أدب وفنون

مذكرة إحضار

 

عندما عاد أبو حامد من البيدر، بعد أن آوى آخر شتلة حب، ووضعها في الحاصل؛ تلقّفته أم حامد ملهوفة، وعلى وجهها علامات الهلع، ومدّت له ورقة قائلة:

– جابوها الدرك. ما بيحملولنا غير المصائب، دايمًا يجوا والعجاج بذيولهم.

فتح أبو حامد الورقة وقرأ:

مذكرة إحضار

إلى المواطن أبي حامد الغضبان: عليك الحضور إلى المخفر صحبة حمارك “أبو عرقوب” الساعة الثامنة من صباح يوم الأحد الواقع في ………..

وفي حال تخلفكم عن الحضور تتخذ بحقكم وحق حماركم الإجراءات القانونية.

التوقيع

المساعد أبو خطّار رئيس المخفر

حين قرأ أبو حامد الورقة، أخذ يستعرض أيامه الماضية؛ علّه يتذكّر إحدى المخالفات التي اقتضت استدعاءه إلى المخفر مع حماره “أبو عرقوب”. ولو كان الأمر يتعلق به شخصيًّا؛ لما طلبوا منه أن يصطحب حماره.

من جانبه يعلم أنه مسالم إلى أبعد حد. من بيته إلى البيدر والكرم وبالعكس. لا يمين ولا شمال. لا يتدخل في ما لا يعنيه من أمور الناس، يسير جانب الحائط ويطلب السترة. لا يتعاطى السياسة، يقول إنها وجع رأس. لا يخوض في أحاديث الإفك التي يخوض فيها الآخرون الذين يرمون الحكومة بالتهم زورًا وبهتانًا، لدى كل ملمة تنزل بهم، حتى عندما تنقص الحبوب في حواصلهم أو تشحّ المياه في مناهلهم؛ يلقون تبعات ذلك على الحكومة.

هو مطمئن بأنه بريء من كل هذه الأمور براءة الذئب من دم يوسف. لا بد أن حماره “أبو عرقوب” قد ارتكب حماقة ما، أثارت حفيظة الحكومة، واستوجبت استدعاءه مع حماره.

حمل الورقة، ودخل من فوره إلى الباكية، حيث كان “أبو عرقوب” يهرس وجبته من التبن والشعير بنهم؛ بعد يوم حافل بالعمل. حينما دخل أيقن “أبو عرقوب” أن وراء دخول صاحبه أمرًا ما. رفع رأسه عن المعلف، وأخذ ينظر إليه، منتظرًا ما وراء هذا الدخول المفاجئ، ولم يمض على خروجه من الباكية بضع دقائق.

وضع أبو حامد يده على رقبة “أبو عرقوب”، وبيده الأخرى أخذ يهزّ الورقة ويقول:

– سويتها يا “أبو عرقوب”؟! بالله عليك أن تصدقني القول.

ذهل الحمار، وأخذ ينظر إلى صاحبه مستنكرًا؛ فيما تابع أبو حامد استجوابه:

– أما زلت تذهب إلى أتان دار أبي جميل؟ ألم أقل لك إن ذهابك إلى هناك يسبب لنا المتاعب ووجع الرأس. وإن أم جميل تجدها فرصة ثمينة لتنال من سمعتنا، وتتحدث عنك شرقي وغربي؟!

حين سمع أبو عرقوب كلام صاحبه، عاد يهرس علفه، غير مبال بهذه المخاوف التي أبداها صاحبه. وحينما رأى أبو حامد لا مبالاة حماره بما يقول، أطلق سهمه الأخير:

– حضرتك مطلوب إلى المخفر غدًا. فجأة ارتجف أبو عرقوب ورفع ذيله وأطلق صوتًا مدويًّا؛ فأيقن أبو حامد أن الحمار قد وقع في شر أعماله.

……………..

صباح الأحد، قاد أبو حامد حماره وتوجّه إلى المخفر. فاستقبله الدركي أبو رياض بسخريته اللاذعة.

– والله، يا أبا حامد، سيبقى هذا الحمار وراءك حتى يقودك إلى حبل المشنقة. قال أبو حامد:

– خير إن شاء الله؟ ماذا حدث؟

– ستعرف حينما تقف مع حمارك أمام القضاء.

وفي المحكمة، أقسم أبو حامد إنه يراقب حماره ليل نهار، ولم يره قد ذهب ثانية إلى أتان بيت أبي جميل. فقال له القاضي:

– ليت الأمر وقف على زيارة أتان بيت أبي جميل. قال أبو حامد:

– ما الأمر إذًا، سيدي القاضي؟ قال القاضي:

– لقد شوهد الأفندي حماركم يسير البارحة مع حمار “أبو علوان”. سأل أبو حامد بغباء:

– من أبو علوان، سيدي؟ قال القاضي:

– ألا تعلم من هو أبو علوان؟! وأمر باقتياده إلى النظارة، فيما أمر بإطلاق سراح الحمار.

مقالات ذات صلة

إغلاق