قضايا المجتمع

في الغوطة الشرقية المحاصرة البلاستيك مصدر لإنتاج المحروقات

 

في الغوطة الشرقية المحاصرة، لا يقتصر الصراع اليومي للمدنيين على الحفاظ على أرواحهم، والهرب من شبح الموت الذي يلاحقهم أينما كانوا، جراء القصف الهمجي العنيف فحسب، فهناك أيضًا صراع من نوع آخر، يتمثل في البحث عن بدائل للمواد الضرورية لبقائهم على قيد الحياة، ومنها المحروقات الضرورية للتدفئة والطهي.

جمع البلاستيك، وبيعه للورشات التي تقوم بتحويله إلى غاز وبنزين ومازوت، أصبح من المهن الرائجة في الغوطة الشرقية. تقول (أم عماد) من الغوطة المحاصرة لـ (جيرون): “بعد كل غارة جوية، ينتشر أطفال وشبان بين ركام الأبنية المدمرة، ويقومون بجمع البلاستيك والنايلون وقطع الخزانات البلاستيكية المحطمة، ويبيعونها، بسعر 2400 ليرة سورية للكيلو الواحد، لورشات تقوم بتحويل البلاستيك إلى محروقات، من أجل كسب قوت يومهم”.

تضيف (أم عماد): “المهنة تطورت، ولم تعد قاصرة على جمع الأكياس البلاستيكية وبقايا الخزانات، فبسبب القصف تدمرت معظم البنى التحتية في الغوطة، وهذا ما دفع بعض من يزاولون هذه الأعمال إلى الحفر واستخراج قساطل الصرف الصحي البلاستيكية المدمرة بعد كل قصف”.

(حسناء) سيدة من الغوطة الشرقية، يمتهن زوجها وابنها البالغ من العمر ثلاثة عشر عامًا جمع البلاستيك. وهي تعدّها مهنة شاقة وفيها الكثير من المخاطر، لكن زوجها اضطر إلى ذلك بسبب وضعهم المادي السيئ. تقول في حديث لـ (جيرون): “لا أحد يحب أن يعبث في النفايات الضارة ليجمع البلاستيك، فهو أمرٌ خطر لدرجة كبيرة ويتطلب الكثير من الحذر. زوجي أو ابني معرضان للموت، إذا ما عاد الطيران وقصف المكان الذي يجمعون البلاستيك فيه، عدا عن المخاطر الصحية والأمراض التي يمكن أن يصابوا بها من جراء العبث بالنفايات. ولكننا مضطرون، ليس باليد حيلة”.

بحسب (أم عماد) يبلغ سعر ليتر البنزين المستخلص من البلاستيك 3500 ليرة سورية، وليتر المازوت 2500 ل.س، فيما يبلغ سعر أسطوانة الغاز 1500، وهي تُستخدم لمدة ساعة واحدة فقط.

(أبو أدهم) أحد العاملين في ورشات تصنيع المحروقات من البلاستيك، أو ما يُعرف بين الأهالي بورشة (الحرّاقات)، تحدث لـ (جيرون) عن المراحل التي يمر بها البلاستيك قبل أن يتحول إلى محروقات، قائلًا: “يأتينا البلاستيك بأنواع وأحجام مختلفة، ونقوم بفرزه ومن ثم طحنه في آلة خاصة لذلك. بعدئذ نقوم بوضع البلاستيك في براميل محكمة الإغلاق تكون على درجة حرارة مرتفعة جدًا مدة ساعتين. يتحول البلاستيك بعد الذوبان إلى شحم، ومن ثم نستمر في تكرار العملية حتى نحصل على المازوت أولًا، ثم ولاأالبنزين، ثم الغاز الذي يتم تعبئته في جرات الغاز المتعارف عليها في سورية”.

يقول (أبو أدهم) إن هذه المهنة تنطوي على مخاطر كثيرة. ويوضح: “لا تتوفر لدينا شروط للسلامة، ونحن نقوم بصهر وتكرير البلاستيك. فالرائحة المنبعثة من الحرّاقات تؤثر على الجهاز التنفسي، عدا عن الإصابة بحروق بالغة، إذا ما تفاعلت المواد المنصهرة مع بعضها وانفجر الخزان. وهذا الأمر حصل بالفعل مع أحد العاملين في الورشة، وما يزال يتعالج حتى الآن من الحروق التي أصابت يديه”.

رغم المخاطر التي تبدأ من جمع البلاستيك وصولًا إلى تذويبه وتكريره، فإن هذه الطريقة استطاعت أن تساعد أهالي الغوطة الشرقية المحاصرة على الاستمرار في البقاء، وأظهرت قدرتهم على الابتكار والتغلب على أصعب الظروف.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق