أدب وفنون

الضغط

 

أنا مريض بالضغط، ولِمَ لا! فكل ما في حياتي الماضية والحاضرة، السورية منها والكندية، يستدعي الضغط، كما كان السوريون في المدن والبلدات يستدعون الجيش العربي السوري “للخلاص من ضغط الإرهابيين”، وكان الجيش يلبي النداء بسرعةٍ تفوق سرعة سيارات الإسعاف التي كانت تُقصَف في الطريق. قررت بدوري -كمواطن صالح- أن أستنجد بالطبيب، كي يعينني على مرض الشيخوخة، أي مرض الضغط، وليس مرض البروستات، وكان لي ما أردت، فقد لبّى طبيبي الدمشقي الأصل النداء، وسجل اسمي في قائمة مواعيده، وعند اللقاء، وصف لي دواء مناسبًا أعانني مدة من الزمن. ولكن مع تزايد الضغوط الفيسبوكية، والأخبار السورية المزعجة، وضغط المعجبات، وضغط الزوجة والأولاد، والذي ترافق بشكل خاص مع ضغط “ترامب” المدروس من جهة، وضغط “بوتين” التشبيحي من الجهة الأخرى.. كل ذلك أضعف قدرتي على التحمل، وخشيت الانهيار، واتخاذ قرار بالامتناع عن الذهاب إلى “سوتشي”؛ ما قد يضر بمصالحي السياسية؛ فبدأ رأسي يؤلمني مع دوخة شبه دائمة، وقررت، عندئذ، مراجعة الطبيب الذي رحب بي على عادته دائمًا، مبتسمًا، وطالبًا لي من الله طول العمر والصحة الجيدة، ثم جدد لي الدواء. وقبل الخروج من عنده، وبما أنه من المسلمين “المعتدلين”، ويقوم بواجباته الدينية كاملة على أحسن وجه، فقد تشجعت وقلت له: هل يفيد “الحجاب” في حالتي، يا دكتور؟

ابتسم وقال: لا تستسلم للخرافات، يا أخ ميخائيل، اعقل وتوكل. يعني خذ الدواء، وتوكل على الله بعد ذلك.

عملت بنصائح طبيبي، اشتريت الدواء وتوكلت على الله. ولكن بعد فترة قصيرة، عاد الضغط للارتفاع والدوخة المرافقة له، فقررت اللجوء إلى “الحجاب”، ففي استخدامه، حسب تجارب كل الجيران العرب، ما يفيد بالتأكيد، وإلا؛ ما كان المرحوم أبي قد لجأ إليه، رغم علمانيته، في حالات الضغط الفجائية التي كانت تصيبه. وصلني الحجاب، الذي طلبته من الصين عبر الإنترنيت، وبعد أخذ ورد وجدل وصراع بين علمانيتي وإيماني بالأساطير والخرافات، علقته في رقبتي، قائلًا لنفسي: إذا لم يكن مفيدًا فإنه لن يضر!! وكان معه مجموعة من النصائح الملزمة وهي:

١- يجب تناول كل يوم ثلاثة فصوص من الثوم المجفف جيدًا، مع كل وجبة طعام.

٢- الابتعاد عن القهوة، سواء أكانت عربية أم أميركية، فهما في الضرر سواء.

٣- السير كل يوم ساعة من الزمن كحد أدنى.

مع ربط الحجاب في عنقي، وتطبيق الوصايا، تحسن وضعي قليلًا، ولكنني أهملت التعليمات، وبخاصة السير كل يوم، والابتعاد عن القهوة، فالإنسان المبتلى بالسياسة وفتح المضافات، لا يستطيع الاستغناء عن التظاهر بالكرم، واستقبال الناس ومشاركتهم القهوة والنميمة، لكنّ حضور الحجاب الدائم في رقبتي لم يمنع رائحة الثوم من الانتشار في البيت والمحل التجاري؛ فهرب الزبائن من المحل، وطردتني زوجتي من غرفة النوم، عندها قررت العودة إلى نصيحة طبيبي العاقل، “فعقلت وتوكلت”.

ولكن يبدو أن الوقت الذي كان قد “ذهب مع الريح” لا يمكننا استعادته، فبقي الندم، والضغط المستمر، وكل أسبابه، من دول العالم، لكنني خسرت، إلى الأبد، غرفة النوم المريحة وموسيقى شخير زوجتي.

مقالات ذات صلة

إغلاق