مقالات الرأي

أولى المهام السورية

 

من خلال نظرة متمعنة في الوضع السوري، وفي مطالب أو أهداف الثورة السورية؛ نلحظ حاجة السوريين إلى العمل على إنجاز بعض المهام، كمقدمة لتحقيق الغايات التي انفجرت الثورة من أجلها، بدءًا بمهام التحرر الوطني من قوى الاحتلال والاستبداد والتخلف والرجعية، وانتهاء بتحقيق مجمل المهام الديمقراطية التي لا تقتصر على تأسيس مرتكزات الحكم الديمقراطي، كاستقلال السلطات الثلاث وخصوصًا القضاء، وسلميّة ودوريّة تبادل السلطة، وحرية ومركزية السلطة الرابعة أي الإعلام، وتعدد وحرية الخيار السياسي أي التعددية الحزبية. بل تتعداها لتطال المهام الاقتصادية والاجتماعية كاملة، من قبيل بناء وتطوير قطاع الإنتاج الصناعي وتطوير وربط الإنتاج الزراعي بالصناعي على اعتباره المرتكز الوحيد لبناء دولة متطورة ومستقلة، وإعادة الاعتبار لدور الدولة الاجتماعي والاقتصادي، من أجل تحقيق العدالة والمساواة الاجتماعية والاقتصادية، على قدم المساواة مع العدالة والمساواة السياسية سابقة الذكر.

إلا أن هناك بعض الفئات السورية التي تعارض وتعوق تحقيق هذه المهام، مثل الفئات التجارية والمالية الباحثة عن مصالحها الفردية الضيقة، دون أي اعتبار لمصالح مجمل السوريين ومصالح سورية الوطنية، والتي غالبًا ما تتحول إلى واحد من مكونات الذراع الاقتصادي السلطوي المسيطر. فبعد أن كانت غالبية الطبقة المالية والتجارية تدور حول المافيا الأسدية الحاكمة، نلحظ اليوم تشتتها وتبعثرها على مجمل القوى المحتلة والمسيطرة على سورية، وفقًا لمصالحها وغاياتها الفردية، وكذلك مثل الفئات حديثة الثراء والصاعدة على حساب معاناة الشعب السوري، والمعروفة باسم “تجار الحرب” الذين بنوا مجدهم الحالي من متاجرتهم وتلاعبهم بمصير وظروف ومعاناة مجمل الشعب السوري، سواء المرتبطة بملف المعتقلين والمختفين قسريًا أو بحركة السلع والمواد من وإلى المناطق السورية المختلفة من حيث القوى المسيطرة عليها.

وعليه؛ نستطيع القول إن الكتلة الشعبية الحاملة والمعنية بتحقيق الأهداف والمهام التحررية أولًا، والديمقراطية لاحقًا، مكونة ومشكلة من الغالبية الساحقة من السوريين المفقّرين والمضطهدين والمسحوقين اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. قد تشظّت وتفرقت داخل وخارج سورية نتيجة لدموية وعنف وتوسع الحرب على سورية التي جذبت غالبية قوى الإجرام والتكفير والاستعمار العالمية، كما أنها فاقدة لما يوحد وينظم موقفها وخطابها ونشاطها، بغض النظر عن تموضعها الجغرافي أو تموضع كل مجموعة منها، كونها تفتقد القوى والأحزاب الثورية المنبثقة منها والمعبرة عنها، حيث لم يحظَ السوريون قبل الثورة بأي حياة سياسية مهما كانت؛ مما حال دون تشكيلهم أو خوضهم سابقًا لغمار العمل السياسي والبناء الحزبي. كما ساهم رد النظام الدموي والإجرامي على الثورة السورية، منذ يومها الأول، في وأد بعض التجارب الفردية لبناء الحزب الشعبي والثوري المعبر عن مفقري ومضطهدي سورية، فضلًا عن وقوع بعض الناشطين والمهتمين بتشكيل هذا الجسم السياسي في جملة من الأخطاء السياسية والذاتية كالثقافوية أو العبثية السياسية، التي تتخذ من بعض التوجهات الشعبية الإعلامية ذريعة للقفز من موقف سياسي إلى آخر، فتدعو للتسلح حينًا ولنبذ السلاح حينًا آخر، أو للمساهمة في العمل غير الحكومي /NGOS/ وإيقاف جميع المظاهر الاحتجاجية، وتتخبط بين التعويل على بعض القوى الأصولية والمتطرفة والطائفية في لحظات صعودها الإعلامي، سواء عبر دعمها سياسيًا أو عبر الصمت والقبول بتوغلها داخل المجتمع السوري، وبين الدعوة للتصدي لها. وهو ما يمكن أن يوصف بالعبثية السياسية التي تعطي صورة سلبية عن العمل السياسي فضلًا عن بطئها وعجزها عن تحليل الواقع وترتيب أولوياته وتحديد المسار الثوري إجمالًا، فغالبًا ما نلحظ أن حركة الشارع السوري متقدمة عليها وعلى غيرها في الكشف عن أخطائها وأخطاء مجمل القوى المنخرطة في الحالة السورية. كما لا بدّ من الإشارة أخيرًا إلى تعرض العديد من تجارب البناء التنظيمي الثوري للقمع والقتل والتنكيل الأسدي والتكفيري، وفقًا لأماكن نشاطهم، إضافة إلى تعرضهم للحصار الإعلامي والمالي من قبل الإمبراطوريات المالية والإعلامية المعنية بالشأن السوري، بسبب تعارض توجهات وأهداف الداعمين الدوليين والإقليميين مع الخط السياسي الوطني.

أدى ذلك الأمر إلى خلوّ الساحة السورية من أي قوى تنظيمية ثورية منبثقة من السوريين أنفسهم ومعبرة عن مصالح الغالبية المهمشة والمسحوقة والمستغلة، في مقابل صعود صارخ للعفوية السياسية، الناتجة عن غياب العمل والنقاش والبحث العلمي سياسيًا، ليجبر السوريين على خوض عديد التجارب، لسبر نتائج وخفايا كل جهة من الجهات وكل أسلوب من الأساليب. وهو ما شكل الأرض الخصبة لصعود أصحاب قوى الثورة المضادة الذين يعبرون عن مصالح فئات محدودة من السوريين، من أصحاب المصالح الاقتصادية المتشابكة مع مصالح الأطراف والقوى الإقليمية والدولية، لتعمل هذه الفئات والطبقات والمجموعات على حرف المسار الثوري من مسار النضال من أجل التحرر أولًا، وتحقيق مجمل المهام الديمقراطية ثانيًا، إلى مسار التفرقة والتخلف والعصبويات الطائفية والعرقية، الذي يخدم مصالحهم ومصالح رعاتهم.

بالنتيجة، يفرض الواقع السوري علينا اليوم، من أجل تحقيق المهمتين الرئيستين: التحرير والمهام الديمقراطية، مهمةً جديدة وملحة تتمثل في بناء الجسد التنظيمي الثوري القادر على تنحية مجمل القوى المعادية والمضادة للثورة سرًا وجهرًا، والمعني بتحديد الأولويات الثورية والأهداف الآنية وبعيدة المدى، وتحديد السبل والأدوات والمرتكزات الرئيسية لها، فضلًا عن دوره في الاستفادة أو في التقليل من آثار التبعثر والتفرق السوري، عبر ابتكار آلية العمل الشعبي غير المركزية وفقًا لظروف وشروط كل مجموعة منها، وبحيث تصب جميعها في صالح الأهداف والغايات القريبة وبعيدة المدى، وطبعًا دون إهمال الاستفادة من أدوار السوريين خارج سورية، لا سيّما من يتمتع بظروف لوجستية أفضل من تلك الموجودة داخل سورية، بما يخدم مقولة إن قوى التغيير الشعبية داخل سورية، وإن التغيير لصالح كل سورية وكل السوريين، وهو ما يتطلب المزيد من التعاون والدعم والرفد للسوريين في الداخل، انطلاقًا من مركزية أدوارهم ومن أحقية جميع السوريين في المساهمة فكريًا وعمليًا، وبجميع الوسائل المقبولة سياسيًا وثوريًا وأخلاقيًا واجتماعيًا.

فمن دون إنجاز مهمة البناء التنظيمي المعبر عن الغالبية السورية المفقرة والمضطهدة والمستغلة، لن نتمكن من المضي قدمًا، سواء نحو إنجاز عملية التحرر من الاستبداد والاستعمار والتخلف والتكفيريين، أو نحو تحقيق كامل المهام الديمقراطية. ومن دونها نعزز تحييد وتجاوز قوى الشعب السوري الحية والصلبة لصالح تغليب الخيار الخاطئ في التعويل على قوى الخارج، غير المكترث بمصيرنا وبغاياتنا الثانوية والرئيسية، وهو ما سوف يقودنا نحو المزيد من التيه والضياع، ويغرقنا في المزيد من المشكلات والمصاعب.

مقالات ذات صلة

إغلاق