هموم ثقافية

تفاصيل

 

لو كان المجال مُتاحًا، لوددتُ إيراد المشهد كاملًا (تفصيل 9 من مسرحيّة سعد الله ونّوس: منمنمات تاريخية (وذلك لما تضمّنه حوار شخوص أحمد ومروان والتاذلي، من دلالات على وجع قديم لطالما تجدَّد.

فإذ راح الأخير يتفقّد أسوار قلعة دمشق وحال المقاتلين المدافعين عنها ومعنوياتهم، حاثًّا إياهم على الصمود والتصديّ لجيش تيمورلنك؛ ينبري مروان، العامل حائكًا، بالشكوى من تعسّف العساكر السلطانية الذين ينهبون بضاعته ورزقه بالقوة المسلحة، فيجيبه التاذلي محتدًّا: “بين ساعة وأخرى، سيتقرر مصير أهلنا ومدينتنا ومستقبل أيامنا، قولوا لي… كيف نفلح إذا قاتلنا، وكلٌّ يحمل في نفسه ضغينة أو وسواسًا، لا… ليس هذا وقت الحزازات والحسابات الصغيرة، اليوم ينبغي أن نعلو على الصغائر، وأن نؤجج في قلوبنا العزم والجسارة”.

لكأني بالتاذلي، وهو يشدّ العزم ويشحذ الهمم لدى الناس لمواجهة جيش تيمورلنك الغازي، يقول لهم: إن الشيطان يسكن في التفاصيل (!) وعليه، فأي شكوى أو تذمّر أو ضغينة، من تعسّف أو اختراقات أو تعدّيات من قبل أفراد الجيش أو السلطة، إنما هي “حسابات صغيرة” وحزازات جانبية فردية لا وقت لها الآن، لأننا “أمام معركة مصيرية”، بحسب تعبير التاذلي، في ردّه على هموم وهواجس وأوجاع الحائك فقير الحال.

وأقدّر أنه قبل زحف جيش تيمورلنك كان يشكو هذا الحائك أو ذلك الأجير أو ذاك الصانع من ظلم يقع عليهم، ويلحق بأعمالهم وأرزاق عيالهم، مطالبين بردِّ تلك المظالم عنهم، غير أن أحدًا -ممن في يده القرار والقدرة- لم يكن ليأبه لشكواهم، ويقيم العدل في حيواتهم، ويحفظ حقوقهم؛ فعاشوا حياتهم عرضة للإهمال الفاضح والتعدّي الجائر، بحيث تراكم في صدورهم وقلوبهم ما يحلو للبعض تسميته بـ “الضغائن والأحقاد”. فإذا ما حلّت ساعة المواجهة مع عدو خارجي طامع؛ وجب الامتناع عن أيّ شكوى أو احتجاج على ظلمٍ ما زال جاريًا بحقّ الناس، لكوننا إزاء “معركة مصيريّة”، لا تُجيز بحال من الأحوال فتح ملفّ “الحسابات الصغيرة”، ولأنَّ “ما نحن أمامه -يقول أحمد محتجًا- أهمّ من خرقة قماش يا مروان!”.

وأحسب أن “المعركة المصيرية” ستنتهي -سواء بنصر أو بهزيمة- ليتواصل التعسّف والتعدّي وهضم الحقوق وإهمال الناس، تمامًا كما كان في سابق عهده، ولكنْ تحت مسمى آخر جديد… وهكذا دواليك على مرور السنوات والمراحل.

وإذا كان من شيطان حقيقي، فإنما يكمن في النظر إلى تلك “المسائل الصغيرة”، على أنها صغائر، وفي النظر إلى حقوق الأفراد والجماعات من الناس على أنها “تفاصيل” فردية وجانبية تافهة، أو هي هامشية -في أحسن تقدير- إزاء الأعمّ والأشمل والمركزي: معركة المصير! ولكنْ، أليس المشهد الأكبر واللوحة الأضخم جماع ومجموع تلك “التفاصيل”؟ أليس البناء الشاهق، مهما علا، هو نتاج لبنة صغيرة إلى جوار لبنة صغيرة؟! أليس المحصول نتاج الزرع… أم أننا ننتظر من زرع الزؤان حصادَ القمح، في أيام المجاعة والعوز؟!

وفي حين يستاء مروان من كلام أحمد، فيُسائله بحرقة: “أتسميها خرقة؟! إني أضع روحي في كل منديل، أو قطعة كمخة أنسجها، قلْ لي: لماذا أقف الآن على هذه الأسوار؟! ألم أفعل ذلك لحماية عملي ورزقي!”. لا يجد أحمد جوابًا غير ترديد الشعارات: “إننا هنا من أجل الكرامة، من أجل العزّة، من أجل البطولة يا مروان”!

وبين أخذ وردّ -في الظاهر حوار الطرشان- تقع هزائم وتضيع بلاد ويتشرد عباد، ويغزو الغزاة، من دون أن تحين التفاتةٌ حقيقة، وجادّة، لردّ المظالم التي تقع بحق “الهموم الصغيرة”، تلك التي تشكّل، في اللبِّ والجوهر، اللبنة إلى جوار اللبنة في أيّ صرح: أكان دحرًا للعدو، أو بناءً لوطن، أو تقويةً لشعب وتمتينًا للحمته وحفزًا لمقاومته.

 

*اللوحة للفنان السوري يوسف عبدللكي

مقالات ذات صلة

إغلاق