتائب الجيش الحر، ودعمه والعمل تحت قيادته، بتاريخ 6 شباط/ فبراير 2012، اعتبر الشهابي أن من سيتجاوب مع دعوة الهيئة العامة للعلماء هم المتدينون من المسلمين السنة، ومن شأن هذه الدعوة أن تكبح جمهور الأقليات عن حمل السلاح ضد النظام، وأن “تركيبة الجيش الحر ستكون سنيّة، لذا سيبدو طائفيًا حتى لو لم يكن، وإن تُرك وحده ربما سيصير. لذا على الديمقراطيين الحقيقيين التفكير بكيفية الفعل في هذا الصراع”، كي لا يجدوا أنفسهم على الهامش.

وعن قضية حماية الأقليات الدينية التي اشترطتها السيدة كلينتون، على “المجلس الوطني السوري”، رأى أنه كان ينبغي الرد عليها بأننا: “لن نحمي أي طائفة دينية، سواء أكانت أغلبية أم أقلية، لأننا لسنا طائفة، ولن نقيم دولة طوائف. في سورية المستقبل سيحمي القانون جميع السوريين، ويضمن لهم كل حرياتهم بما فيها الدينية، كجزء من ضمانه لحرية الرأي والتعبير والمعتقد والسلوك”.

يوم التاسع عشر من كانون الأول/ ديسمبر 2012، اختفى أثر علي الشهابي للمرة الثالثة، وقيل لأهله حينئذ، إنه في “فرع فلسطين” وسيخرج قريبًا، لكن أحدًا منهم لم يره، وبعد عام اعترفت السلطات السورية بوجوده لديها لشكوك حول أنشطته، وبأنه قيد التحقيق من قبل الجهات القضائية المختصة، لكن العدالة لم تأخذ مجراها بعد، ولا يزال مكانه ومصيره مجهولًا حتى اليوم، مثله مثل الآلاف من المختفين قسرًا في “سوريا الأسد”.

سلام عليكَ، أيها الفلسطيني الطيب، شريك جراح السوريين، كم أغناني لقائكَ، وكم أتمنى أن تخرج سالمًا ومعك كل المعتقلين.

مقالات ذات صلة

إغلاق