تحقيقات وتقارير سياسية

الأقلية والأكثرية ومصير وطن

 

من ثوابت علم النفس الاجتماعي-السياسي، أن نسبة الذين يشاركون في العمل السياسي: (انتخابات أو عضوية حزبية) مثلًا، في أي مجتمع، لا تتجاوز نصف البالغين من السكان، وأن نسبة الناشطين سياسيًا لا تتجاوز 20 بالمئة من البالغين، ونسبة الذين بيدهم القرار السياسي أو يؤثرون فيه لا تتجاوز 2 بالمئة. وبالتالي؛ فإن نسبة المشاركين -إذا قيست إلى عدد السكان- لن تتجاوز بالكثير عُشر السكان والناشطين 5 بالمئة. أما أن يقال في بلد مثل سورية إن معظم سكانه سياسيون، فهذا هرطقة لا معنى لها، ناجمة عن إشاعة مفهوم للسياسة شعبوي ملتبس، القصد منه وضع عامة الشعب تحت منظار الاستبداد، ليقام عليهم حد الخروج عن سلطته في كل شاردة وواردة، تحت حجج ومسميات واهية من مثل “وهن الشعور القومي”. من هنا؛ فإن مجرد “اللت والعجن” في أمور سياسية، وفق هذا المفهوم، هو عمل سياسي، لكنه في واقع الأمر لا يمتّ بِصلة إلى العمل السياسي. فالعمل السياسي هو نشاط منظم، ومؤطر ضمن مؤسسات سياسية، يحكم العلاقةَ بينها وبين السلطة القانونُ وشكل النظام السياسي، وعامة الناس غالبًا ما تكون خارج هذه الأطر، وإن تناولت في معرض حياتها -هرجًا ومرجًا- شيئًا من أمور السياسة؛ فإن ذلك لا يصنفها في حقل السياسة وعلومها.

أما نسبة الذين بيدهم القرار السياسي أو يؤثرون فيه، فتختلف بين دولة ديمقراطية ودولة ثيوقراطية أو استبدادية، ففي الدولة الديمقراطية قد تصل نسبة السكان المهتمين بالسياسة إلى “الربع”، أو تقلّ، حسب تطور المجتمع السياسي فيها، بينما في الدولة الثيوقراطية أو المستبدة تختصر النسبة بعدد من الأشخاص، أو ينحصر القرار السياسي بشخص واحد أوحد.

من هذا المنظور الإحصائي المبني على نتائج دراسات ميدانية للمجتمع السياسي؛ يمكن تفسير تخلف الدولة الثيوقراطية والاستبدادية، وتقدم الدولة الديمقراطية. كما يمكن تفسير اختلاف أشكال وأساليب الصراع السياسي، في كلا النمطين للدولة المعاصرة؛ حيث غالبًا ما يتحول الصراع السياسي في الأولى إلى اقتتال داخلي وصراع مسلح باهظ التكاليف، يدفع أثمانه الجيل الحالي والأجيال اللاحقة، بينما في الثانية يحل الصراع ضمن المؤسسات وبحكم القوانين، وتصير تكاليفه عوائد للمستقبل، حيث تتراكم تجربة المجتمع السياسي هناك، وتترسخ الأساليب السلمية لتسوية الصراعات.

من الواضح أن الصراع في المجتمع السياسي السوري، بسبب مركزية القرار السياسي، أخذ شكلًا عنفيًا مسلحًا بين طرفيه: الموالاة والمعارضة، اللذين لا تتجاوز نسبتهما، من مجمل السكان البالغ عددهم 23 مليون نسمة، أكثر من 10 بالمئة في أقصى تقدير، نصفهم ناشطون سياسيًا، يشكلون “أقلية” مجتمعية. وقد قاداه إلى تنازع مصالح إقليمي ودولي على أرض الوطن، من جنوبه حتى شماله ومن شرقه حتى غربه، تمخض عن اهتراء مجتمعي، وتدمير للذات السورية، وقعت تحت وطأتهما غالبية السكان “أكثرية” مجتمعية.

في ظل الوضع الداخلي المأسوي الراهن؛ لم يعد قرار الحرب والسلم بيد أي من الطرفين المتحاربين أي الأقلية، إنما تمت مصادرته من قبل خارجهما، وصار مصير الشعب والوطن معلقًا بمشيئات الخارج وأهوائه ومصالحه، وإن يكن هذا الخارج مختلفًا في ما بينه حول حجم وطبيعة المصالح والنفوذ؛ فإنه متفق على أن سورية القادمة لن تنتقل من دولة استبدادية إلى دولة ديمقراطية، يحل فيها المجتمع السياسي الواسع محل الثلة السياسية الضيقة، أو لنقل الانتقال من حكم الفرد إلى حكم المؤسسات؛ لأن هذا الانتقال هو الحل الوحيد للصراع الذي يصب في مصلحة الشعب السوري والوطن السوري، وما عداه يصب في مصلحة الخارج والمصالح الفئوية لهذا الطرف أو ذاك من الطرفين الداخليين.

وفي ضوء انسداد الأفق الآن أمام هذا الخيار الوطني؛ صار من المُلح والضروري أن يأخذ الصراع السياسي الداخلي شكلًا جديدًا، تكون فيه كلمة الفصل للغالبية التي وطأتها أثقال الصراع المسلح وتبعاته الخارجية، وهذا يتوقف على قدرة الحراك المدني السلمي، في جميع أنحاء البلاد، على تشكيل قوة ضغط مجتمعية ترفض أي تسوية للصراع تتناقض مع الخيار الوطني الذي يجمع عليه الشعب السوري، بكافة تلاوينه.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق