ترجمات

صحيفة غازيتا: تنحية البنادق جانبًا. إلامَ أفضى مؤتمر سوتشي حول سورية؟

ميخائيل فوسكرينسكي/ وكالة ريا نوفوستي. مؤتمر الحوار الوطني السوري في سوتشي

كما كان متوقعًا، كانت التقييمات متناقضةً بشأن مؤتمر الحوار الوطني السوري الذي عُقد الأسبوع الماضي في مدينة سوتشي. فالبنتاغون ووزارة الخارجية أعربا عن التشاؤم حياله، بينما عبّر الأمين العام للأمم المتحدة عن امتنانه لروسيا الاتحادية على عقده. ومن ناحيةٍ أُخرى، نوهت موسكو ودمشق بأهمية تشكيل اللجنة الدستورية التي ضمّت ممثلين من السلطة ومن المعارضة السورية. ويعتقد الخبراء أن من المهم الآن إشراك جميع أطراف النزاع في العملية.

في نهاية المؤتمر، ترددت مقاطع من النشيد السوري بأصوات مندوبي مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذين كانوا على استعدادٍ، قبل بضعة أشهر، لإطلاق الرصاص على بعضهم البعض. وقد تكون الصور التي بثها التلفزيون الروسي لرجالٍ يرتدون الثياب الرسمية إلى جانب آخرين باللباس التقليدي، وهم يرددون النشيد الوطني السوري، زادت آمال منظمي المؤتمر: روسيا، إيران وتركيا.

من المعروف أن الجانب الروسي اعتبر المؤتمر المحاولة الأولى، منذ نشوب الأزمة السورية في عام 2011، لجمع هذا الطيف الواسع من المشاركين من مختلف طبقات الشعب السوري.

قال ممثل الرئيس الروسي الخاص إلى سورية ألكسندر لافرينتييف: كانت النتيجة الرئيسية لمؤتمر سوتشي، الذي شارك فيه 1500 مندوب من المعارضة والحكومة، “تشكيل اللجنة الدستورية”.

يناط بهذه اللجنة مهمة صياغة دستورٍ جديد لسورية، يحدد هيكل الدولة ما بعد الحرب. وبيّن لافرينتييف أن تشكيل اللجنة سيساعد في “إيجاد بذرة منطقية لإطلاق الإصلاح الدستوري”. وفي الوقت نفسه، استغل الدبلوماسي الروسي المناسبة لتوجيه اللوم، ولو كان بشكلٍ ودي، إلى المندوب الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دي مستورا. وقال لافرينتييف متوجهًا إلى دي ميستورا: إن جميع الجهود التي بُذلت قبل سوتشي كانت “بلا طائل”، وإن “ستيفان لم يتمكن من فعل شيءٍ، للأسف”.

كانت كلمات الدبلوماسي الروسي تحمل نقدًا واضحًا للعملية التفاوضية في جنيف، حيث عقدت جولاتٌ كثيرة لمدةٍ طويلة بين الأطراف، ولم تؤد بالفعل إلى نتائج ذات شأن. وبالمناسبة، فإن موسكو التي حققت نتائج عسكرية في سورية، لم تحقق سوى نتائج سياسية متواضعة، على مسار التسوية السلمية في هذا البلد.

من دون بوتين سوتشي ليست بسوتشي

تمكّن الجانب الروسي بالفعل من جمع ممثلين عن مختلف القوى السياسية في سوتشي، بما في ذلك ممثلو المعارضة المسلحة. وقد دعت موسكو إلى المؤتمر أكثر من 1600 شخصية من السلطة السورية، والمعارضة السياسية، وكذلك من منظمات المجتمع المدني وممثلي الأقليات القومية، بما في ذلك الأكراد، الإيزيديون، الدروز والتركمان.

في 28 كانون الثاني/ يناير، أبلغ ممثلو الأكراد وكالة أنباء (ريا-نوفوستي)، أنهم لم يتلقوا دعوة لحضور الحدث. كما أن الكثير من الشخصيات المعارضة البارزة والمدعومة من واشنطن والرياض لم يأتوا إلى سوتشي. وقال لصحيفة (غازيتا) خبيرُ المجلس الروسي للشؤون الدولية أنطون مارداسوف: إن هذه المقاطعة جعلت جميع ممثلي المعارضة، الذين قدموا إلى سوتشي، يبدون عبارةً عن “دمى”، تمثل تنظيماتٍ وحركات موالية للرئيس السوري بشار الأسد.

وأوضح الخبير للصحيفة: “منذ البداية، كان واضحًا أن ممثلي المعارضة الحقيقيين لن يحضروا إلى سوتشي؛ لأنهم كانوا خلال مدةٍ طويلة يرفضون الجلوس إلى طاولةٍ واحدة، مع المعارضة الزائفة الموالية للأسد، خوفًا من جعلهم على قدم المساواة معهم في الحقوق”.

وعبّر الجانب التركي عن عدم الرضى، بسبب بعض المشاركين، على سبيل المثال، مشاركة زعيم المجموعة التركية “جبهة التحرير الشعبي الثوري”: معراج أورال، الذي تعدّه أنقرة إرهابيًا.

ولهذا، يجب تقييم نتائج المؤتمر بازدواجية، قال لصحيفة (غازيتا) كبير خبراء Gulf state Analystics في واشنطن: “نتائج المؤتمر في سوتشي تعكس طبيعة التسوية السياسية؛ حيث ستواجهه المشكلات. فمن جانب، غدا مؤتمر سوتشي نجاحًا جزئيًا نتيجة قدرته على التقدم بعض الشيء صوب جنيف. ومن جانبٍ آخر، كان مؤتمر سوتشي فشلًا، بسبب غياب تمثيل المعارضة السورية. وترى موسكو أن أولئك الذين سينضمون إلى العملية سيكونون شركاء. أما الآخرون، فالزمن سيبيّن وضعهم”.

يرى الخبراء المطلعون على الوضع عن كثب أن المؤتمر فقَد بعض الاهتمام، بعد أن فهم مشاركون رئيسيون أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لن يكون موجودًا.

كان حضور رأس الدولة الروسية سيعطي الحدث أهميةً أكبر.

يقول المستشرق المؤرخ، الخبير بالشؤون السورية، فلاديمير أخمدوف: “جميع من كان ينوي الذهاب إلى سوتشي، بتأثير وجود رأس الدولة الروسية، لم يذهب”.

في الوقت نفسه، نوه أخمدوف بالمعنى الإيجابي للمؤتمر حتى مع كل ما أحاط به. فروسيا، برأيه، معنيةٌ اليوم أكثر من غيرها ببدء العملية السياسية في سورية. وقال بهذا الصدد:” كلما نشطت الدبلوماسية؛ تراجع القتال. كان تشكيل اللجنة الدستورية أمرًا إيجابيًا، ولم يكن بالإمكان التوصل إلى أكثر من ذلك”. وبرأي الخبير، فقد شكلت الخلفية السلبية العامة، المرتبطة بـ “قائمة الكرملين” والتي نشرت يوم افتتاح مؤتمر سوتشي، إعاقةً لأجواء المؤتمر.

نائب رئيس جمعية الدبلوماسيين الروس، المستشرق أندريه باكلانوف يتفق مع التقييم الإيجابي للمؤتمر. وبرأيه، فإن ميزان القوى لمندوبي سوتشي “يعكس الوضع الحقيقي”، في الوقت الراهن. ويعتقد الخبير أن هناك عاملًا إيجابيًا آخر: “انتقلوا من الكلام إلى العمل”. ويتابع المستشرق: “كانت اللجنة الدستورية فكرةً محددة حول كيفية عمل العملية السياسية. وفيها يمكن أن نتصور كيف ستعمل الهياكل السلطوية، وإذا سارت الأمور على نحوٍ جيد؛ فإن البقية سيلتحقون بها”. وأضاف أنه يجب المضي قدمًا في طريق “انضمام المستعدين للمشاركة. يجب التوقف عن استدعاء الجميع إلى مالا نهاية”.

ولا يكتفي بالدستور

مسألة اعتماد دستورٍ جديد في نهاية الأمر ستكون أمرًا مفصليًا للعملية السياسية في سورية. مناقشة الإصلاحات الدستورية هي الجزء الأهم في قرار مجلس الأمن رقم 2254.

تجدر الإشارة إلى أن الدستور السوري الأخير الذي اعتمد في عام 2012 يتضمن الكثير من المبادئ الديمقراطية. قد يكون هو بالتحديد ما سيعتمد أساسًا للقانون الجديد، وتبقى مسائل السلطة الرئاسية وطبيعة شكل الدولة من القضايا المفصلية في المفاوضات. يصر الكثيرون من ممثلي المعارضة على تحويل سورية من جمهورية رئاسية إلى جمهوريةٍ برلمانية، كما تصر على تغيير بنيتها الجغرافية مع أخذ الوضع الناشئ بعين الاعتبار.

يشير الخبير المستشرق أخمدوف إلى أن هذا الموضوع هو أكثر المسائل إلحاحًا. كما يقول إن الوثيقة التي ستعتمد ستكون مؤقتة في كل الأحوال. وهناك مشكلة أُخرى تتمثل بمن سيتولى تطبيق القواعد: “السوريون أنفسهم، أم لاعبون من الخارج؟”، يتساءل الخبير.

تولت روسيا بنفسها كتابة رؤيتها للدستور السوري. وتفترض هذه الرؤية إبقاء سورية جمهورية رئاسية، مع الإشارة إلى إزالة كلمة “عربية”، كما لا يذكر الإسلام كـ “ديانة الرئيس”. وينظر إلى إهمال كلمة “عربية” كاسترضاءٍ للأكراد، التي ترى روسيا أن يتمتعوا بحكمٍ ذاتي. وفي الوقت نفسه، وكما كتب ليونيد إيساييف على موقع مركز (كارنيغي)، فإن نسخة مشروع الدستور الروسية موجهة لتعزيز سلطة الأسد.

يقول الخبير مارداسوف: “لم يكن ممكنًا أن يكون غير ذلك؛ إذ إن روسيا اتخذت في النزاع السوري جانب الأسد على الفور، وجاءت كل تصرفاتها لتسوية النزاع (العملية العسكرية في سورية، والآن إقامة منصةٍ جديدة لإجراء المفاوضات السلمية) موجهةٌ بالتحديد للحفاظ على النظام الحالي”.

في الوقت نفسه، ومع أن الأسد منتصرٌ في الحرب، فإنه لا يتمتع بثقة المعارضين. فالنصر الذي حققه الأسد لم يأت إلا بفضل روسيا، ولا تمتد سلطته أبعد من دمشق، كما يؤكد معارضوه. كما أن سلطة النظام السياسي، التي كانت قائمةً قبل الحرب على سلطة الأقلية العلوية، لم تعد موجودة، ومن الصعب أن تعود على النحو السابق.

وبغض النظر عن اعتماد النسخة الروسية للدستور السوري، سيكون على المعارضين التعامل مع الأسد. يقول الخبير أخمدوف: “المعارضة لا تحب السلطة الحالية، ولكنها موجودة، ويجب الحديث معها”. ويرى الخبير أنه ليس هناك في المنظور زعيمٌ آخر لا لدى روسيا ولا لدى إيران أو الولايات المتحدة.

قال دبلوماسي أوروبي رفيع للصحيفة: إن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي “ينظرون بتحفظٍ إلى الجهود الروسية في التسوية السلمية”. وأضاف: يجب النظر إلى سوتشي وأستانا كجزءٍ من عملية جنيف.

في موسكو يدركون ذلك جيدًا. على الرغم من انتقادهم لعملية جنيف، حيث نوّه وزير الخارجية الروسية سيرغي لافروف إلى نتائج سوتشي معتبرًا أن المؤتمر “أصبح دعمًا لجنيف”. ومن جانبه، أشار نائب رئيس جمعية الدبلوماسيين الروس ميخائيل بوغدانوف إلى أن موسكو، باعتبارها “عضوًا ملتزمًا في الأمم المتحدة”، تعترف بإطار جنيف، ولكنه أضاف “لم نرَ فعاليةً في جنيف”.

يرى الخبراء أن المفاوضات حول الهيكل السياسي لسورية المستقبل ستكون طويلة. وعلى الرغم من أن موسكو تسعى لإحلال السلام في سورية وفق شروطها، فإنها مستعدةٌ للتوصل على حلولٍ وسط دون أن تتغاضى عن مصالحها.

يقول الخبير المستشرق يوري مافاشوف: “من المؤكد، أن المصالح الضمنية تعني المصالح الحيوية، التي تهدف إلى استخدام البنى التحتية السورية، لبناء المزيد من التعاون مع دمشق. يجب أن ننظر إلى المستقبل؛ فالأطراف تفكر على هذا النحو. وأعتقد أن الحكومة السورية لن تمانع العودة باتصالاتها إلى مستوى ما قبل الحرب مع كافة جيرانها، بل قد ترفع من هذا المستوى. إن سورية مفيدةٌ جدًا بالمعنى الجيو-استراتيجي”.

 

اسم المقالة الأصلية Отложить автоматы: к чему привел конгресс по Сирии в Сочи
كاتب الكقالة الكسندر براترسكي/ أماليا زعتري
مكان وتاريخ النشر صحيفة غازيتا. 4 شباط 2018
رابط المقالة https://www.gazeta.ru/politics/2018/02/04_a_11636875.shtml

 

 ترجمة  سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق