كلمة جيرون

من يذكر الملك مينوس

جاءت المغامرة الأولى للعقل البشري، في مجال الثقافة، عن طريق التأمل والتخيل والتفكّر والقلق الوجودي والخلق. فالإنسان البدائي، وهو يحاول تفسير معنى الأشياء الغامضة العصية على الفهم، كالولادة والمرض والموت -باعتبارها من أهم الظواهر التي حرضت الإنسان على التفكير والفهم مع الزمن- وكذلك السماء والموج والبركان والنجوم… الخ، حاول –في الوقت نفسه- التأقلم، وإعادة إنتاج هذا الواقع والإجابة على أسئلته، مرةً بواسطة السحر والأساطير والخرافات، ومرة أخرى بواسطة الفن والفكر والفلسفة.

من تلك المحاولات الأولى، نشأت الثقافة وتطورت عبر الزمن، غايتها المعرفة والتوق العميق لفهم الواقع وقبوله، ثم رفضه والتحرر منه أو تغييره، في آن.

كانت السلطة في ذلك الوقت هي قوى الطبيعة، وكان الهدف هو فهمها والسيطرة عليها. وإذا كانت الثقافة -بطبعها- تميل إلى الحركة والكشف والتغيير المستمر؛ فالسلطة –أي سلطة معاصرة- تعمل جاهدة على تأبيد الواقع وتثبيته. وما أسطورة إيكار الشهيرة، ووالده العبقري ديدال، إلا رمز لذلك الصراع الأزلي بين السلطة والثقافة.

إن التأبيد والاستقرار -الذي يحافظ على الاستمرار- صفة أصيلة من صفات أي سلطة؛ لأنها تميل بطبيعتها إلى المحافظة ووقف عجلة التاريخ، لكن الاستبداد يشكل خطرًا مباشرًا، وتهديدًا حقيقيًا، واعتداء معنويًا وماديًا صارخًا، على الإبداع والحرية وحقوق الناس، وقيمها الثقافية والروحية المتجذرة. وإذا كانت السلطة بحاجة عضوية إلى الثقافة، كما أن الثقافة بحاجة إلى السلطة، وإذا كانت العلاقة بينهما جدلية تشاركية، حيث يتحالفان ويتصارعان في آن واحد؛ فإن الاستبداد يُعدّ عدوًا تاريخيًا للثقافة، الوطنية والإنسانية، يعمل جاهدًا على إقصائها وتدجينها، أو طمسها واستبدالها بثقافة مزيفة خاصة به، تقوم بترويج سياسته وحماية سلطته. وهو بذلك يشن حربًا مستمرة على المثقفين، ويحاول بشتى الطرق، تحييد وتحريف دورهم ووظيفتهم التاريخية في “البحث عن الحقيقة”، وحرمانهم من المساهمة في تحرير وتطوير الطاقات الإبداعية للأجيال، وصياغة وعي وروح المجتمعات التي ينتمي إليها المثقفون؛ ما يؤدي إلى مستنقع الانغلاق والجهل وانسداد الأفق والحلم والخيال، وقتل روح المبادرة، والإنكار الوقح والفج للواقع، ولكل ما هو حقيقي وجميل ونبيل في البشر والمجتمعات البشرية.

تقول الأسطورة إن ديدالوس هو أول من ابتكر صنع التماثيل واستخدام المعادن، ويعني اسمه باللغة الإغريقية “المخترع الماهر”.. ويقال إنه بنى متاهة في جزيرة كريت، احتجز فيها وحش (المينوتور)، بأمر من الملك مينوس.. لكن الملك غضب منه بسبب اختراعاته؛ فحكَم عليه وعلى ابنه الشاب أيكاروس، بالسجن في تلك المتاهة التي لم يستطع الخروج منها، رغم أنه هو من صممها، فما كان منه إلا أن اخترع أجنحة ثبّتها بواسطة الشمع، وطار بها مع ابنه متحررًا من الأسر. لكن الغرور أصاب إيكار بالدوار، فاقترب كثيرًا من الشمس -على الرغم من نصائح والده- فذاب شمع جناحيه، وسقط في بحر إيجة..

لقد مات الملك مينوس، ولم يعد يذكره أحد! كما مات إيكار ووالده المبدع ديدال، لكن فكرة الطيران بقيت حية لا تموت.

مقالات ذات صلة

اقرأ أيضاً

إغلاق
إغلاق