ترجمات

صحيفة فزغلياد: كادت الولايات المتحدة الأميركية أن تقوض نجاح الدبلوماسية الروسية في سوتشي

الصورة: فاليري شاروفولين/ تاس

 

اختَتم مؤتمر الحوار السوري الوطني أعمالَه في مدينة سوتشي. قليلون من اعتقد أن أطراف النزاع يمكن أن تجلس على طاولة واحدة لكتابة الدستور الجديد؛ إذ كانت سنوات الحرب كفيلة بزرع هذا الشعور. ومن جديد، تسعى الطموحات الأميركية للوقوف حائلًا في وجه جهود روسيا الرامية لتثبيت نجاحها. ومرةً أخرى، على موسكو اتخاذ الإجراءات الضرورية، لإفشال التوجهات الأميركية.

انتهى مؤتمر الحوار الوطني السوري، الذي عقد لمدة يوم واحد في مدينة سوتشي، بالتأسيس لإنشاء لجنة دستورية، وبنقل عملية إنتاج بنيةٍ حكوميةٍ جديدة في سورية إلى الأمم المتحدة لتتولى رعايتها في إطار مباحثات جنيف. وكان هذا أكثر بكثير مما كان متوقعًا، إذا أخذنا بالاعتبار عدم التجانس الكبير في بنية الأطراف المتفاوضة، والتغير السريع في ميزان القوى على الأرض السورية نفسها. ما زال الضوء في آخر النفق باهتًا، غير أن مؤتمر الحوار الوطني السوري قد برر فكرة انعقاده الشديدة التعقيد نفسها.

كيف تسرق نجمًا

كان الادعاء الرئيس الذي صرح به ممثلو المعارضة المتشددة وبعض الغربيين هو تركيبة المندوبين (أكثر من 1500 مندوب). أما ما يسمى معارضة منصة الرياض، ذات التوجه السعودي والأميركي، فقد أرسلت 11 شخصًا فقط. كما رفض المشاركةَ في المؤتمر “اللاجئون” السوريون من المقربين السابقين لعائلة الأسد، والمقيمين في فرنسا، وكذلك رفض الحضور الدبلوماسيون الفرنسيون الراعون لهؤلاء “الفراخ”.

يدور الحديث بالدرجة الأولى عما يسمى “المجلس الوطني السوري” الذي يعمل رسميًا من مدينة إسطنبول، على الرغم من أن غالبية قادته يعيشون في باريس. تدعي هذه المجموعة أنها تتمتع بالأغلبية والأسبقية بين التحالفات المعارضة، ولكن يقف خلفها النائب السابق للرئيس السوري: عبد الحليم خدام، وهو السياسي العجوز للغاية الذي سبق له في عام 2006 أن أعلن من باريس عن تشكيل “حكومة منفى” هناك. وعلى الرغم من نفوذها المثير للجدل على الأرض، فقد كانت هذه المجموعة حتى وقتٍ قريب تهيمن في مفاوضات جنيف.

وأيضًا، لم يحضر المؤتمر العديد من الجماعات الكردية كالاتحاد الديمقراطي، على سبيل المثال (الذي لم يظهر سوى مرةٍ واحدة في جنيف، وبإصرارٍ من روسيا الاتحادية)، والحديث عنه حاليًا يتخذ طابعًا خاصًا. عمومًا مشكلته الآن ليست مع روسيا، بل مع تركيا، وهي واحدة من الدول المشرفة على عملية سوتشي. ومن حيث المبدأ، لا تعتبر أنقرة الأكراد شعبًا! لقد تطلب إحضار ألف وخمسمئة شخص، خلال شهرين ونصف الشهر، إلى سوتشي جهودًا خارقة من روسيا. ويجب أن ندرك أنه كان على روسيا التعامل ليس فقط مع أناسٍ مثقفين ومحترمين فقط، بل مع أناس غريبين جدًا أيضًا، وحتى أكثر قوةٍ من المثقفين. فعلى سبيل المثال، بدأت إحدى المجموعات المعارضة، منذ لحظة وصولها إلى المطار، بتقديم ما وصفته وزارة الخارجية الروسية لاحقًا بـ “الشروط المسبقة”. بدَت الحكاية قصةً هزليةً تقريبًا. فقد كانت الحافلات التي ستنقل الوفود من المطار إلى قاعة المؤتمرات تحمل ملصقاتٍ رمزية، تمثل يدين متصافحتين مع أعلامٍ على الأكمام: إحداهما العلم السوري الحالي بنجمتين على خلفية بيضاء، والثاني بثلاثة نجومٍ، تستخدمه “المعارضة المعتلة” المسلحة. إضافة إلى حمامة بيضاء على خلفية زرقاء. بسبب التسرع في التصميم، اتضح أن شيئًا كان ليس كما يجب (وهنا تحية لقسم البروتوكولات في وزارة الخارجية!) كانت النجمة الثالثة غائبةً في مكانٍ ما.

وبالنتيجة، ظهرت المصافحة، وكأنها بين علامتين حكوميتين. في الوقت نفسه، كانت الملصقات قد ألصقت بإحكامٍ ولم يكن من الممكن نزعها بسهولة وسرعة. عندما رأى ذلك ممثلو المعارضة القادمون من أنقرة (80 مندوبًا)؛ رفضوا رفضًا قاطعًا الصعود إلى الحافلات التي كانت تحمل هذه الملصقات. وبعد محاولاتٍ فاشلة، استمرت أكثر من ساعة، حاول المعارضون الغاضبون خلالها تمزيق الملصقات، عادوا أدراجهم إلى إسطنبول، لينخفض بذلك طوعًا تمثيلهم بمقدار 80 مندوبًا مرةً واحدة. وعندما نقول إن الدبلوماسية الروسية بذلت جهودًا خارقة، فإننا لا نبالغ بذلك. فمع أمثال هؤلاء الزبائن ليس مستغربًا التعرض لأزمةٍ قلبية في الحافلة على الفور.

باختصار حول الأهم

تبدو نتائج اجتماع سوتشي على النحو التالي:

تشكيل لجنة دستورية من 150 شخصية (100 من الجهات الحكومية، 50 من المعارضة، أي شخص واحد مقابل 10 مندوبين حضروا إلى سوتشي)، مما يفترض أن يخلق القانون الرئيس لتجديد سورية. وبما أن عودة البلاد إلى وضع ما قبل الحرب غير ممكنة، فإن من الضروري اعتماد مبادئ جديدة في عملية هيكلة الدولة.

ستعقد اللجنة الدستورية جلساتها في جنيف، برعاية الأمم المتحدة ومبعوث الأمين العام الخاص إلى سوري ستيفان دي ميستورا وبمشاركةٍ استشاريةٍ من جانب روسيا وتركيا وإيران. لم تؤخذ مشاركة الولايات المتحدة الأميركية في هذه العملية بالحسبان، وهو الأمر الذي سنوضح أهميته البالغة أدناه.

سورية يجب أن تكون جمهورية موحدةً جغرافيًا، علمانية ومن دون التضييق على الأقليات بسبب انتمائها الديني والعرقي وسواها، كما سيتم طرح مشروع الدستور على الشعب السوري للاستفتاء عليه. ولا تخضع هذه العملية لأي أُطرٍ زمنية: “ستبقون جالسين في هذه الغرفة إلى حين توصلكم إلى اتفاق”. من حيث المبدأ، حتمًا سيشارك الأكراد في هذه العملية، ولكن فقط في حالة قطعهم مع الولايات المتحدة الأميركية.

في الوقت الحالي، تسيطر دمشق على أكثر من 70 بالمئة من أراضي البلاد، ويتطلب هذا النجاح العسكري توطيدًا على الساحة الدبلوماسية. ولكن، ولسببٍ ما، يعتبرون في الغرب أن أي عملية تفاوضيةٍ، بين حكومة الأسد والمعارضة المشتتة، لن تأخذ هذا النجاح بعين الاعتبار. مدعين أن المنتصر، مستندًا إلى دعم موسكو، لن يقدم أي تنازلاتٍ، وأنه سيعمد للإجهاز على المعارضة في أرض المعركة، وأن موسكو التي هدرت كل هذه الموارد لن تقوم بإضعاف موقف حليفها في أي مفاوضاتٍ مقبلة.

المنطق هنا ليس سخيفًا فحسب، بل قصير النظر أيضًا؛ ذلك أن كل الحروب تنتهي بسلام، وفي غالبية الحالات يكون السلام وفق شروط المنتصر. غير أن الحرب في سورية هي مواجهةٌ أهلية، تدخل فيها بشكلٍ تدريجي لاعبون نافذون من الخارج. وفي الحروب الأهلية، يمكن وضع نهايةٍ لها عن طريق المفاوضات، ولكن، ولوضع نقطة بدايةٍ لهذه المفاوضات، كان لا بدّ من انتصار الحكومة الشرعية. وإلا؛ كان الجهاديون قد تمكنوا من تدمير البلاد. وفي مثل هذا السياق، فإن بداية مفاوضاتٍ طويلة لن تضعف مواقف حكومة دمشق، بل ستقويها. وهنا يبدأ الأمر الأكثر إثارةً.

الولايات المتحدة نفسها

كانت عملية أستانا، التي سبقت مؤتمر سوتشي، تجري على وقع انتصارات عسكرية تحققها القوات السورية وحلفاؤها. فالكثير من المجموعات المعارضة المسلحة كانت قد هزمت، أو كانت قريبة من ذلك، وكان المعارضون السياسيون “اللاجئون” في إسطنبول وباريس يشعرون بأن ظهورهم مسنودة إلى الحائط. ولهذا ذهبوا إلى أستانا، مبدين استعدادهم للدخول في أي مفاوضاتٍ مع دمشق، موسكو، أنقرة وطهران. لأنهم لم يكونوا، في واقع الأمر، يتوقعون أي مساعدة من أي أحد، وقد أجبرهم هذا العالم الجديد الغريب على التخلي عما اشتهر بـ “الشروط المسبقة” على غرار “بشار يجب أن يتنحى” و”الديمقراطية الأميركية فوق كل شيء”. والآن الأمر ذاته، مع بعض التعديلات، فموقف المجموعات المعارضة السياسي مرتبطٌ كليا بإرادة وموقف الولايات المتحدة الأميركية. ولا يقتصر الأمر على الأكراد فقط. بعد تصريحات وزير الخارجية الأميركية ريكس تيلرسون، الداعية إلى إنشاء منطقة عازلة في كردستان سورية (حوالي 20 بالمئة من أراضي الجمهورية العربية السورية)، انقسم عالم المعارضة السورية إلى قسمين غير متكافئين: الغالبية، وهم أولئك الذين لم يعودوا يعولون على دعم الولايات المتحدة والذين لم يعد لديهم بديلٌ عن المفاوضات السلمية، والأقلية الذين ينوون القتال حتى النهاية معولين على الطموحات الأميركية.

في الوقت نفسه، استنفدَت عملية التفاوض” القديمة” في جنيف، برعاية الأمم المتحدة، جميعَ فرصها؛ فالجولة الأخيرة التي جرت عمليًا قبيل انعقاد مؤتمر سوتشي، انتهت إلى لا شيء عمليًا. ويؤكدون في الغرب أنه بعد وفاة مفاوضات جنيف لم يتبق أمام ستيفان دي ميستورا إلا الذهاب إلى سوتشي والاعتراف بأن لمؤتمر الشعب السوري الأولوية في عملية السلام. فمن الذي أعاق طيلة هذه السنوات التقدم البناء في مباحثات جنيف؟ مرةً أُخرى هم القراصنة الروس؟ فالحملة الأميركية لم تقتصر على إثارة عواطف الأكراد فحسب، بل ومن المفارقة أنها ساهمت أيضًا في تعميق انقسام المعارضة السورية. خلال الساعات العشر التي استغرقتها جلسات سوتشي، تم تشكيل مجموعةٍ تمثيلية واسعة، لا توحدها مشاعر المعارضة المجردة فحسب، بل منصة تفاوضية مشتركة. بمعنى آخر: من جهةٍ، لدينا مجموعة صغيرة من المعارضين “اللاجئين” وجزءٌ من الأكراد، الذين يتمسكون بالمبادئ الأميركية، ويعتمدون على دعم واشنطن، ومن جهةٍ أُخرى لدينا جميع من تبقى، المستعدون للحوار مع دمشق على قاعدة ما تقترحه الدول الضامنة: روسيا، إيران وتركيا. والجميع متفقٌ على القبول والمشاركة في عمليةٍ طويلة لصياغة دستور جديد على خلفية استعادة البلاد المدمرة. ومن الممكن جدًا، أن تكون هذه المقاربة، بالنسبة إلى أغلبية هؤلاء، فرصةً عملية لانتزاع تنازلاتٍ من دمشق. وعندما وجد الأكراد ومعارضة “اللاجئين” أنفسهم في عزلة أخلاقية؛ راحوا يقللون من شأن المؤتمر نفسه. فعلى سبيل المثال، قال ألان شيمو، المقيم في لندن، وممثل مجموعة (الاتحاد الديمقراطي): “لن يساهم هذا في إحراز أي تقدم. والمجتمعون هناك لا يمثلون إلا أنفسهم. الخبراء والأكاديميون؟ من يقرر السلام أو القتال حتى النهاية، هم الناس على الأرض. أما هؤلاء فلن يصغي أحدٌ إليهم”.

بالطبع، في هذا الكلام الكثير من الشجاعة الكردية الجبلية المرة. فهم يقولون: نحن هنا مع بنادقنا سنقرر ما يجب فعله: الحرب أم السلم، وما هي الشروط، وجميع هؤلاء السادة المحترمين سيفعلون ما نمليه نحن عليهم. أما الأميركيون، فسواء عن عمدٍ أو عن غير قصد، فيغذون هذه المشاعر، ويروجون بين الأكراد الخرافات القديمة، حول قدرتهم على تقديم دعمٍ غير محدود، وعن السلاح الأميركي الذي لا يقهر.

في الوقت الراهن، تبيّنَ أن مقاومة الأكراد للضغط التركي في عفرين، تعتمد كليًا على دمشق، وليس على واشنطن. فوصول الإمدادات ممكن فقط عبر المناطق التي تسيطر عليها القوات السورية، وبعد أن تبيّن عجز الأميركيين؛ يبقى الأمر متروكًا للأكراد.

في موسكو، لا أحد يتحدث عن دعم روسي مطلق للطموحات التركية في الشمال السوري. وكدليلٍ على ذلك، قامت الطائرات الروسية بقصف جوانب الطريق الذي سلكته قافلة تركية في العمق السوري باتجاه قرية (العيس)؛ ما اضطر القافلة إلى العودة أدراجها. ولهذا ليس مستغربًا أن يتواصل رؤساء ووزراء خارجية تركيا وروسيا على نحو شبه يومي.

والآن، يكفي الأكراد اتخاذ خيارٍ جديد يكون صحيحًا. ولكن عليهم أن يتذكروا، بعد القفز من جانبٍ إلى آخر، أن الثقة بما يسمى موقفهم السياسي قد أصبحت أقل. واللوم يقع على جشعهم وحده.

وهكذا، ظهر مؤتمر الشعب السوري في سوتشي، وعزز استقطاب اللاعبين في الداخل السوري، بشأن المبدأ الجيوسياسي مع أفضلية واضحة لروسيا. وإذا كان صراع الدول العظمى حول سورية (وبشكلٍ أوسع حول الشرق الأوسط) يبدو مجردًا؛ فإنه الآن يكتسب ملامح محددة ترسم خطوط انقسامٍ واضحة في صفوف المعارضة السورية. والآن، لم يعد بمقدور أولئك الذين دعموا الطموحات الأميركية أن يقدموا للعالم سوى الصراخ والرقص بالبنادق وإطلاق الشتائم العلنية.

ومع ذلك، ما زالت الطريق مفتوحة أمام الجميع للمشاركة في مناقشة الدستور الجديد، ولم يفت الوقت بعد.

 

اسم المقالة الأصلية США едва не сорвали успех российской дипломатии в Сочи
كاتب المقالة يفغيني كروتيكوف
مكان وتاريخ النشر  صحيفة فزغلياد. 1 شباط 2018
رابط المقالة https://vz.ru/politics/2018/2/1/906157.html
ترجمة سمير رمان

 

مقالات ذات صلة

إغلاق