ترجمات

واشنطن بوست: سياسة أوباما تجاه “داعش” تخدم ترامب

هناك منطقة وسطى بين ما قدمناه وما ربحناه من طريقة الخروج من العراق وسورية، حيث أقام أوباما هذا التوازن، وغاص فيه ترامب.

الرئيس باراك أوباما يصافح الرئيس المنتخب دونالد ترامب في المكتب البيضاوي للبيت الأبيض، في 10 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. (بابلو مارتينيز مونسيفايس/ أسوشيتد برس)

في الأسبوع الماضي، ألقى وزير الخارجية ريكس تيلرسون، بعد عامٍ من توليه منصبه، خطابًا قدَّم فيه استراتيجيةً جديدة بخصوص سورية. الجزء الذي لفت الانتباه أكثر هو إعلانه الواضح أنَّ “الولايات المتحدة ستُبقي على وجودٍ عسكري غير محدود في سورية؛ للتركيز على ضمان عدم عودة (داعش) من جديد”. وهو إعلانٌ لا يتطابق مع موقف ترامب: “أميركا أولا”، ولكنه الموقف الصحيح. كما أنّه يمثلُ اعترافًا بأنَّ ترامب يتبع في سورية قواعد الرئيس باراك أوباما. حتى الآن، إنّها تخدمه جيدًا.

نشر الرئيس الأميركي جورج بوش آلاف الجنود خلال حرب العراق. كان الأمرُ مكلفًا، واستغرق سنواتٍ لكي يؤتي ثماره، ولم يحقق استدامةً سياسية. في وقت مبكر من رئاسته، سعى أوباما إلى الانسحاب عسكريًا من العراق تمامًا، بحيث أعطى نتائج عكسية، من المساهمة في إحداث فراغ في الحكم سهّل صعود (داعش). وقد شنَّ ترامب حملةً ضدهما في عام 2016، ساخرًا من بوش، لكونه تواقًا جدًا للحرب: “كان العراق خطأ كبيرًا”، ووصف أوباما بأنَّه ضعيفٌ، وبأنه “مؤسس (داعش)”.

ولكنْ على مدى الثلاث أو الأربع سنوات الماضية، تعاون أوباما وترامب من دون قصدٍ، على استراتيجيةٍ في العراق حققت نتيجة. تحقيق النتائج باستثمارٍ أميركي بسيط، بحيث يمنع حدوث الأسوأ، ويُبقي أميركا خارج مستنقعات الشرق الأوسط، ورغم أنّه بعيدٌ عن الحلِّ الأمثل، لكن يبدو أنَّه أفضلُ خيارٍ لدينا.

لقد استفاد ترامب من المكاسب العسكرية الأخيرة ضد (داعش)، مؤكدًا السردية بأنّه مسؤولٌ عن تغيير الأحوال. في الواقع، تابعت إدارته المسار بحكمةٍ حيثما توقفت إدارة أوباما.

ويمكن لمقاربتهما المشتركة أنْ تبقي سورية مستقرةً كفاية، لتوقفَ تدفق اللاجئين الذي جلب ضغطًا سياسيًا كبيرًا، وعدم استقرارٍ لشركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وأوروبا. ويمكن أنْ تمنع عودة ظهور (داعش)، أو أيّ مجموعاتٍ مماثلة، من شأنها أنْ تهدّد الدول الغربية مرةً أخرى، وأنْ تعيدنا بالضرورة إلى الشرق الأوسط بأعدادٍ أكبر.

عدد قليل من القوات سيكون مفيدًا

ما اكتشفته الولايات المتحدة منذ عام 2014 هو أنَّ قوةً صغيرة من بضعةٍ آلافٍ من القوات الأميركية يمكن أنْ تحدثَ فرقًا ذا مغزى. وهي بمثابة قوة تتضاعف من خلال تدريب وتوجيه قواتٍ محلية، وتوفّر لها الدعم الجوي واللوجيستي، وتحافظ على وجودٍ عملي، من أجل مهمات مكافحة الإرهاب الصعبة.

تطلّب استعادة الرقة في سورية، وهي تتويجٌ لحملةٍ استمرت ثلاث سنواتٍ، قوةً أميركية تراوح بين 500 إلى 2000 مقاتل، مع شركاء محليين قُدِّر عددهم بحوالي 50 ألف مقاتل، تحملوا العبء الأكبر، حيث قدَّم الشركاء السوريون الجزء الأكبر من القوة التي انتزعت الأرض من (داعش)، بدعمٍ جوي ومدفعي من التحالف بقيادة الولايات المتحدة. كانت هذه الشراكة النموذجية ناجحةً جدًا، بحيث إنّ الجنرال ريموند توماس، الذي يقود قيادة العمليات الخاصة، قال في تموز/ يوليو: “انطلقت هذه العملية من بضعة آلاف من الناس، عرفناهم في وقتٍ مبكر إلى 50000 مقاتلٍ الآن… حققت كلَّ هدفٍ كان لدينا حتى الآن”.

الاستقرار يستغرق وقتًا

لقد نجحت الولايات المتحدة بتنظيم تحالفٍ دوليّ واسعٍ يضم 73 دولةٍ، تقدّم الدعم للأنشطة العسكرية ضد (داعش)، وتعمل على مواجهة سبل التمويل، والتجنيد، والتعبئة، والمساعدة في إعادة تأهيل المناطق التي يتمّ الاستيلاء عليها من (داعش)، والمساعدة الإنسانية لسكانها المحليين. في العام الماضي، على سبيل المثال، أعلن التحالف الدولي ضد (داعش) أنّ فرنسا ستساهم بمبلغ 12.4 مليون دولار لتوفير المياه النظيفة، وإزالة الألغام الأرضية، والرعاية الصحية، وتوزيع المساعدات الغذائية لسكان مدينة الرقة المدمّرة، ولكن هذا الدعم سيتناقص بسرعةٍ؛ ما لم يكن التزام الولايات المتحدة صلبًا.

تتطلّب المهمة الضخمة في تحقيق الاستقرار، وإعادة التأهيل والإعمار في سورية، بعد سبع سنواتٍ من الحرب الأهلية، وقتًا وصبرًا. إنَّ (قوات سورية الديمقراطية/ قسد) -وهي أهمُّ شريكٍ أميركي في هذه المعركة- لا تملك القدرة أو الموارد للتصدي لتحديات بناء الاستقرار وحدها، في الأراضي التي كانت محتلةً سابقًا من قبل (داعش). بغض النظر عن ذلك، لن تتحول سورية إلى ديمقراطية جيفرسونية بين عشيةٍ وضحاها، ولكنَّ وجودًا أميركيًا يمكن أنْ يحسن الوضع بشكلٍ ملموس.

تخطط الولايات المتحدة وشركاؤها بالفعل، لإعادة بناء الرقة، ودعم نظام حكمٍ وليد يتم إنشاؤه هناك، كما في مدينة الطبقة التي تديرها (قوات سورية الديمقراطية) الآن، ولا يمكن أنْ يتمَّ ذلك إلا تحت الحماية التي يوفرها الجيش الأميركي، والذي يساعد في تشكيل قوةً أمنية سورية قوامها 30 ألف شخص، اعتمادًا على نواةٍ من (قوات سورية الديمقراطية).

قد يبدو هذا كثيرًا ما يشابه بناء دولةٍ تقليدية، ومكلفة وغير عملية. وبطريقةٍ ما، فهو كذلك. ولكن كونها أقيمت بطريقةٍ أكثر حذرًا وتجزيئيةً، بمتطلباتٍ عسكريّة أقل، بحيث لا تسعى لإعادة تشكيل المجتمع السوري، ولكن ببساطة لضمان مستوى خط الأساس للاستقرار الذي يمنع العودة إلى الحرب الأهلية. وكما قال أحدُ الجنرالات البريطانيين لـ ديفيد أغناطيوس من (واشنطن بوست): “هذا ليس عملًا في الجمال. إنه عملٌ براغماتي”.

الدولة الإسلامية (داعش) لم تنتهِ

على الرغم من خسارتها الرقة والموصل، تتمركز (داعش)، الآن، في بعض الجيوب الصغيرة في سورية والعراق، ولا تزال قادرةً على شنِّ مجموعةٍ من الهجمات، بما في ذلك مناهضة مجالس الحكم المحلية، وقوات الأمن، والبنية التحتية الحيوية: من طرقٍ وسدود وآبار نفط وغاز. لقد شهدت الشهور القليلة الماضية هجماتٍ إرهابية في العراق وسورية. وأشارت (داعش) إلى أنَّ هجماتٍ من هذا النوع ستكون جزءًا من استراتيجيتها للمضي قدمًا في محاولاتها الرامية للحفاظ على التمرد.

ومن دون دعمٍ أميركي مستمر؛ لنْ تتمكن القوات السورية والعراقية من احتواء هذا التهديد، وبخاصةٍ في سورية، حيث القوات الحكومية غائبة من أجزاءٍ واسعة من البلاد، وميليشيا محليّة تعتمد على الولايات المتحدة توفر معظم الأمن. إنّ الاستثمار في بناء قدرات هؤلاء الشركاء المحليين من المحتمل أنْ تأخذ سنواتٍ لترك بصمةٍ أميركية صغيرة لكنَّها مهمة، لكنْ إنْ غادرنا قبل الآوان، كما فعلنا في العراق عام 2011، فإنَّ الظروف ستستدعي إعادة تأسيس (داعش) قوتها، مجبرةً القوى الغربية على العودة إلى سورية بأعدادٍ أكبر في حملةٍ عسكرية أكثر صعوبة وتكلفة.

نحن بحاجة إلى تقديم تنازلات بسيطة

للولايات المتحدة مصلحةٌ ثابتة في اتفاقٍ سياسيّ قابلٍ للحياة، ينهي الحرب الأهلية السورية. فقط مثل هذا الاتفاق يمكن أنْ يغلق الفراغات الأمنية، والحكومية في سورية التي تخلق الملاذات الآمنة الإرهابية، وتوقف تدفق اللاجئين الذي يهدد مصالحنا، لكنَّ تشكيل هذه النتيجة يتطلب النفوذ، بينما الانسحاب المتسرّع من شأنه أنْ يترك ترامب، أو أيَّ رئيسٍ مستقبلي، مع القليل جدًا من الخيارات في تعامله مع روسيا، وإيران، وسورية.

لقد نجا الرئيس السوري بشار الأسد، لكنه يدير نظامًا ضعيفًا، ولا يزال مجال مناورته محدودًا، بخاصة مع اقتصاد محلي ضعيف. ومن غير المحتمل أنَّ حلفاء النظام، سواء روسيا أو إيران، ستلتزمان بمواردٍ لتمويل إعادة بناء دويلة الأسد، ناهيك عن تمويل استعادة مناطق واسعة من البلاد التي لا تزال خارج حكمه. ولكن إذا انسحبت الولايات المتحدة الآن؛ فإنَّ الأسد سيحاول -مهما كلف الأمر- استعادة البلاد بأسرها. وهذا سيؤدي إلى المزيد من العنف الذي خلَّف مقتل مئات الألوف من السوريين. وإذا بقيت الولايات المتحدة، ولو بأعدادٍ صغيرة؛ فبإمكاننا ردع الأسد، وحلفائه من استعادة السيطرة هذه الأرض، حيث لم يظهروا إلا القليل من الاهتمام في اختيار معركةٍ مباشرة مع الولايات المتحدة. وسيترك للشركاء المحليون، بدورهم، ميزةً أكبر للتفاوض حول تسويةٍ تبقى فيها سورية مجزأة.

كن صادقًا مع الأميركيين

إذا كانت الإدارة الحالية ستواصل هذا الالتزام الطويل الأجل إلى أجلٍ غير مسمى؛ فينبغي ألا تخفي ذلك عن الرأي العام الأميركي. كان خطاب تيلرسون واضحًا، ولكنه نال نسبيًا القليل من الاهتمام. يجب على ترامب، وتيلرسون أنْ يكونا شفافين حول مستويات القوات الأميركية، والطبيعة اللامحدودة لنشرهم. والآن لدينا تقريبًا من القوة الكافية في سورية لهذه المهمة التي يجب ألا تزيد عن بضعة آلاف.

كما يجب على المسؤولين الحكوميين، بمن فيهم الرئيس، أنْ يذهبوا إلى الكونغرس، وأنْ يشرحوا مبرراتهم وخططهم، ويطلبوا تفويضًا جديدًا لاستخدام القوة العسكرية لدعم هذه المهمة الطويلة الأجل. وينبغي أنْ نبني جيشًا، يمكنه على المدى الطويل المحافظة على المهمات التي ندعيها في سورية، بدلًا من إلقاء العبء على مجموعةٍ صغيرة من قوات المهام الخاصة التي استُخدمتْ مرارًا وتكرارًا للتعامل مع تحدياتٍ مشابهة في جميع أنحاء العالم. وقد بدأ (البنتاغون) بالفعل إحراز بعض التقدّم في هذا الاتجاه بإنشاء ألويةٍ “استشارية ومساعدة”، وهي مصممةٌ خصيصًا لهذا النوع من المهمات.

أيّد الجمهور الأميركي ضربات ترامب الصاروخية عام 2017 في سورية، كما ظهر في استطلاعٍ للرأي، أجري في نيسان/ أبريل، ودعم إنشاء منطقة حظر الطيران في سورية، حيث قال 63 في المئة: على الولايات المتحدة أنْ تفعل المزيد للمساعدة في وضع حدٍّ للصراع السوري. وما لن يدعمه الجمهور هو انتشارٌ كبير للقوات الأميركية، مثل تلك التي كانت موجودة في العراق وأفغانستان خلال العقدين الماضيين.

قد يكون أكثر سهولةً، من الناحية السياسية، لترامب أنْ يقطع تمامًا مع أوباما، ويتخلى عن سورية للروس، وعن العراق للإيرانيين، ويُعيد القوات المتبقية إلى الوطن ويعلن عن سلام، ولكنَّ الاستئناف حيث توقف أوباما، والاستمرار في الإنجاز هو الأفضل للسوريين والأميركيين.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 

اسم المقالة الأصلي Obama’s ISIS policy is working for Trump
الكاتب إيلان غولدنبرغ ونيكولاس هيراس، IIan Goldenberg and Nicholas Heras
مكان النشر وتاريخه واشنطن بوست، The Washington Post، 25/1
رابط المقالة https://www.washingtonpost.com/news/posteverything/wp/2018/01/25/obamas-isis-policy-is-working-for-trump/?utm_term=.c0d60940e497
عدد الكلمات 1369
ترجمة أحمد عيشة

 

مقالات ذات صلة

إغلاق