هموم ثقافية

أموات يبحثون عن مشيعين

ليس الحفاظ على البيئة من أجل البيئة بذاتها، إلّا في أذهان المثاليين من الناس، وهم قلة أقل من قليلة! الحفاظ على البيئة يعني الحفاظ على الموارد الطبيعية لضمان مستقبل جميع الكائنات الحية، وعلى رأسها الإنسان، فالبيئة التي يتكلمون عنها ليست في مجرة أخرى، ولا في كوكب غير الكرة الأرضية. إنهم يقصدون الطبيعة التي هي أمّنا، والكائنات الحية التي هي شريكتنا في الوجود على هذا الكوكب دون سواه.

لقد عاشت الأرض مرحلتين، يمكن اعتبارهما مراحل رخاء بيئي: الأولى حين كان هدف الإنسان الأساس يتمثل في الحصول على الغذاء، لا المنافسة، وفي تلك المرحلة التي سبقت مرحلة الاستقرار، لم يكن الحفاظ على البيئة هدفًا، بقدر ما هو واقع. والمرحلة الثانية هي في الطرف الآخر من الوعي والمعرفة؛ حيث أدرك الإنسان أن انتهاك البيئة هو انتهاك لمستقبله. يحدث هذا في الدول المتقدمة حيث أصبح الحفاظ على البيئة يندرج في أولويات خطط الدولة الاستراتيجية، فكان اليوم العالمي للبيئة (WED) حيث تستضيف إحدى مدن العالم في 5 حزيران/ يونيو من كل عام، الفعاليات الرسمية لهذا اليوم، كما تم إنشاء برنامج الأمم المتحدة للبيئة UNEP التابع لمنظمة الأمم المتحدة، لتوضيح المخاطر المحيطة بالبيئة، واتخاذ إجراءات سياسية وشعبية للحفاظ عليها. إلا أن هذه الثقافة لم تتحول إلى ثقافة عامة، فما زالت الكثير من الدول تغلّب مصالحها الاقتصادية على مصالحها البيئية! وما زالت أمم وشعوب كثيرة خارج هذه الثقافة أو المعرفة! فالتفاوت الهائل بين دول الشمال والجنوب، لم يتوقف عند مستوى العيش وطرائق التعليم، والضمان الصحي، بل في طريقة استخدام الموارد أيضًا، فارتباط برامج التنمية في الدول الفقيرة بالمساعدات المالية والتقنية القادمة من الدول الغنية، إضافة إلى كون تلك المساعدات أقل مما ينبغي، فهي تمر عبر قنوات الفساد الإداري والمالي، وهذه الممرات الضيقة تفضي إلى نتائج محدودة حتمًا؛ ما أدى إلى انحسار المحيط الاجتماعي البيئي، وصرنا نشهد استغلالًا مفرطًا للعديد من الموارد البيئية، بطرائق تؤدي إلى أعظم الأخطار، وما يحدث في الرقة خير مثال.

محافظة الرقة هي محافظة في شمال وسط سورية، على الضفة الشمالية لنهر الفرات، على بعد 200 كم شرق مدينة حلب، يعتمد اقتصادها على الزراعة وتربية الماشية بنسبة 70 بالمئة، والبعض من سكانها التحقوا بالعمل الوظيفي والمهني- التجاري، عدد سكانها لا يتجاوز مليون نسمة، يتوزع أكثر من نصفهم في الريف، وتبلغ مساحتها 1.962 مليون هكتار وتشكل 10.6 بالمئة من مساحة سورية، يعود تاريخها إلى العصر العباسي 1258م. تمتد محافظة الرقة على منطقة ســهلية خصبة، تشمل مناطق واسعة من حوض الفرات والجزيرة والبادية، وترتفع عن سطح البحر ما بين (240 إلى630) م، يسيطر عليها نموذجان من النماذج المناخية السائدة في سورية: المناخ المتوسطي المعتدل والمناخ المتوسطي شبه الجاف. وتعتمد المحافظة على نهر الفرات، وهو ذو جريان دائم، إضافة إلى نهر البليخ الذي يستمد مياهه من روافد الوديان والينابيع التي تقع في شمال المحافظة. وتعتمد هذه المحافظة على مياه بحيرتي الأسد والبعث اللتين تعدّان أكبر وأضخم مصدر مائي في سورية، وتقومان بإغناء المياه الجوفية والينابيع والآبار، وقد ساعد توفر هذه المصادر المائية على التوسع في مساحة الأراضي الزراعية المروية، فمساحة الأراضي القابلة للزراعة فيها 828948 أي بنسبة 42.25 بالمئة من مساحة المحافظة، يستثمر منها 813417 وثمة 15531 غير مستثمرة، أما نسبة المروج والمراعي فهي 951782 هكتار، يضاف إلى تلك المساحة، مساحة أخرى هي مساحة الأراضي الحراجية 16126هكتار، وهي ثاني محافظة، من حيث المساحة بالنسبة للمحافظات السورية، هذه المساحة الشاسعة، بعدد سكانها القليل، جعلتها من أقل المحافظات تلوثًا، إذ لا يوجد فيها مصانع، ونسبة السيارات والآليات هي الأقل قياسًا بالمحافظات الأخرى، ثمة العديد من آبار النفط تنتشر في ريفها، وهي ليست من الآبار الضخمة، وكان استخراج النفط يتم بالوسائل الحديثة، بقي الحال على ما هو عليه إلى أن سقطت الرقة في يد تنظيم (داعش) عام 2014. لم يكن تمركز التنظيم في تلك المنطقة من سورية اعتباطيًا، بل لإحكام السيطرة على حقول النفط والغاز، والتي يقع أغلبها في المنطقة الشمالية، والشمالية الشرقية، إلا أن التنظيم، رغم سيطرته على نسبة كبيرة من حقول النفط بين الأراضي السورية والعراقية، كان يفتقر إلى التقنيات والإمكانات اللازمة لإتمام عمليات إنتاج وتكرير النفط بنسبة كبيرة، الأمر الذي جعل قدرته الإنتاجية تنحصر من 50 ألفًا إلى 35 ألف برميل يوميًا، بحسب صحيفة (فايننشيال تايمز) البريطانية.

تنتج الآبار السوريّة نوعين من النفط الخام: ثقيل (يتركّز في حقول الجزيرة)، وخفيف (وهو الأسهل تكريرًا، ويتركّز في دير الزور). ولكي يستطيع التنظيم بيع نفط تلك الحقول التي استولى عليها، يحتاج إلى مصافي تكرير النفط، لإنتاج المشتقات التي تباع للسوق المحلية التابعة للتنظيم والسوق الخارجية عبر وسطاء، وقد نجح التنظيم في الاستيلاء على مصفاة حقل (القيّارة) العراقي ومصفاة أخرى قريبة منها شمالي غرب الموصل. فضلًا عن نقاط التكرير المتنقلة عبر الحدود السورية العراقية المفتوحة.. إلا أن التدفقات المالية الناتجة عن الاتجار بالمشتقات النفطية، لم تتوقف عند نقاط التكرير المتنقلة، بل تم الاعتماد على ما هو متوفر من طرق التكرير، كعمليات الحرق التي تقوم بتسخين النفط الخام وينتج عنها ترسب المواد الناجمة عن عملية الحرق على التربة والنباتات الموجودة، دون الأخذ بالحسبان أن مادة النفط الخام تحتوي على نسبة معينة من الإشعاعات، وأن استخراج النفط بطريقة بدائية ينجم عنها غاز الكبريت وغاز ثاني أكسيد الكربون، وهي تعدّ غازات سامة، إضافة إلى أشعة (غاما– بيتا)، حيث إن حراقات النفط البدائية تكون على تماس مباشر مع تلك الإشعاعات، مما يسبب الأذى للعاملين والبيئة المحيطة. ثم تطور التنظيم في عمليات استخراج النفط، إذ تطوّرت وسائل الاستخراج، بعد استقدام الدافعات الهيدروليكية ومضخات كهربائية، أغلبها استقدم بعد تفكيك البنى التحتية في حقلي علاس والعجيل، قرب تكريت، كذلك تم الاستيلاء على معدات وآليات شركة آسيوية صغيرة للنفط، كانت تعمل على تطوير حقل صغير غير مستثمر قرب الموصل، قبيل دخول التنظيم إليها في التاسع من حزيران/ يونيو من عام 2014. وبقيت الكثير من الآبار الصغيرة يستخرج منها النفط بالطرق البدائية، موزعة في الأراضي الزراعية، وهي أكثر من 40 حقلًا نفطيًا، كلها ترمي سخامها على التربة والنبات، إضافة إلى تلوث التربة ببقايا المواد الكيمياوية من المعدات العسكرية، وما يصل إليها من عمليات القصف، وخاصة أن الرقة قصفت مرات عديدة بالفوسفور الأبيض، الذي يتفاعل مع الأوكسجين، وينتج نارًا ودخانًا أبيض، يترسب في التربة وقاع الأنهار، وهو من الأسلحة الخطيرة على الكائنات الحية بكل أنواعها، بما في ذلك النباتات، ويسبب موت الكائنات العضوية في الأهداف التي يصيبها. وما زالت انفجارات الألغام في الرقة مستمرة، وهي تعني المزيد من التلوث، والمزيد من الإضرار بالبنية التحتية، والحياة البرية، والنبات.

وقد شهدت محافظة الرقة -في الآونة الأخيرة- تعرية واسعة للتربة، وقد اختفت الكثير من النباتات، ولم تعُد المناطق التي تُعدّ مراعي للماشية، ونباتاتها العشبية التي تنمو أثناء مواسم الأمطار والربيع موجودة، فالحرب هددت التنوع الجيني للأنظمة البيئية، وغير ذلك مما يعرفه المختصون، وقد بدأت بوادر ذلك تظهر في الأمراض الجلدية التي تضاعفت في المنطقة، وأمراض السرطان وغيرها من الأمراض الجديدة على المنطقة. من المؤسف أن هذا حدث، ونحن على مشارف الألفية الثالثة، وتحت عين الدول الكبرى التي تنادي بحقوق الإنسان، وتدفع إلى التنمية المستدامة!!

مقالات ذات صلة

إغلاق